في معرض ضخم للكتاب، يزوره مئات الآلاف سنويا، من أزيد من مائة جنسية، ما الذي يجعل الزائر يقف عند رواق دون آخر؟ أو ينجذب لعنوان دون آخر؟.
معرض الشارقة الدولي للكتاب، ثالث أكبر المعارض عالميا، الذي تحضر فيه ثلاث لغات بقوّة، أولاها العربية، تليها الإنجليزية فالهندية، أحد المختبرات التي تتيح التعرف على التقنيات التي تعتمدها دور النشر والمؤسسات لشدّ انتباه القراء، في فضاء عرض مترامي التخصصات والألسن والتصميمات.

وتعتمد أروقة عرض على لقى أثرية من دولها؛ مثل “صفيحة فضية تحمل إهداء إلى المعبودةِ اللات” تعود للقرن الثالث قبل الميلاد، وجدت في موقع أثري بإمارة الشارقة، كتب عليها بخط الزبور، وهو أحد خطوط المسند العربي الجنوبي الذي كان مستعملا في اليمن القديم: “لعظيم، ابنة معن اللات، أهدت هذه اللوحة المعدنية إلى المعبودة اللات”، مع دليل يوضح أنها وجدت “مثبتة بالمسامير على جدران المدافن في جنوب شبه الجزيرة العربية”.
ومن رواق يمثل الإمارات إلى رواق يمثل بيرو، يجذب القرّاء للتعرف على المعروضات المطبوعة: منسوجات ذات ألوان وأشكال خاصة من البلد، وقطعتان أثريتان إحداهما حوت أسطوري “فوق طبيعي” مرتبط بطقوس تضحيّةٍ، يعود إلى حضارة نشأت قبل الميلاد واندثرت بعده بثمانمائة سنة، هي حضارة نازكا.

وفي حين اختار رواق منشورات من كينيا منسوجات وألوانا مميزة للبلد عن الأروقة الأخرى، اختارت جامعات علمية عرض جزء من ممتلكاتها الطبيعية المحنطة، من جماجم أيل، وطيور، وحيوانات يتطلب التعرف عليها التوقف والتأمل، ودخول الرواق للتعرف على قصتها.
وبينما تراهن أروقة خاصة بأدب الطفل على الألوان الساطعة الجاذبة للأعين على بعد أروقة وأروقة، تختار أخرى التركيز على انتباه الآباء لا الأبناء، بعرض الكتب مصنفة بين فائزة بجوائز لأدب الطفل، وبالغةٍ القوائم القصيرة في المنافسات، مع تصميمات للفضاء تجد صدى لها عند الفئات الناشئة.

ويجد المخطوط حضورا كبيرا في أروقة عديدة، تختار جعل أشكاله وتصميماته جزءا لا يتجزأ من أسلوب جذبها لتفاعل القراء ودعوتهم لدخولها؛ ومنها رواق “مجمع القرآن الكريم بالشارقة” الذي خطا خطوة إضافية باختبار: “هل تستطيع قراءة هذه الآية؟”.
وفي أروقة للكتب القديمة، قدمت جلها من الجمهورية المصرية، تؤثّث فضاء عرضها صحف وأغلفة مجلات من القرن العشرين: وفاة أم كلثوم، مقتل السادات، رحيل جمال عبد الناصر، لقاء مع الشيخ زايد، وصور لبعد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهاب، وفيروز، وآخرين من عوالم السياسة والفنون.

ومن الكنوز المعروضة على أبواب أروقة دور النشر والمؤسسات مفتاح يحاكي “المفاتيح القديمة الأثرية لباب الكعبة المشرفة، يرجع تاريخه إلى الفترة العثمانية، أيام السلطان العثماني عبد المجيد خان الأول”، مع تنبيه الناظر كتابة إلى ما يميزه من “نقوش نباتية وزخارف إسلامية”، ترافق الآية القرآنية “إنا فتحنا لك فتحا مبينا”.
وبدل جذب الانتباه للتعريف بتجارب ملهمة جعل رواق عرض هذه التجارب جاذبة للأعين بنفسها، عبر لوحات تعكس طبيعة المكرمة، “شجاعة ملهمة وعطاء يتجاوز الحدود”، مع صورة ضخمة لها، وعرض ممتلكات من بينها كتب ألفتها، وألبسة تسلقت بها أطول قمم العالم الجبلية، إلى جانب تعريفين أحدهما مكتوب والآخر مصور مسموع؛ لمن أراد أن يستزيد معلومات بعد أولِ اللّقاء.

وتضيف أروقة إلى منشوراتها أشياء من الماضي القريب أو البعيد، مثل أدوات صيد اللؤلؤ في الخليج، والتعريف بها، وبطرق حفظها، وقياس ثمارها، أو خناجر الزينة، والعملات الذهبية القديمة، والصناديق الخشبية المنقوشة، والفناجين التي تشهد على ثقافة مجالها. كما تختار أروقة أخرى جعل جدرانها نافذة إلى الماضي؛ عبر صور ضخمة الإخراج، تشدّ المار، وتوقفه للتأمل، وقراءة مفتاح الأعمال الفوتوغرافية.
وقد يصير الجدار الخارجي في أروقة رفا لعرض الكتب، هدفه شدّ انتباه المسرعين من رواد المعرض الذين قد لا يلجون كلّ رواق رواق، فيكون هذا سبيل إطلاعهم على الأغلفة والعناوين.

في حين قد تتوسط هذا الجدار في رواق آخر نافذة حقيقية إلى داخله، تؤثّثها هدايا ومقتنيات مقترحة، وصور وتصميمات ومرآة، تدعو إلى أخذ صور، ونشرها، حتى تكون دعوة للآخرين.
ولأن الجدران قد تكون حاجزا فقد أسقطتها أروقة دورِ نشر؛ اختارت عرض كتبها مباشرة أمام ممشى الزوار، لتلعب الأغلفة دورها في الجذب، قبل المضمون.

وإذا راهنت دورٌ على هذا الجانب من الكتب فإن دورا أخرى تختار قلب المعادلة، وتقول: “لا تحكم على كتاب من غلافه”، جاعلة من رواقها فرصة “لاختيار اقتباس، يطابق اهتمامك”، ثم اقتناء الكتاب مغلفا مغطى، دون معرفة من كتبه، وفي أي حجم، ومن أي جنسية؛ لتكون للقارئ فرصة “كشف الغطاء عن قراءته المقبلة”.
المصدر: وائل بورشاشن من الشارقة