Loading...

الوحدة المغربية عبر التاريخ

|
07 نوفمبر 2026, 01:00
Featured image
حجم الخط

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛

-السيد المحترم المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير؛

-السادة الأفاضل أعضاء أسرة المقاومة وجيش التحرير؛

-السيدات والسادة الأفاضل؛

يشرفني أن أشارك المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في تخليد الذكرى الأولى لعيد الوحدة، الذي أقره أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، ليكون عيداً وطنياً في 31 أكتوبر من كل سنة، وذلك في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي عزز مكانة المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وجعلها أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي لقضية الصحراء المغربية، في إطار السيادة المغربية والوحدة الوطنية والترابية للمملكة.

-أيها السيدات والسادة؛

يحتل مبدأ الوحدة والاتحاد مكانة مركزية في ديننا الإسلامي الحنيف؛ فالوحدة فريضة شرعية، وضرورة اجتماعية وحضارية، وركن أساسي في إقامة الدين وتحقيق مقاصده السامية. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال عز وجل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 47].

وتعد الوحدة الوطنية من أبرز العوامل المحركة لتاريخ المغرب منذ فجر الإسلام، إذ شكّلت محوراً أساسياً للمشاريع والتجارب الإصلاحية التي عرفها تاريخنا الوطني، وأسهمت في قيام الدولة المغربية وترسيخ مؤسساتها، منذ عهد الدولة الإدريسية، مروراً بمختلف الدول المركزية الكبرى في تاريخ المغرب الوسيط والحديث، وصولاً إلى الدولة العلوية. وقد ارتكز هذا المسار على ثلاثة أبعاد أساسية ومتكاملة: الوحدة السياسية والترابية، والوحدة الدينية والمذهبية، والوحدة الاجتماعية.

وانطلاقاً من ذلك، تبرز مجموعة من التساؤلات: ما أبرز المحطات التاريخية التي أسهمت في إرساء الوحدة الوطنية بأبعادها السياسية والترابية والمذهبية والاجتماعية؟ وما أهم التحديات التي واجهها المغاربة عبر تاريخهم في سبيل تحقيق وحدتهم الوطنية وصونها والمحافظة عليها؟ وما أهمية عيد الوحدة في حاضر المغرب ومستقبله؟ وما الأبعاد والدلالات التاريخية والوطنية التي يكتسيها إقرار هذه المناسبة عيداً وطنياً، في سياق التطورات الراهنة التي تعرفها قضيتنا الوطنية الأولى؟

1- الدولة المغربية والوحدة الوطنية: جدلية التأسيس والامتداد

لم ينفصل النضال التاريخي من أجل تأسيس الدولة المغربية عن مسار بناء الوحدة الوطنية وترسيخ مقوماتها الدينية والوطنية. فقد ظل صون السيادة وحماية الوحدة الوطنية والترابية من الثوابت التي وجّهت مسيرة المغرب عبر التاريخ، ولا سيما خلال المحطات العصيبة التي واجهها. ومن ثم، فإن العلاقة بين تأسيس الدولة وترسيخ الوحدة الوطنية علاقة جدلية وعضوية لا تنفصل عناصرها، وتتداخل في إطارها أدوار مؤسسات الدولة وفعاليات المجتمع.

فمنذ عهد الدولة الإدريسية، شكّل السعي إلى تحقيق الوحدة المغربية أحد أبرز ما ميّز هذه الدولة عن غيرها من الإمارات المغربية المعاصرة لها، حيث تبنّت مشروعاً وحدوياً شمل المجتمع والمجال والوجدان. وبذلت في سبيل تحقيقه جهوداً كبيرة، سواء في عهد مؤسسها المولى إدريس الأول أو في عهد خلفه المولى إدريس الثاني، مكّنتها من توحيد عدد من القبائل المغربية ضمن مجال ترابي واسع امتد إلى مناطق متعددة من البلاد. وشكّلت البيعة الشرعية، والانتماء إلى الإسلام السني، والارتباط بالمذهب المالكي، مرتكزات أساسية لهذا البناء الوحدوي في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ المغرب الإسلامي. وعلى الرغم من الصعوبات الداخلية والخارجية التي واجهتها الدولة الإدريسية، فقد تمكنت من إرساء النواة الأولى للدولة المركزية، والمساهمة في بناء الوحدة السياسية والترابية والاجتماعية والمذهبية للمغرب.

وتولت الدول الكبرى في تاريخ المغرب الوسيط، ولا سيما المرابطية والموحدية والمرينية، ترسيخ هذا البناء الوحدوي وتطويره، إذ ارتكزت مشاريعها السياسية والإصلاحية على التوحيد بمختلف أبعاده الدينية والمذهبية والاجتماعية والترابية. وأسهمت جهود هذه الدول في ترسيخ الوحدة المغربية بمختلف مكوناتها، ومن أبرزها:

– الوحدة السياسية والترابية: تجلت في نجاح المشاريع التوحيدية للدولة المغربية، التي لم تقتصر على المجال الترابي للمغرب الأقصى، بل امتد نفوذها في مراحل تاريخية معينة إلى كامل الغرب الإسلامي، بما في ذلك بلاد المغرب والأندلس، كما امتد النفوذ المرابطي إلى مناطق من غرب إفريقيا. وأصبحت مراكش، منذ تأسيسها في العصر المرابطي، عاصمة للدولة المغربية وللغرب الإسلامي، في ظل مؤسسة الإمامة العظمى، في صيغة إمارة المسلمين المرابطين، وفي صيغة إمارة المؤمنين والخلافة في العهد الموحدي والمريني.

– الوحدة المذهبية: تكاملت عناصرها تدريجياً من خلال ترسيخ المذهب المالكي في الفقه، والعقيدة الأشعرية في الاعتقاد، والتصوف السني الجنيدي في السلوك. وقد تضافرت جهود الدولة والعلماء في سبيل ترسيخ هذه الاختيارات، وتكوين هوية دينية سنية جامعة للمجتمع المغربي. ومع توالي العصور، تحولت هذه الاختيارات المذهبية إلى ثوابت راسخة في التدين المغربي، وأسهمت في تعزيز التماسك المجتمعي وصيانة الوحدة الوطنية، والحد من عوامل الانقسام والفتن الطائفية والمذهبية وما قد يترتب عنها من اضطرابات سياسية واجتماعية وترابية.

الوحدة الاجتماعية: تجلت في تفاعل مختلف مكونات المجتمع المغربي واندماجها، من الأمازيغ والعرب وغيرهم، ضمن إطار وطني وحضاري مشترك. فقد شكّل الإسلام أحد أبرز عوامل بناء الوحدة الاجتماعية للمغاربة، من خلال ما أسهم به في تحقيق الاندماج بين الأمازيغ والعرب منذ الفتح الإسلامي، وتعزيز التلاحم بين سكان مختلف البيئات والأقاليم التي خضعت للدولة المغربية في مراحل تاريخية متعاقبة. وقد برهن المغاربة، عبر تاريخهم، على تماسكهم الاجتماعي وروح التضامن والتآزر بينهم، ولا سيما خلال المحطات التاريخية العصيبة التي واجهتها البلاد. وأفشلوا بفضل ذلك كل المؤامرات والدسائس الاستعمارية للتفريق العرقي والديني بينهم من خلال مناهضتهم الوطنية للظهير البربري 16 ماي 1930.

وفي التاريخ الحديث، اتخذ النضال من أجل الوحدة الوطنية أبعاداً جديدة بفعل التحولات التي طرأت على السيادة المغربية، نتيجة التوسع الإيبيري البرتغالي والإسباني واحتلال عدد من الثغور المغربية على الواجهتين المتوسطية والأطلسية، منذ احتلال مدينة سبتة سنة 1415م/818هـ. وتزامن ذلك مع ضعف السلطة المركزية المرينية في أواخر عهدها، ثم السلطة الوطاسية التي واجهت صعوبات كبيرة في الاضطلاع بواجبات الإمامة العظمى، وفي مقدمتها حماية البلاد وصون سيادتها. وقد أسهمت هذه الأوضاع في نشوء دينامية اجتماعية وسياسية امتدت عبر المجال المغربي من شماله إلى جنوبه، تجسدت في اندلاع حركات الجهاد والمقاومة المسلحة، بتأطير من العلماء والصلحاء والشرفاء، وهي الدينامية التي مهدت لبيعة الشرفاء السعديين وقيام الدولة السعدية انطلاقاً من منطقة سوس.

وشكّل قيام الدولة السعدية منعطفاً جديداً في تاريخ المغرب الحديث، إذ تبنّت الدولة الجديدة مشروعاً لإعادة توحيد البلاد ومواجهة الوجود الإيبيري في الثغور المغربية. وبفضل هذا المشروع، التف حولها العلماء والفقهاء والصلحاء ومختلف القبائل والحواضر، وتمكنت من الانتقال بالمغرب من مرحلة الانقسام السياسي وتراجع السيادة إلى مرحلة تجديد بناء الدولة المركزية، وترسيخ وحدتها، وإعادة توحيد المجتمع المغربي ومجاله الترابي تحت راية إمارة المؤمنين، استناداً إلى البيعة الشرعية. كما تعززت شرعيتها بما حققته من نجاحات عسكرية، توّجت بالانتصار في معركة وادي المخازن سنة 986هـ/1578م، وما أعقب ذلك من تعزيز النفوذ المغربي في الغرب الإفريقي، والحد من التوسع الإيبيري في المنطقة.

وعلى إثر وفاة السلطان أحمد المنصور الذهبي سنة 1012هـ/1603م، تجددت الأخطار التي هددت الوحدة المغربية، بفعل الصراع بين أبناء المنصور وما ترتب عنه من انقسام سياسي وظهور إمارات وكيانات متنافسة. وفي ظل هذه الأوضاع، حمل الشرفاء العلويون مشروع إعادة توحيد البلاد، وتمكنوا تدريجياً من إعادة بناء وحدتها السياسية، وتجديد هياكل الدولة المغربية العسكرية والإدارية، وترسيخ نظام إمارة المؤمنين استناداً إلى البيعة الشرعية. كما أسهمت رعاية السلاطين العلويين للاختيارات الدينية والمذهبية للمغاربة في تعزيز تماسك المجتمع ووحدته الوطنية، إذ ازدادت الوحدة المذهبية رسوخاً مع توالي العصور، وأصبحت أحد المرتكزات الأساسية للهوية الحضارية للمغرب.

2- المغرب في مواجهة التحديات الاستعمارية والدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية

مع إطلالة القرن التاسع عشر، وتصاعد حدة الضغوط الإمبريالية على البلاد الإسلامية، كان للمغرب نصيب وافر من تلك الضغوط لموقعه الاستراتيجي ومكانته التاريخية والحضارية في الغرب الإسلامي. فبعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830م، ومبادرة المغرب إلى مساندة المقاومة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر، انطلاقاً من روابط الأخوة والتضامن الإسلامي، دخل المغرب في مواجهة عسكرية مع فرنسا، انتهت بهزيمته في معركة إيسلي سنة 1844م، التي شكلت تهديداً مباشراً لسيادته الوطنية ووحدته الترابية. وتوالت الضغوط الأوروبية على المغرب، وتكرست بهزيمته أمام إسبانيا في حرب تطوان (1859–1860م)، ليستمر مسلسل التدخلات الأجنبية إلى أن فُرضت عليه معاهدة الحماية في 30 مارس 1912م، التي مثلت أخطر تهديد تعرضت له الدولة المغربية ووحدتها الوطنية والترابية في التاريخ المعاصر.

أفضى المد الاستعماري إلى تقسيم التراب المغربي بين القوتين الاستعماريتين، فرنسا وإسبانيا؛ فخضعت مناطق واسعة من وسط المغرب للنفوذ الفرنسي، في حين بسطت إسبانيا سيطرتها على معظم شمال البلاد وأقاليمها الصحراوية الجنوبية، بينما أُخضعت مدينة طنجة لنظام دولي خاص. وهكذا تعرضت وحدة المجال الترابي المغربي للتفكيك، وأصبحت السيادة الوطنية مجزأة بين أنظمة استعمارية مختلفة.

لقد شكل الواقع الاستعماري تحدياً مزدوجاً للدولة والمجتمع المغربيين. غير أن التماسك الوطني والديني، الذي ترسخ عبر تاريخ المغرب، أسهم في تعبئة مختلف مكونات المجتمع لمواجهة هذا التحدي. فقد عبّر المغاربة، في مختلف جهات البلاد، من الجبال إلى الصحراء، ومن الأرياف إلى المدن، عن يقظتهم الوطنية وتمسكهم بهويتهم الدينية والوطنية ومقدساتهم. وتصدى المجتمع المغربي للمشروع الاستعماري بمختلف الوسائل العسكرية والسياسية، معبّراً عن تشبثه بوحدته الوطنية وإصراره على استرجاع السيادة والاستقلال، وصيانة مؤسسة إمارة المؤمنين والدفاع عن شرعيتها ومشروعيتها، ولا سيما عقب إقدام سلطات الحماية الفرنسية على نفي السلطان محمد بن يوسف سنة 1953م.

وقد شكلت المقاومة المسلحة، والحركة الوطنية المناهضة للظهير البربري، وعرائض المطالبة بالاستقلال، وثورة الملك والشعب، حلقات متكاملة في ملحمة وطنية متواصلة، استهدفت إفشال المشروع الاستعماري وصيانة الوحدة الوطنية، بقيادة المؤسسة الملكية التي ظلت رمزاً لوحدة الأمة المغربية الدينية والسياسية.

ولم تنتهِ التحديات التي واجهت الوحدة الوطنية والترابية بحصول المغرب على استقلاله، وعودة السلطان محمد الخامس من المنفى في 16 نونبر 1955م، ثم إنهاء نظام الحماية الفرنسية في منطقة نفوذها، ونظام الحماية الإسبانية في شمال المغرب، والنظام الدولي بمدينة طنجة سنة 1956م. فقد ظلت أجزاء من التراب الوطني خارج السيادة المغربية، ولا سيما الأقاليم الصحراوية. ورغم استرجاع طرفاية سنة 1958م وسيدي إفني سنة 1969م، استمرت الجهود الوطنية لاستكمال الوحدة الترابية، إلى أن جاءت المسيرة الخضراء المظفرة، التي دعا إليها جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه في 6 نونبر 1975م، وشكلت محطة تاريخية بارزة في مسار استرجاع المغرب سيادته على إقليم الساقية الحمراء. وتعزز هذا المسار باسترجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979م، بما كرّس ارتباط الأقاليم الصحراوية بالوطن الأم ومؤسسة إمارة المؤمنين في إطار البيعة الشرعية.

وإذا كانت تضحيات الشعب المغربي على امتداد عقود من المقاومة والنضال، قد أفضت إلى استرجاع الاستقلال؛ فإن التحديات المرتبطة بالوحدة الترابية لم تتوقف عند هذا الحد. ففي 27 فبراير 1976م، أعلنت جبهة البوليساريو الانفصالية بدعم من أطراف إقليمية ودولية مناهضة للمغرب، الدخول في نزاع مسلح ضد المغرب حول الصحراء. وقد واجهت المملكة هذه التطورات الخطيرة بمختلف الوسائل العسكرية والسياسية، واستمر النزاع إلى أن تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991م، في إطار المسار الأممي الرامي إلى تسويته.

ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم، اتجهت الجهود المغربية بصورة متزايدة نحو تكثيف العمل الدبلوماسي والسياسي من أجل استكمال الوحدة الترابية، والدفاع عن الموقف الوطني في مختلف المحافل الإقليمية والدولية. وظلت قضية الصحراء المغربية مدرجة ضمن اهتمامات مجلس الأمن الدولي، الذي يتناول تطوراتها بصورة دورية، ولا سيما من خلال قراراته المتعلقة بتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو).

وفي سياق البحث عن تسوية سياسية للنزاع، تقدم المغرب سنة 2007م بمبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، باعتبارها مقترحاً لتسوية سياسية للنزاع في إطار السيادة المغربية والوحدة الوطنية والترابية للمملكة.

