Loading...

رئيسة الحكومة ووعد "المصالحة"

|
07 نوفمبر 2026, 01:00
Featured image
حجم الخط

بعض الالتزامات تزداد أهميتها كلما مر عليها الزمن. وتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة واحدة من هذه الالتزامات التي تتصل بقدرة المجتمع على فهم ماضيه، وبمسؤولية المؤسسات في حماية الحقوق وبناء الثقة. وبعد أكثر من عشرين عاما على انتهاء أعمال الهيئة، يظل استكمال توصياتها ورشا يستحق مكانا واضحا في السياسات العمومية، بما يحفظ قيمة المنجز ويمنح ما تبقى منه أفقا للتنفيذ.

ويتيح إعلان الحكومة جعل توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات ضمن أولوياتها مناسبة لاستحضار هذا الورش. فالالتزامات المتعلقة بتعزيز الحقوق والحريات، وتحديث العدالة، وإدماج البعد الحقوقي في السياسات العمومية، تجد في توصيات الهيئة رصيدا وطنيا يمكن البناء عليه. كما أن إعادة الثقة في العمل العمومي تمر عبر الوفاء بالتعهدات التي راكمتها الدولة، وإظهار قدرتها على مواصلة تنفيذها عبر تعاقب الحكومات.

وقد أعاد السجال الذي أثارته مداخلة محمود عرشان بمجلس المستشارين طرح أسئلة تتعلق بذاكرة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومكانة الضحايا في النقاش العمومي. وبصرف النظر عن الخلاف بشأن المسؤوليات الفردية، الذي يقتضي التوثيق والتحقق واحترام حق الرد، فإن وصف المنتقدين بــ”الطابور الخامس” لا يساعد على مناقشة مسؤولة لهذا الماضي. ومن حق أي شخص الدفاع عن نفسه، مثلما أن من حق الضحايا صون كرامتهم والإدلاء بشهاداتهم دون تخوين.

وفي هذا السياق، جاء بلاغ المجلس الوطني لحقوق الإنسان ليؤكد أن مناقشة تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة وتقييم منجزاتها وحدودها حق مشروع وجزء من الممارسة الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، شدد المجلس على ضرورة التمييز بين النقد المسؤول الذي يتناول مكامن النقص والإشكالات المطروحة، وبين التشكيك الذي يبخس المكتسبات وينتقص من مشروعية إنصاف المتضررين.

وتكتسي هذه المساهمة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع المجلس ودوره في متابعة تنفيذ توصيات الهيئة. فهي تذكر بأن المصالحة تحتاج إلى عناية مستمرة، وأن أثرها يقاس أيضا بمدى حضور مبادئها في الخطاب والممارسة. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال بالنقاش إلى السؤال الأوسع: كيف نستكمل هذا المسار ونرسخ مكتسباته في حياة المؤسسات والمجتمع؟

مكتسبات تؤسس لمسؤولية الاستكمال

فتحت هيئة الإنصاف والمصالحة واحدا من أكثر الملفات حساسية في تاريخ المغرب المعاصر. وقد جاء إحداثها سنة 2004 في سياق تفاعلت فيه الإرادة الملكية مع ترافع الحركة الحقوقية ومطالب الضحايا وأسرهم وديناميات المجتمع المدني، امتدادا لمسار سابق من معالجة ماضي الانتهاكات.

وأتاحت الهيئة الاستماع إلى الضحايا، وكشف جوانب من حقيقة الانتهاكات الجسيمة التي شملتها ولايتها خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999، وجبر الأضرار، وصياغة توصيات تربط معالجة الماضي بإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.

وقد منح الخطاب الملكي السامي ليوم 6 يناير 2006 هذا المسار امتداده المؤسساتي، بإطلاق مرحلة تنفيذ التوصيات وتكليف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي أصبح اليوم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بمتابعتها. ثم شكل دستور 2011 محطة أساسية في تعزيز الضمانات الدستورية للحقوق والحريات، إلى جانب تطور المؤسسات المعنية بالحماية والنهوض، وتنفيذ برامج لجبر الضرر وحفظ الذاكرة.

وتحمل التجربة المغربية خصوصيتها باعتبارها ثمرة اختيار وطني سيادي وتفاعل مجتمعي. وهي خصوصية تمنحها سياقها التاريخي والمؤسساتي، وتدعو في الوقت نفسه إلى مواصلة تقييمها في ضوء مبادئ حقوق الإنسان وانتظارات الضحايا. وقد ورد ذكر المغرب ضمن البلدان التي أحدثت لجانا للحقيقة في تقرير للأمين العام للأمم المتحدة حول سيادة القانون والعدالة الانتقالية سنة 2004، بما يعكس حضور التجربة في النقاش الدولي حول هذا الموضوع.

لهذا، فإن أي تقييم منصف للتجربة ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بما تحقق. وفي المقابل، يقتضي الوفاء لقيمتها تحديد ما تبقى، وفهم أسباب تأخره، وتوفير شروط إنجازه. فالمكتسبات تمنح الاستكمال أساسه، والملفات العالقة تمنحه ضرورته.

ويكتسي عامل الزمن أهمية خاصة. فبالنسبة إلى الضحايا وذوي الحقوق، يرتبط استكمال تسوية إدارية أو مواكبة صحية أو كشف حقيقة منتظرة بأوضاع إنسانية لا تحتمل التأجيل المفتوح. وكلما تقدم الزمن، ازدادت الحاجة إلى ترتيب الأولويات وفق أثرها المباشر على حياة المعنيين وحقهم في الإنصاف.

الاعتراف واستمرار المسؤولية

يشدد بلاغ المجلس الوطني لحقوق الإنسان على أن إقرار مسؤولية الدولة شكل مدخلا مؤسساتيا لتحمل تبعات الانتهاكات وجبر الأضرار الناجمة عنها. وهي مسؤولية تعبر عن استمرارية الدولة والتزاماتها تجاه الضحايا والمجتمع، دون أن تعني إغلاق باب البحث في الوقائع أو الخلط بين اختصاصات الهيئة غير القضائية ووظائف القضاء والبحث التاريخي.

ومن بين توصيات الهيئة، تبرز توصية تقديم الوزير الأول تصريحا أمام البرلمان يتضمن اعتذارا رسميا باسم الحكومة عن مسؤولية الدولة عما ثبت من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الماضي. وقد عرض تقرير وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان لسنة 2019 قراءة مؤسساتية تعتبر أن الخطاب الملكي والمبادرات التي واكبت اختتام أعمال الهيئة، ومنها استقبال الضحايا وذويهم، حملت دلالات الاعتراف والمصالحة التي استهدفتها التوصية، واعتبر التقرير أنه تم تجاوز مطلب الاعتذار الحكومي.

تستحق هذه القراءة أن تستحضر بأمانة، لما تبرزه من أهمية تلك المبادرات في المسار المغربي. وفي الوقت نفسه، يبقى من المشروع، في تقديري، مناقشة القيمة التي يمكن أن يضيفها تنفيذ التوصية في صيغتها الحكومية والبرلمانية المحددة، باعتباره امتدادا للاعتراف المؤسسي وتعزيزا لاستمراريته.

فالاعتذار الحكومي يعبر عن تحمل المؤسسة لمسؤوليتها عبر الزمن، دون أن يعني تحميل من يقدمه مسؤولية شخصية عن أحداث سابقة. وهو يكتسب معناه حين يقترن بمواصلة الإنصاف، وصون الذاكرة، وتعزيز الضمانات التي تحمي الحقوق. ولذلك، لا ينبغي اختزال تقييم التجربة في هذه المسألة وحدها، كما لا ينبغي استبعادها من النقاش بشأن استكمال التوصيات. ويمكن تناولها ضمن حوار مؤسساتي هادئ، يحفظ مكانة المبادرات المنجزة ويبحث ما يمكن أن يعزز أثرها لدى الضحايا والمجتمع.

برنامج واضح لما تبقى

يتحمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان مسؤولية محورية في متابعة تنفيذ توصيات الهيئة، ضمن التكليف الذي أسند إلى المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان. وقد جدد المجلس، في بلاغه، التزامه بمتابعة تنفيذ هذه التوصيات وتقييم ما تحقق منها وإبراز ما يستدعي استكمالا أو معالجة، مع الإنصات إلى انتظارات الضحايا وأسرهم.

غير أن إنجاز عدد من هذه التوصيات يرتبط أيضا باختصاصات الحكومة وقطاعاتها، سواء في إعداد التشريعات أو التنظيم أو تعبئة الموارد أو تدبير الخدمات والسياسات العمومية. ومن هنا تبدو الحاجة إلى برنامج حكومي واضح لاستكمال ما يدخل في هذه الاختصاصات، بتنسيق مع المجلس والجهات المعنية، مع الإنصات إلى الضحايا وذوي حقوقهم والجمعيات المعنية. وينطلق هذا البرنامج من حصيلة محينة تبين المنجز، والالتزامات المتبقية، والصعوبات التي تواجه تنفيذها، مع تحديد المسؤوليات والآجال والموارد اللازمة.

ويمكن في هذا الصدد البناء على تقارير المجلس السابقة وآليات المتابعة القائمة، وتعزيز القدرة على التنسيق وحل التعثرات. كما أن إتاحة حصيلة دورية للرأي العام، مع حماية المعطيات الشخصية للضحايا، من شأنها أن تجعل التقدم قابلا للتتبع، وأن تمنح الالتزامات وضوحا أكبر.

ويستطيع البرلمان مواكبة هذا الجهد من خلال التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية. فتوزيع المسؤوليات بوضوح يساعد على معالجة الملفات، ويتيح لكل مؤسسة الإسهام من موقع اختصاصها في إنجاز التزام وطني مشترك.

جبر الضرر وحفظ خصوصيته

اعتمدت تجربة الإنصاف والمصالحة مفهوما لجبر الضرر يشمل التعويض المالي، والتسوية الإدارية والمهنية، والإدماج الاجتماعي، والرعاية الصحية، إلى جانب البعد الجماعي المتصل بالمناطق التي تضررت من الانتهاكات أو التهميش المرتبط بها.

ويقتضي استكمال هذا الورش مواصلة معالجة الملفات المتبقية، وضمان استمرارية المواكبة، مع مراعاة تقدم الضحايا في السن وتغير احتياجاتهم. كما يقتضي الانتباه إلى الآثار المختلفة للانتهاكات على النساء والرجال، وإلى معاناة الأسر والمجتمعات المحلية. فالإنصاف يظهر أيضا في قدرة الخدمات والإجراءات على الاستجابة لهذه الأوضاع بفعالية واحترام.

ومن المبادئ التي يستحق بلاغ المجلس التوقف عندها تأكيده أن حقوق الضحايا لا تتوقف على انتماءاتهم السياسية أو الفكرية أو الجغرافية، وأن الاعتراف بمعاناتهم لا يجوز إخضاعه لمنطق الاصطفاف أو لموازين الخلاف السياسي.

أما جبر الضرر الجماعي، فيمكن أن يستفيد من الأولوية المعلنة للعدالة المجالية والتنمية الترابية، شريطة الحفاظ على خصوصيته الحقوقية والتاريخية. فالمشروع المنجز في هذا الإطار يحمل، إلى جانب أثره التنموي، معنى الاعتراف بما لحق المنطقة وسكانها، ومكانتهم في الذاكرة الوطنية.

ذاكرة متاحة للأجيال الجديدة

أما حفظ الذاكرة فمسؤولية تزداد إلحاحا مع تقدم الزمن. فالشهادات تحتاج إلى التوثيق، والأرشيف يحتاج إلى الحفظ والتصنيف والإتاحة وفق الضوابط التي تحمي الحقوق، وفضاءات الذاكرة تحتاج إلى الصيانة والتثمين وإلى برامج تمنحها حياة داخل محيطها.

وكما يذكر بذلك بلاغ المجلس، فإن عمل هيئة الإنصاف والمصالحة لم يكن يهدف إلى فرض رواية نهائية للتاريخ أو إغلاق باب البحث فيه. ففهم السياقات التاريخية والسياسية يساعد على تفسير شروط وقوع الانتهاكات واستخلاص دروسها، لكنه لا يسقط حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف.

وقد شهد مجال حفظ الذاكرة مبادرات مهمة يمكن تعزيزها من خلال تعاون المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان والثقافة والأرشيف والتعليم والبحث العلمي. وتستطيع الحكومة دعم هذا التعاون بالموارد، وبإزالة العوائق الإدارية، وتيسير الوصول إلى المعرفة.

وتكتسب إتاحة هذا التاريخ للأجيال الجديدة أهمية خاصة. فمعرفة ما وقع، وفهم السياقات التي سمحت بالانتهاكات، والاستماع إلى تجارب المتضررين، تساعد على بناء وعي بقيمة الحقوق وبمسؤولية المؤسسات في حمايتها. وتحتاج هذه المعرفة إلى بحث مستقل ونقاش مسؤول، يتيح التحقق والمساءلة ويحترم كرامة الأشخاص. بذلك تصبح الذاكرة موردا للتعلم المشترك، وتكتسب المصالحة امتدادا يتجاوز الجيل الذي عاش الانتهاكات مباشرة.

ضمانات تحمي المستقبل

تبلغ توصيات الهيئة مداها في ضمانات عدم التكرار. فإصلاح المؤسسات، وتعزيز استقلال القضاء، وتطوير حكامة القطاعات المكلفة بإنفاذ القانون، والوقاية من التعذيب، ومناهضة الإفلات من العقاب، تمنح معالجة الماضي أثرها في حماية الحاضر والمستقبل.

وفي هذه المجالات، يمكن أن يوفر استحضار توصيات الهيئة مرجعا للإصلاحات المرتبطة بالعدالة والحقوق والحريات، مع تحديد أهداف قابلة للتقييم وبيان أثرها على الممارسة. كما أن ترسيخ ثقافة المسؤولية داخل المؤسسات جزء من هذه الضمانات. ويظهر ذلك في احترام الشكايات، والتفاعل الجاد مع الادعاءات، وقبول الرقابة، وصون كرامة الأفراد في الخطاب وفي التعامل اليومي.

لقد أتاحت تجربة الإنصاف والمصالحة للمغرب رصيدا مهما في مواجهة ماضي الانتهاكات. ومسؤولية المرحلة هي أن يستمر هذا الرصيد في إنتاج أثر ملموس: إنصاف يستكمل، وذاكرة تصان، ومؤسسات تتعزز قدرتها على حماية الحقوق.

ومن شأن إعطاء هذا الورش مكانا واضحا في العمل الحكومي أن يمنح الالتزام ببناء الثقة مضمونا عمليا. فالثقة تتقوى حين يرى المواطن أن تعهدات الدولة تستمر، وأن مرور الزمن يدفع إلى استكمالها. ذلك هو معنى الوفاء لوعد الإنصاف والمصالحة: أن يظل الاعتراف موصولا بالفعل، وأن يجد الضحايا والأجيال الجديدة في المؤسسات ما يطمئنهم إلى أن دروس الماضي تحمي المستقبل.

-صحافي وباحث في الإعلام وحقوق الإنسان

المصدر: سامي المودني

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز