هل سبق أن تحدثتِ مع صديقة عن شراء حقيبة جديدة، أو فكرتِ في حجز رحلة إلى وجهة معينة، ثم فتحتِ إنستغرام لتجدي إعلاناً عن الحقيبة أو الفندق الذي كنتِ تتحدثين عنه؟ هذا النوع من المصادفات يثير سؤالاً يتكرر كثيراً: هل يستمع الهاتف إلى محادثاتنا؟ قد يبدو الأمر كذلك، لكن تفسير ظهور هذه الإعلانات أكثر تعقيداً من مجرد تشغيل ميكروفون الهاتف. فالتطبيقات والمنصات الرقمية تستخدم وسائل متعددة للتعرف إلى اهتمامات المستخدمين، بدءاً من سجل البحث والمواقع التي يزورونها، وصولاً إلى تفاعلهم مع المحتوى والبيانات التي تتلقاها من مواقع وتطبيقات أخرى.
تعتمد الإعلانات المخصصة على جمع إشارات رقمية متفرقة وتحليلها، ثم استخدامها لتوقع المنتجات والخدمات التي قد تثير اهتمامك. ولا يشترط أن تبحثي عن منتج بعينه حتى يظهر إعلانه؛ فقد تكفي مجموعة من الأنشطة الرقمية لتكوين صورة عن اهتماماتك. ومن أبرز الطرق التي تساعد المنصات على ذلك:
عندما تبحثين عن فستان لمناسبة، أو تتصفحين مواقع بيع الأثاث، أو تشاهدين مقاطع فيديو عن السفر، قد تتحول هذه الأنشطة إلى مؤشرات على اهتماماتك. وتستطيع بعض أنظمة الإعلانات الاستفادة من بيانات النشاط المحفوظة في حساباتك، أو التي تصل إليها من مواقع وتطبيقات شريكة، لعرض إعلانات تتناسب مع ما تبحثين عنه. وتوضح Google أن الإعلانات المخصصة قد تعتمد على عمليات البحث ومقاطع الفيديو التي تشاهدينها، إلى جانب نشاطك على مواقع وتطبيقات أخرى تتعاون معها.
هل لاحظتِ ظهور إعلان عن منتج شاهدتِه سابقاً في متجر إلكتروني، حتى بعد مغادرة الموقع؟ قد تكون تقنيات التتبع وراء ذلك. تستخدم بعض المواقع ملفات تعريف الارتباط (Cookies) وبكسلات التتبع (Tracking Pixels) للتعرف إلى زيارات المستخدمين وقياس تفاعلهم مع الصفحات والإعلانات. وعندما تزورين موقعاً يستخدم أدوات إعلانية تابعة لشركات أخرى، قد تصل بعض بيانات نشاطك إلى هذه الشركات، وفقاً لإعدادات الخصوصية والسياسات المعمول بها. وتشير لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية (FTC) إلى أن تقنيات التتبع يمكن أن تساعد الشركات على متابعة النشاط عبر مواقع متعددة. كما يمكن استخدام ما يُعرف ببصمة الجهاز (Device Fingerprinting)، وهي تقنية تعتمد على مجموعة من خصائص المتصفح والجهاز وإعداداته للتعرف إليه وتمييزه.
لا تأتي المعلومات التي تساعد على تخصيص الإعلانات بالضرورة من المنصة التي تشاهدين الإعلان عليها. فبعض الشركات ومواقع التسوق والتطبيقات تشارك بيانات عن تفاعلات المستخدمين مع منصات إعلانية، ما يساعد على ربط اهتماماتهم بأنشطة حدثت خارج التطبيق. على سبيل المثال، قد تزورين متجراً إلكترونياً وتتصفحين مجموعة من الحقائب، ثم تلاحظين ظهور إعلانات لمنتجات مشابهة على فيسبوك أو إنستغرام. وتوضح Meta أن الشركات قد تشارك معها معلومات عن نشاط الأشخاص على مواقعها وتطبيقاتها، مثل عمليات الشراء والتفاعل مع الخدمات، لاستخدامها في تخصيص الإعلانات والمحتوى.
قد يؤثر موقعك الجغرافي أيضاً في نوع الإعلانات التي تظهر لك. فعندما تسمحين لبعض التطبيقات بالوصول إلى موقعك، أو عندما تستنتج الخدمات موقعك التقريبي من عنوان الإنترنت (IP)، قد تظهر إعلانات مرتبطة بالمنطقة التي توجدين فيها. فقد تشاهدين، مثلاً، إعلانات عن مطاعم قريبة أو متاجر في مدينتك. كذلك، قد تساعد أنماط النشاط عبر أكثر من جهاز على ربط بعض الاهتمامات بحساب المستخدم، بحسب الخدمات المستخدمة وإعدادات الخصوصية.
هذا هو السؤال الأكثر إثارة للجدل، خصوصاً عندما يظهر إعلان عن موضوع لم تبحثي عنه، لكنك تحدثتِ عنه مع أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء. لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن منصات الإعلانات الكبرى تعتمد بصورة عامة على تسجيل المحادثات اليومية عبر ميكروفون الهاتف لتحديد الإعلانات التي تعرضها. كما أن ظهور إعلان يتطابق مع موضوع تحدثتِ عنه لا يعني بالضرورة أن هاتفك استمع إليك. فهناك تفسيرات أخرى قد لا تنتبهين إليها. ربما بحثتِ عن منتج مشابه قبل أيام، أو تفاعلتِ مع محتوى مرتبط به، أو زار أحد أفراد أسرتك موقعاً يعلن عن المنتج نفسه. ومن الممكن أيضاً أن تكون الحملة الإعلانية موجهة إلى شريحة واسعة من الأشخاص الذين ينتمون إلى الفئة العمرية أو المنطقة الجغرافية نفسها. ومع تكرار هذه الإشارات، قد يبدو الأمر وكأن الهاتف يعرف ما يدور في ذهنك، بينما تكون النتيجة في الواقع ثمرة تحليل مجموعة من البيانات والأنشطة الرقمية. لكن هذا لا يعني أن مخاوف الخصوصية غير مبررة؛ فجمع البيانات ومشاركتها واستخدامها لبناء ملفات تفصيلية عن اهتمامات المستخدمين يطرح تساؤلات مهمة حول حدود التتبع، وحق المستخدم في الموافقة والتحكم في معلوماته.
إيقاف تخصيص الإعلانات لا يعني اختفاء الإعلانات تماماً، لكنه يمنحك قدراً أكبر من التحكم في البيانات التي تُستخدم لاختيارها. ويمكنك البدء بهذه الخطوات:
في النهاية، لا يحتاج هاتفك بالضرورة إلى الاستماع إلى محادثاتك حتى يعرض إعلاناً يبدو وكأنه يعرف ما تفكرين فيه. فسجل البحث والتصفح والتفاعل مع المحتوى والموقع الجغرافي قد تشكل مجتمعة صورة دقيقة نسبياً عن اهتماماتك. لذلك، فإن مراجعة إعدادات الخصوصية والأذونات التي تمنحينها للتطبيقات ليست مجرد خطوة تقنية، بل وسيلة مهمة لاستعادة قدر أكبر من التحكم في بياناتك الرقمية.