3- جلالة الملك محمد السادس وترسيخ الوحدة الوطنية: من مبادرة الحكم الذاتي إلى إقرار عيد الوحدة

تُعدّ الوحدة الوطنية والترابية من الثوابت الجوهرية في مسار بناء الدولة المغربية الحديثة والمعاصرة، باعتبارها امتداداً لمسار تاريخي طويل من النضال من أجل الاستقلال واسترجاع السيادة واستكمال الوحدة الترابية. فإذا كان جلالة الملك محمد الخامس هو بطل التحرير والاستقلال، وجلالة الملك الحسن الثاني هو مبدع المسيرة الخضراء، فإن جلالة الملك محمد السادس هو مهندس الوحدة الوطنية. ففي عهد جلالته ، اتخذ النضال من أجل ترسيخ الوحدة الوطنية مسارا جديدا وأبعاداً جديدة، من خلال اعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين العمل الدبلوماسي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية، وتعزيز حضور قضية الصحراء المغربية في المحافل الدولية، فضلاً عن ترسيخ الذاكرة الوطنية وصيانة رموزها التاريخية.

أولاً: المبادرة المغربية للحكم الذاتي (2007م): منعطف تاريخي في تدبير قضية الصحراء المغربية

في 11 أبريل 2007م، تقدم المغرب بمبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية إلى الأمين العام للأمم المتحدة، باعتبارها مقترحاً سياسياً لتسوية النزاع في إطار السيادة المغربية والوحدة الوطنية والترابية للمملكة. وقد عكست هذه المبادرة توجهاً نحو اعتماد حل سياسي تفاوضي يقوم على منح الأقاليم المعنية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها بطريقة ديموقراطية، مع الحفاظ على مقومات السيادة الوطنية المغربية.

وشكلت المبادرة منطلقا أساسياً لتطوير العمل الدبلوماسي المغربي على المستويين الإقليمي والدولي، حيث نجحت الديبلوماسية المغربية في توسيع دائرة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي، وتعزيز حضوره ضمن المسار الأممي لتسوية النزاع. وقد أصبحت المبادرة مرجعاً أساسياً في المفاوضات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، بالنظر إلى ما حظيت به من اهتمام متزايد في القرارات والمواقف الدولية، بعد أن اعترفت بها الأغلبية العظمى من دول العالم من مختلف قارات العالم، ومن بينها دول عظمى ودائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

ثانياً: النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية دعامة لترسيخ الوحدة الوطنية

لم يقتصر تدبير قضية الوحدة الترابية بتوجيه من جلالة الملك محمد السادس على التحرك الدبلوماسي والسياسي؛ بل امتد ليشمل البعد التنموي، من خلال ربط استكمال الوحدة الترابية بتأهيل الأقاليم الجنوبية وتعزيز اندماجها الاقتصادي والاجتماعي في محيطها الوطني والإفريقي.

وفي هذا السياق، أُطلق جلالة الملك سنة 2015م النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ورُصدت له اعتمادات مالية مهمة، بهدف تطوير البنيات التحتية، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتعزيز التنمية الثقافية والمجالية.

وتجلت هذه المقاربة في إطلاق مشاريع كبرى لتطوير البنيات التحتية الطرقية والمينائية، من أهمها ميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع الربط الطرقي ومن أهمها الطريق السريع تزنيت الداخلة على طول 1055كلم والذي يعد أحد أبرز مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية في المغرب وفي القارة الإفريقية، إلى جانب تشجيع الاستثمار وتأهيل القطاعات الإنتاجية والمرافق الاجتماعية والتأهيل الحضري للمدن والمراكز القروية. وقد استهدف هذا النموذج جعل الأقاليم الجنوبية قطبا اقتصادياً وتنموياً منفتحاً على محيطه الإفريقي، ورافعة للتواصل والتبادل بين المغرب وعمقه الإفريقي.

وهكذا أصبحت التنمية المجالية أحد المداخل الأساسية لتعزيز الاندماج الترابي، وربط الوحدة الوطنية بمقتضيات التنمية المستدامة والعدالة المجالية.

ثالثاً: القرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025م وتكريس الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

شكّل قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، محطة مهمة في مسار قضية الصحراء المغربية، بالنظر إلى ما كرّسه من تعزيز لمكانة المبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي للنزاع.

وقد أعطى القرار زخما جديدا للحراك الدبلوماسي المغربي الرسمي والبرلماني والمدني، وفتح آفاقا أوسع للتعريف بالمبادرة وتفصيل مضامينها وإقناع الرأي العام العالمي بواقعيتها وأهميتها الديموقراطية، مما عزز حضورها في المسار الأممي ووسع دائرة الاهتمام الدولي بها. وتبرز أهمية القرار في استجابة الكثير من الدول الإفريقية والعربية والدول العظمى للمبادرة المغربية واعترافها بمغربية الصحراء وفتح قنصلياتها بالأقاليم الجنوبية بمدينتي العيون والداخلة.

رابعاً: إقرار عيد الوحدة في 31 أكتوبر 2025 وترسيخ أبعاد الوحدة الوطنية في الذاكرة المغربية الجماعية

في سياق التطورات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها قضية الصحراء المغربية، أعلن بلاغ الديوان الملكي الصادر في 4 نونبر 2025م عن قرار جلالة الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت اسم «عيد الوحدة»، وذلك اعتباراً للتحولات التي عرفها مسار القضية الوطنية، واستحضاراً للتطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2797.

ويكتسي هذا القرار أهمية تاريخية ورمزية، باعتباره جعل من عيد الوحدة مناسبة سنوية لاستحضار المسار التاريخي لنضال المغاربة من أجل الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية، وما بذله الشعب المغربي من تضحيات في سبيل صيانة سيادة البلاد ووحدتها.

كما يتيح هذا الموعد الوطني الربط بين مختلف المحطات التاريخية التي طبعت مسيرة المغرب الحديث والمعاصر، بدءاً من وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944م، مروراً بالمقاومة المسلحة وثورة الملك والشعب، واسترجاع الاستقلال سنة 1956م، ثم المسيرة الخضراء سنة 1975م، وصولاً إلى التطورات الدبلوماسية والسياسية المعاصرة.

وبذلك، لا يقتصر عيد الوحدة على تخليد حدث سياسي أو دبلوماسي بذاته، بل يتجاوز ذلك إلى تأكيد استمرارية التلاحم بين العرش والشعب في الدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية، وصيانة الثوابت التاريخية والحضارية للمملكة المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

على سبيل الختم:

لم تكن الوحدة الوطنية المغربية مجرد معطى جغرافي أوشعار سياسي، بل شكلت على امتداد التاريخ ثمرة نضال متواصل وتضحيات جسام بذلها المغاربة، بمختلف مكوناتهم، بقيادة مؤسسة إمارة المؤمنين، في سبيل بناء دولتهم وصيانة سيادتهم وحماية وحدتهم الترابية والاجتماعية والدينية. فمنذ قيام الدولة الإدريسية، مروراً بالدول المتعاقبة، وصولا إلى نضال الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير من أجل الاستقلال، ودفاع القوات المسلحة الملكية عن حوزة التراب الوطني، وصمود كافة الشعب المغربي بقيادة ملوكه العظام، ظل التشبث بوحدة الوطن قاسماً مشتركاً بين المغاربة، ومعبّراً عن وعيهم بوحدة المصير وعمق انتمائهم التاريخي والحضاري والوطني.

وقد أبلى ملوك المغرب المعاصر البلاء الحسن في قيادة معركة التحرير والاستقلال والوحدة الوطنية: جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه بطل التحرير والاستقلال، وجلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله مبدع المسيرة الخضراء، وجلالة الملك محمد السادس نصره الله مهندس الوحدة الوطنية.

ويواصل المغاربة بقيادة جلالته معركة بناء الوحدة الوطنية بأبعاد جديدة تتمثل في العمل الديبلوماسي الناجع، والنموذج التنموي الناجح، والحزم في الدفاع عن السيادة الوطنية، مما يعكس العبقرية المغربية الممتدة في الماضي والحاضر والمستقبل.

وخير ما أختم به قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. صدق الله العظيم. والحمد لله رب العالمين

والسلام.

-أستاذ التعليم العالي للتاريخ والحضارة
مؤسسة دار الحديث الحسنية جامعة القرويين الرباط

المصدر: أحمد الخاطب

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز