Loading...

عصيد ينتقد انصراف النقاشات إلى "التفاصيل الهامشية" بدل القضايا الأساسية

|
05 نوفمبر 2026, 11:00
Featured image
حجم الخط

دافع الكاتب والناشط الحقوقي أحمد عصيد عن فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، على خلفية الانتقادات التي طالتها بسبب أخطاء لغوية في تصريحاتها، معتبرا أن التركيز على طريقة نطق الكلمات والهفوات اللغوية تجاوز الحد، وأن الأجدر كان مناقشة مضامين البرنامج الحكومي الذي قدمته، بدل الانشغال بأمور وصفها بالتافهة.

وقال عصيد، خلال حلوله ضيفا على برنامج “جلسة عمل” على هسبريس: “يؤسفني أن أقول إنه قبل أن نؤاخذ رئيسة الحكومة هناك دكاترة في الجامعة المغربية ينشرون تدوينات يندى لها الجبين بسبب الأخطاء الإملائية والنحوية. هؤلاء دكاترة، ومن بينهم من يحمل دكتوراه في العربية، ويخطئ ويلحن في الخطاب، ثم نأتي لمحاسبة رئيسة الحكومة”.

واعتبر المتحدث ذاته أن الانتقادات التي تجاوزت حدود النقاش اللغوي وتحولت إلى التركيز على طريقة نطق الكلمات ووجود الهمزة من عدمها كانت مبالغا فيها، موردا: “كان الناس قاسين على رئيسة الحكومة عندما تجاوزوا هذا الحد، أي النظر إلى كيفية نطق الكلمات، وهل توجد الهمزة أم لا توجد. هذا نوع من التفاهة”.

المنصوري وبنكيران

اعتبر عصيد أن رد المنصوري على التصريح القديم لعبد الإله بنكيران، المعروف بتصريح “الثريا”، يندرج في إطار محاولة رد الاعتبار لامرأة ترأست الحكومة وتعرضت، بحسب تعبيره، لإهانات من طرف ما وصفه بـ”الذباب الإلكتروني التابع للتيار المحافظ”؛ وفي حديثه عن المشهد السياسي انتقد ما اعتبره تمييعا للفعل السياسي بفعل شبكات التواصل الاجتماعي، داعيا إلى استعادة النقاش السياسي الرصين، وإلى تقديم فرجة سياسية راقية ترتقي بالمواطنين بدل النزول إلى مستوى الإثارة والتفاهة.

وقال الناشط الحقوقي ذاته: “إذا أردت أن أقرأ رد فعل فاطمة الزهراء المنصوري في هذا الموضوع فإنني أقرؤه باعتباره محاولة لرد الاعتبار لامرأة ترأست الحكومة، بعد كل الإهانات التي لحقت بها من طرف الذباب الإلكتروني التابع لذلك التوجه المحافظ، الذي يعتبر المرأة دون مستوى المسؤولية”، وأضاف: “في رأيي الغرض من هذا الكلام الذي صدر عن فاطمة الزهراء المنصوري هو رد الاعتبار وإظهار أن المرأة تستحق هذا المنصب، وأنها ليست دونه، بل قادرة على الصمود عندما يهاجمها الرجال، لأن من حقها أن تجيب”.

وفي المقابل اعتبر عصيد أن تولي المرأة منصبا سياسيا كبيرا يفرض عدم السكوت عن كل ما يمس مصداقيتها أو شخصها، مشددا على أن الرد على مثل هذه التصريحات ينبغي أن يكون قويا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمسؤولة تتولى موقعا رفيعا في هرم الدولة.

“تمييع” الحياة السياسية

انتقل المتحدث إلى تقييم طبيعة النقاش السياسي في المغرب، معتبرا أن شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت في انتشار ما وصفها بـ”التفاهة”، وفي “تمييع الفعل السياسي”، بل امتد هذا التأثير، بحسبه، إلى بعض الشخصيات السياسية التي أصبح النقاش حولها ينصرف إلى أمور هامشية بدل التوقف عند جوهر تصريحاتها ومواقفها.

وأوضح الحقوقي نفسه أن الانشغال بالتفاصيل التافهة وإثارة الضجة حولها يحرم المواطنين من فرصة فهم الأفكار والرسائل التي يقدمها السياسيون، ويحول دون مناقشة القضايا الأساسية المرتبطة بالشأن العام، وقال في هذا الصدد: “الآن توجد نسبة كبيرة من التفاهة مع شبكات التواصل الاجتماعي. لقد تم تمييع الفعل السياسي، وتمييع حتى الأشخاص السياسيين”.

