في زمنٍ تعيش فيه “العاصمة العلمية” للمملكة المغربية خريفَ التدبير الجماعي و”أفول التميز”، لم يكن أشد المتفائلين يتوقع أن يتصدر اسم عمدة مديينة فاس عناوين الصحف ليس بفضل مشاريع تنموية كبرى أو نهضة عمرانية، بل من خلال أروقة محاكم جرائم الأموال.
عبد السلام البقالي، الذي وجد نفسه محاصرا بحكم قضائي بحبسه ستة أشهر حبسا نافذا في ملف “شبكة الفساد”، بات اليوم يجسد حالة “النزول الحاد” لتدبير الشأن المحلي؛ إذ تحولت قاعة الاجتماعات بجماعة فاس من منبر للنقاش الرصين إلى ساحة للفوضى العارمة والصراعات الدائمة التي لا تخدم سوى تكريس الركود في “مدينة تئنّ تحت وطأة الإهمال”، رغم ترقيعاتٍ تستبق الأحداث الكبرى مثل الـ”كان”.
ولم يكن ملف “التلاعب بالصفقات والعقود” الذي أُدين فيه البقالي سوى قمة جبل الجليد من التجاوزات التي طبعت عهده؛ فاستفسارات الوالي الجديد حول “تفويت مسبح ممول من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” لصالح القطاع الخاص، تعكس عقلية تدبيرية تضرب عرض الحائط بمبادئ الحكامة والعدالة الاجتماعية.
هذا النزيف في مقدّرات ومخصصات المدينة، الموجهة أصلا للفئات الهشة، يؤكد أن التدبير في عهد هذا المسؤول المنتخب انحرف عن سكته الصحيحة، ليتحول من “خدمة عمومية” إلى “امتيازات ضيقة” تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مصير المال العام في دهاليز واحدةٍ من أعرق مدن المغرب.
وبدلا من أن يواجه العمدة هذه العواصف بروح المسؤولية والبحث عن حلول لترميم ما انكسر، جاءت ردود أفعاله وتصريحاته لتصب مزيدا من الزيت على نيران الجدل، بأسلوب يراه كثيرون “استهتارا” بمشاعر ساكنة فاس؛ فالرجل الذي اكتسب شهرة وطنية واسعة عبر “صور القضايا الجنائية” والمتابعات القضائية، يبدو وكأنه يعيش في عزلة عن واقع المدينة المتردي؛ إذ تراجعت الخدمات الأساسية، وتدهورت البنية التحتية، وغابت الرؤية الاستشرافية، مما جعل من فاس نموذجا حيا للتهميش الناتج عن سوء التدبير السياسي.
اليوم، يمثل البقالي عنوانا لمرحلة قاتمة في تاريخ فاس المعاصر؛ إنها مرحلة ضاعت فيها هيبة المؤسسة المنتخبة وسط ضجيج المحاكم وصراعات مناصب السياسة.
إن استمرار هذا الوضع لا يشكل إساءة لشخص العمدة فحسب، بل هو طعنة في كبرياء مدينة تاريخية كانت دوما منارة للعلم والسياسة. واليوم، وبينما يترقب الجميع مآل الأحكام القضائية وتدخلات سلطات الرقابة، تظل “الحقيقة العارية” أن فاس تستحق قيادة تليق بعظمتها، لا مسؤولين يجرّون تاريخها إلى ردهات السجون.