لم يكن تصريح ألبرتو نونييث فيخو حول الانسحاب من مونديال 2030 مجرد زلة لسان في برنامج رياضي. كان رسالة مدروسة، موجهة ليس إلى الفيفا، ولا إلى المغرب، بل إلى ناخب إسباني بعينه.فيخو يعرف جيدا أن قرار مكان النهائي لا يملكه، ولا تملكه الحكومة الإسبانية، ولا يملكه حتى الاتحاد الإسباني وحده. يعرف أن الملف أكبر منه، وأن التراجع عنه ليس قرارا يتخذ في استوديو تلفزيوني. لكنه يعرف أيضا شيئا آخر: أن اسم "المغرب" في إسبانيا اليوم أصبح يبيع، ويحرّك النقاش، ويصنع العناوين.
المغرب.. الخصم المناسب في الحملات الإسبانية
منذ سنوات، تحول المغرب في الخطاب السياسي الإسباني إلى ما يشبه "المرآة" التي يرى فيها كل حزب ما يريد أن يراه ناخبوه.
الحزب الشعبي، الذي يقوده فيخو، وجد في ملف المونديال فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفس المعادلة: إسبانيا الكبيرة مقابل المغرب الذي "يأخذ" ما ليس له. في السابق كان الحديث عن الهجرة وسبتة ومليلية، واليوم أصبح الحديث عن ملعب النهائي.
الهدف ليس حماية الكرة الإسبانية، بل خلق انطباع بأن الحكومة الحالية "متساهلة" مع الرباط، وأن المعارضة وحدها قادرة على "الدفاع عن هيبة إسبانيا".
فيخو يخاطب من؟
التصريح لم يكن موجها لعشاق كرة القدم، بل لفئتين محددتين:أولا، القواعد الانتخابية المحافظة في مدريد وغاليسيا والأندلس، حيث لايزال الخطاب السيادي يجد صدى واسعا.
ثانيا، وسائل الإعلام الرياضية الإسبانية التي تعيش على الجدل حول النهائي منذ أشهر، وتحتاج كل أسبوع إلى تصريح ناري جديد.
بهذا المعنى، فيخو لم يهدد بالانسحاب فعلا، بل هدد بالانسحاب _إعلاميا_، لأن التهديد الحقيقي يكلفه الكثير، بينما التهديد الكلامي يمنحه مساحة مجانية في نشرات الأخبار.
لماذا اختار المغرب بالضبط؟
لأن المغرب، في المخيال الرياضي الإسباني، لم يعد ذلك البلد "الصغير" الذي يشارك في التنظيم. مشروع الملعب الكبير في بنسليمان، والبنية التحتية الجديدة، وتنظيم كأس إفريقيا، كلها مؤشرات جعلت الرباط منافسا حقيقيا، وليس مجرد شريك ثانوي.
هذا التحول هو ما يزعج جزءا من النخبة الرياضية الإسبانية: فكرة أن النهائي قد لا يكون في البرنابيو أو الكامب نو، بل في الدار البيضاء، أصبحت فكرة قابلة للتصديق، وهذا في حد ذاته يغير موازين النقاش.
فيخو استغل هذا القلق، وحوله إلى خطاب سياسي: "إما النهائي عندنا، أو لا نلعب".
ما الذي يخسره فيخو إذا نفذ تهديده؟
لو افترضنا، جدلا، أن الحزب الشعبي وصل إلى الحكومة ونفذ ما قاله فيخو، فالخاسر الأول لن يكون المغرب، بل المدن الإسبانية نفسها.
مدن مثل مدريد وبرشلونة وبلباو وإشبيلية راهنت على المونديال لجلب الاستثمارات والسياحة وتجديد الملاعب. الانسحاب يعني خسارة سنوات من التحضير، وخسارة ثقة الفيفا في أي ترشيح إسباني مستقبلي.
أما المغرب والبرتغال، فبإمكانهما نظريا مواصلة المشروع، أو تعويض الغياب الإسباني، بينما ستجد إسبانيا نفسها خارج أكبر حدث كروي في العالم، بسبب قرار اتخذه سياسي في برنامج تلفزيوني.
تصريح فيخو لا يقرأ كقرار رياضي، بل كمناورة انتخابية. هو يعرف أن المونديال لن يتوقف بسببه، ويعرف أن الفيفا لن تغير مكان النهائي بسبب تهديد تلفزيوني.
لكن ما يهمه هو أن يبقى اسمه مرتبطا بالدفاع عن "إسبانيا" في مواجهة "المغرب"، حتى لو كان الثمن هو تشويه صورة التنظيم المشترك الذي يفترض أن يكون نموذجا للتعاون بين ضفتي المتوسط.
ومن زاوية مغربية، الدرس واضح: كلما اقترب المغرب من انتزاع تنظيم النهائي، كلما ارتفع منسوب الخطاب الشعبوي في مدريد. وهذا في حد ذاته، مؤشر على أن المنافسة أصبحت حقيقية.
المصدر: أخبارنا المغربية - ع. أبو الفتوح