وفي السياق ذاته طرح عصيد سؤالا حول ما يجنيه المواطنون من العملية الانتخابية، بعيدا عن المقاعد التي تفوز بها الأحزاب السياسية، معتبرا أن ما ينبغي أن يتبقى بعد كل استحقاق انتخابي هو الحوار السياسي الذي يتيح للمجتمع مناقشة الاختيارات والبرامج والقضايا المطروحة.

وربط المتحدث أهمية هذا الحوار بوجود احتقان اجتماعي، معتبرا أن من الأخطاء التي عرفتها الحياة السياسية، وما وصفه بـ”سوء تأطير المجتمع”، أن يتحول هذا الاحتقان إلى مواجهة تتمحور حول شخص بعينه، بدل أن يكون مناسبة لمناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية التي تقف وراءه.

ورغم انتقاده طبيعة الفرجة التي باتت تطبع بعض النقاشات السياسية أكد ضيف هسبريس أنه لا يرفض أن يكون للمشهد السياسي جانب تفاعلي وجاذب للجمهور، لكنه يرفض أن يتحول ذلك إلى استعراض قائم على التفاهة والإثارة والنزول بمستوى الخطاب السياسي لإرضاء المتابعين.

واستحضر عصيد في هذا السياق نماذج من النقاش السياسي خلال تسعينيات القرن الماضي، معتبرا أن السياسيين كانوا يحافظون على مستوى خطابهم، ولا يضطرون إلى التخلي عن رصانتهم أو خفض مستوى حديثهم من أجل استمالة الجمهور، وأضاف أن المطلوب ليس أن ينزل السياسيون إلى مستوى الجمهور، بل أن يحافظوا على مستوى خطابهم، وأن يقدموا أفكارهم ورسائلهم السياسية بلغة راقية وأسلوب دبلوماسي، بما يسمح للمتلقين بالارتقاء إلى مستوى النقاش.

الوضعية الحقوقية

على صعيد آخر؛ تطرق عصيد إلى أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب، معتبرا أن المرحلة الممتدة من اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999 إلى حدود سنة 2013 كانت أفضل من المرحلة الحالية، قبل أن يسجل حدوث تراجعات ابتداء من سنة 2014؛ كما ناقش، في السياق ذاته، إشكالات مرتبطة بملف العدالة الانتقالية والإنصاف والمصالحة، منتقدا السماح لشخصيات ارتبطت بممارسات التعذيب بالعودة إلى الواجهة السياسية والإعلامية، ومشددا على ضرورة استكمال توصيات العدالة الانتقالية حتى لا تتكرر الانتهاكات السابقة.

وعزا المتحدث ما اعتبرها بداية التراجعات إلى سنة 2014، مستحضرا خطابا لوزير الداخلية آنذاك، وصفه بأنه كان شبيها بخطبة الحجاج، وموردا أن تلك المرحلة شهدت بداية تغير في توجه الدولة، كما بدأت تظهر تقارير تتضمن معطيات وملاحظات لا تعكس، بحسبه، صورة مشرفة عن البلاد.

وأوضح الحقوقي نفسه أن سنة 2014 شهدت، وفق قراءته، تحولا في طبيعة تعامل الدولة مع الأصوات المخالفة، إذ لم تعد تتقبل الخطاب الذي لا ينسجم مع توجهاتها، مبرزا أن قوة الدولة لا تكمن في أحادية الصوت، بل في وجود معارضة قادرة على التعبير عن مواقفها.

وقال عصيد في هذا الصدد: “سنة 2014 فوجئنا بتغير سلطوي لدى الدولة، إذ لم تعد تقبل أي خطاب مخالف لتوجهاتها، بينما قوة الدولة تكمن في معارضاتها وليست في أحادية الصوت. الدولة التي لا يوجد فيها إلا صوتها وحده دولة ضعيفة وليست قوية، فالسلطوية ليست قوة”.

وتابع المتحدث ذاته بأن ما وصفها بـ”السياسة الاستيعابية” بدأت تتعزز بعد ذلك، موردا أن السلطة بعدما وجدت أشخاصا يعبرون بحرية خلال مرحلة ما بعد 2011 اتجهت إلى محاولة استيعابهم، غير أن هذا الاستيعاب، بحسب تعبيره، لم يعد إلى حدود الانفتاح الذي عرفته البلاد إلى غاية سنة 2011، بل عاد إلى ما قبل سنة 1999.

الإنصاف والمصالحة

في حديثه عن ملف الإنصاف والمصالحة اعتبر عصيد أن أحد الأخطاء الكبيرة التي عرفها هذا المسار لا يعود إلى المرحلة الحالية، بل وقع في عهد الملك الراحل الحسن الثاني ووزير داخليته إدريس البصري، عندما سُمح لشخصيات ارتبطت بممارسة التعذيب بتولي مواقع وظهور في الحياة العامة، رغم ما خلفته تلك الممارسات من آثار مؤلمة لدى الضحايا.

وعرج الفاعل الحقوقي على الجدل الإعلامي الذي ارتبط بالظهور الأخير لمحمود عرشان، مشيرا إلى أن مهمة الجلاد، وفق تقديره، من أكثر المهام إهانة لكرامة الإنسان، بالنظر إلى ما تنطوي عليه من تعذيب للمواطنين وممارسات تمس بإنسانيتهم، مبرزا أن المعتقلين السياسيين السابقين قادرون على تأكيد حجم المعاناة التي تعرضوا لها.

واعتبر المتحدث أن إجراء المصالحة لا يمكن أن يتم بمعزل عن مشاعر الضحايا وتجاربهم، موضحا أن الشخص الذي تعرض للتعذيب لسنوات طويلة، وانتهكت كرامته وتعرض للاختطاف القسري، قد يجد صعوبة في تقبل ظهور الشخص الذي مارس عليه التعذيب في وسائل الإعلام التابعة للدولة؛ كما شدد على أن طي صفحة الماضي يقتضي التعامل مع مختلف جوانبها، بما يشمل الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بالانتهاكات، حتى لا يشعر الضحايا بأن معاناتهم لم تؤخذ بعين الاعتبار.

وفي سياق حديثه عن عودة شخصيات ارتبطت بممارسات التعذيب إلى الواجهة السياسية أكد عصيد أن الإشكال لا يتعلق فقط بحق هذه الشخصيات في التعبير عن مواقفها أو تقديم تبريراتها، بل بمدى ملاءمة توليها زعامة حزب سياسي، بالنظر إلى ما تحمله هذه المسؤولية من رمزية وتأثير في الحياة العامة.

وقال ضيف هسبريس في هذا الصدد: “لا يمكن لشخص مارس هذه الوظيفة أن يقدم تبريراته، لكن لا ينبغي أن يكون زعيم حزب، ولا أن يُنشأ حزب ويوضع على رأسه؛ لأنه عندما تضعه على رأس حزب فإنك تمنحه ليس فقط شرعية، بل ما هو أكبر من الشرعية، أي الزعامة السياسية؛ وهذا أمر كبير في البلد، إذ يصبح بإمكانه أخذ الكلمة في المحافل، والتحدث، وتنظيم الحملات الانتخابية مع الجمهور، وغير ذلك. لذلك يظهر لي أن الخطأ وقع في ذلك الوقت”.

وبخصوص عودة هذا النقاش إلى الواجهة في المرحلة الحالية أرجع عصيد جزءا من المسؤولية إلى وسائل الإعلام، معتبرا أن استضافة شخصيات تثير عودتها إلى النقاش العمومي جراح الضحايا وأسرهم تقتضي استحضار الآثار التي يمكن أن تترتب على منحها المنابر الإعلامية.

ولم يقتصر موقف المتحدث على انتقاد التغطية الإعلامية، بل دعا أيضا إلى أن تتخذ الشخصيات المعنية مواقف من شأنها تخفيف حدة هذا الجدل، من خلال التخلي عن المواقع القيادية وترك المجال أمام أجيال جديدة داخل الأحزاب السياسية، لا ترتبط بالماضي نفسه ولا تتحمل مسؤولية أخطاء سابقة، واعتبر أن استمرار هذه الشخصيات في الواجهة يعيد إنتاج نقاش مؤلم بالنسبة إلى الضحايا، في حين أن انسحابها من مواقع القيادة قد يتيح للأحزاب مواصلة نشاطها بقيادات جديدة، بعيدا عن الحسابات المرتبطة بمرحلة الانتهاكات.

وقال عصيد في هذا الإطار: “حتى السيد عرشان عليه أن يتعفف ويتنازل عن هذا الموقع لشخص آخر. إذا كان الحزب سيستمر فليستمر بشباب جدد، ليست لديهم تلك الخلفية ولا تلك الحسابات، ولا يحاسبهم أحد على أخطاء سابقة؛ ويمكنه أن يجلس ويرتاح في بيته، حتى لا يستمر هذا النقاش في العودة، لأنه مؤلم، مؤلم للغاية”.

المصدر: هسبريس من الرباط

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز