Loading...

لحظات أخيرة على أرض الملعب.. رياضيون رحلوا أمام أعين الجماهير

|
04 نوفمبر 2026, 11:00
Featured image
حجم الخط

لم تكن الجماهير التي ملأت المدرجات تعرف أن بعض اللحظات التي تشاهدها في الملاعب ستتحول إلى مشاهد لا تفارق الذاكرة، وأن لاعباً يركض خلف الكرة قبل ثوانٍ، ويبدو في كامل قوته ولياقته، قد يسقط فجأة أمام أعين الآلاف، فلا يعود إلى الوقوف مرة أخرى.

كانت المباريات تسير في أجوائها المعتادة؛ هتافات، منافسة، أهداف منتظرة، وزملاء يتبادلون التمريرات، قبل أن ينهار جسد على العشب، ويتوقف اللعب، ويتحول صخب المدرجات إلى صمت ثقيل. يهرع اللاعبون إلى زميلهم، ويطلب الحكم المساعدة الطبية، بينما تتعلق عيون الجماهير بأمل واحد: أن ينهض، وأن تكون الإصابة عابرة، وأن يعود كل شيء إلى طبيعته.

لكن بعض هذه السقطات لم تكن مجرد إصابات رياضية عادية. فقد كانت تخفي وراءها أمراضاً قلبية لم تظهر أعراضها، أو إصابات داخلية لم يكن ممكناً رؤيتها من المدرجات، أو نزيفاً وتلفاً في الدماغ تطورت آثارهما خلال ساعات وأيام. وفي حالات أخرى، لم تنتهِ المأساة عند صافرة المباراة، بل بدأت بعدها رحلة علاج طويلة انتهت برحيل اللاعب.

من مارك فيفيان فوي إلى كريستيان إريكسن الذي نجا من توقف القلب، ومن فيليب هيوز الذي تلقى ضربة بدت عابرة إلى آيرتون سينا الذي لم ينجُ من اصطدام سيارته بالحاجز، تتعدد الحكايات والأسباب، لكن يجمعها مشهد واحد: رياضي دخل المنافسة وهو يحلم بالانتصار، ثم تحولت لحظة واحدة إلى مأساة غيرت حياة أسرته وجماهيره إلى الأبد.

لم يكن أحد في مدرجات ملعب هليودورو رودريغيز لوبيث يتوقع أن تتحول الدقائق الأخيرة من مواجهة تينيريفي وأندورا، يوم 2 نوفمبر 2026، إلى واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في الكرة الإسبانية.

كان المهاجم الإسباني خيسوس دي ميغيل Jesús de Miguel، البالغ 30 عاماً، يشارك مع فريقه تينيريفي في المباراة التي انتهت بالتعادل 2-2، عندما اندفع حارس أندورا خيسوس أوونو لمواجهة كرة مشتركة، ووقع اصطدام قوي بين اللاعبين. سقط دي ميغيل على أرض الملعب، وتوقفت المباراة وسط ذهول زملائه والجماهير.

لم يكن الأمر سقوطاً عادياً يمكن للاعب أن ينهض بعده ويستأنف اللعب؛ فقد احتاج إلى تدخل طبي عاجل، ثم نُقل إلى المستشفى بعد تعرضه لتوقف قلبي. ورغم محاولات إنقاذه، أُعلنت وفاته في اليوم التالي، لتتحول المباراة إلى مأساة هزت الكرة الإسبانية.

وأعلنت السلطات فتح تحقيق في ملابسات الوفاة، بينما أشارت تقارير صحفية إلى أن الحادث وقع خلال كرة مشتركة في سياق اللعب، وأن تحديد المسؤولية القانونية يتطلب مراجعة ظروف الاصطدام ونتائج التحقيق. وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يكن السبب الطبي التشريحي النهائي قد أُعلن تفصيلياً.

كان دي ميغيل في الثلاثين من عمره، ولم تكن الجماهير التي شاهدته في الملعب تتخيل أن تلك الكرة المشتركة ستكون آخر مشهد في مسيرته وحياته.

للمزيد من التفاصيل: وفاة لاعب كرة القدم الإسباني خيسوس دي ميغيل بعد اصطدام مروع أنهى حياته

| Golpe fortísimo de Owono sobre Jesús de Miguel que hace que salten todas las alarmas. Pronta recuperación a Jesús y que todo quede en un susto Tenerife - Andorra https://t.co/NXopIJ7p9H

في 26 يونيو 2003، كان لاعب الوسط الكاميروني مارك فيفيان فوي Marc-Vivien Foé يشارك منتخب بلاده في مواجهة كولومبيا بنصف نهائي كأس القارات. كانت المباراة تقترب من نهايتها، والمنتخب الكاميروني يتقدم بهدف، بينما ظل فوي يتحرك في وسط الملعب كما اعتادت الجماهير رؤيته، قبل أن يسقط فجأة على أرض الملعب دون احتكاك مع لاعب منافس.

هرع زملاؤه والمسعفون إليه، وحُمل على النقالة، بينما استمرت محاولات إنعاشه نحو 45 دقيقة. لكن القلب الذي اعتاد تحمل المجهود الشاق لم يستجب، ورحل فوي عن عمر 28 عاماً، تاركاً صدمة هائلة في الكاميرون وعالم كرة القدم.

وبعد أيام، جاءت نتائج التشريح لتكشف السر الذي لم تكن الجماهير تعرفه وهي تتابع سقوطه. فقد أعلن المدعي العام الفرنسي أن الوفاة كانت ذات منشأ قلبي، وأن التشريح أظهر إصابة باعتلال عضلة القلب التضخمي، وهو مرض قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة في نظم القلب، خصوصاً مع المجهود البدني الشديد.

لم يكن ما حدث مجرد إرهاق مفاجئ للاعب محترف، بل انهياراً قلبياً ارتبط بمرض بنيوي في العضلة لم يكن معروفاً للجمهور. وقد استبعدت الفحوص وجود منشطات أو مواد محظورة تفسر الوفاة.

بقيت صورة فوي وهو يسقط على العشب واحدة من أكثر المشاهد قسوة في تاريخ كرة القدم؛ لاعب في قمة عطائه، لم يكن يعلم أن قلبه يحمل مرضاً قد ينهي حياته قبل أن تنتهي المباراة.

في 25 يناير 2004، كان المهاجم المجري ميكلوش فيهير Miklós Fehér يرتدي قميص بنفيكا البرتغالي في مواجهة فيتوريا غيماريش. وفي الدقائق الأخيرة من المباراة، تلقى بطاقة صفراء بسبب إضاعة الوقت، فرد بابتسامة عابرة، قبل أن ينحني قليلاً ثم يسقط على أرض الملعب.

كانت تلك الابتسامة آخر ما يتذكره كثيرون من اللاعب الشاب. فقد هرع زملاؤه إليه، وحاول الطاقم الطبي إنقاذه، ثم نُقل إلى المستشفى، حيث أُعلنت وفاته بعد منتصف الليل، عن 24 عاماً.

وأكدت نتائج التشريح أن الوفاة كانت بسبب أزمة قلبية، مع وجود تشوه خلقي في القلب أشارت إليه تقارير طبية معاصرة. كما استبعدت الفحوص وجود الكحول أو المخدرات أو المنشطات في جسده.

كان فيهير قد خضع لفحوص طبية خلال مسيرته، ولم تكن المشكلة القلبية قد ظهرت بوضوح في التقييمات السابقة، وهو ما أعاد فتح النقاش حول قدرة الفحوص الروتينية على اكتشاف بعض الأمراض القلبية الصامتة.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الرقم 29 الذي ارتداه فيهير مجرد رقم في قائمة لاعبي بنفيكا؛ فقد قرر النادي عدم منحه لأي لاعب آخر، تخليداً لذكرى مهاجم رحل في لحظة لم يكن أحد يتخيل أنها ستكون الأخيرة.

يمكنك الاطلاع على وفاة لاعب كرة القدم أحمد رفعت بتوقف عضلة القلب عن عمر يناهز 31 عاماً

في 25 أغسطس 2007، كان الإسباني أنطونيو بويرتا Antonio Puerta يشارك مع إشبيلية في مواجهة خيتافي بالدوري الإسباني، عندما سقط فجأة على أرض الملعب في الدقيقة 35 تقريباً، من دون احتكاك يفسر انهياره.

استعاد اللاعب وعيه بعد لحظات، وتمكن من الوقوف ومغادرة الملعب بمساعدة زملائه، فاعتقد كثيرون أن الأزمة انتهت، وأنه تعرض لوعكة عابرة. لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر قسوة؛ إذ تعرض لنوبات انهيار متكررة داخل غرفة الملابس، واضطر الأطباء إلى التدخل لإنعاشه قبل نقله إلى المستشفى.

ظل بويرتا في حالة حرجة لمدة ثلاثة أيام، حتى أُعلنت وفاته في 28 أغسطس، عن 22 عاماً، في مأساة هزت إشبيلية والكرة الإسبانية.

وكشف البيان الطبي الصادر عن المستشفى أن الوفاة نتجت عن اعتلال دماغي تالٍ لنقص الأكسجين وفشل متعدد في الأعضاء، بعد توقف قلبي مطول ارتبط باضطراب في نظم البطينين، سببه اعتلال عضلة القلب المسبب لاضطراب النظم في البطين الأيمن (Arrhythmogenic Right Ventricular Dysplasia/Cardiomyopathy).

لم يكن بويرتا قد تعرض لضربة قاتلة، بل كان يحمل مرضاً قلبياً خطيراً لم يكن ظاهراً للجماهير التي شاهدته يسقط ثم ينهض. وربما كانت أكثر لحظات المأساة إيلاماً أن عودته إلى قدميه بعد السقوط الأول منحت الجميع أملاً بأن الخطر قد زال، بينما كانت الأزمة الطبية تتفاقم في صمت.

في 14 أبريل 2012، كان لاعب الوسط الإيطالي بييرماريو موروسيني Piermario Morosini يشارك مع ليفورنو أمام بيسكارا في دوري الدرجة الثانية الإيطالي. وخلال المباراة، بدأ يفقد توازنه ويسقط، وحاول النهوض، لكنه انهار مرة أخرى، ثم سقط للمرة الثالثة أمام عيون زملائه والجماهير.

توقفت المباراة، وبدأت محاولات إنعاشه، ثم نُقل إلى المستشفى، لكن اللاعب البالغ 25 عاماً لم ينجُ. وكانت المأساة أكبر من أن تُختصر في عبارة «توقف القلب»، إذ كشفت الطبيبة الشرعية أن الوفاة ارتبطت باعتلال عضلة القلب المسبب لاضطراب النظم (Arrhythmogenic Cardiomyopathy)، وهو مرض قد يؤدي إلى اضطرابات كهربائية قاتلة في القلب.

لكن وفاة موروسيني فتحت أيضاً ملفاً قضائياً واسعاً حول إجراءات الإنقاذ داخل الملعب. فقد أدانت محكمة بيسكارا عام 2016 ثلاثة أطباء، معتبرة أن عدم استخدام أجهزة إزالة الرجفان المتاحة كان من أوجه القصور في عملية الإنقاذ.

غير أن محكمة النقض الإيطالية ألغت أحكام الإدانة عام 2019، وأحالت القضية إلى محكمة استئناف أخرى، انتهت في أكتوبر من العام نفسه إلى تبرئة الأطباء الثلاثة.

وهكذا بقيت مأساة موروسيني واحدة من أكثر الوقائع إثارة للنقاش حول الاستعداد الطبي وسرعة التدخل في الملاعب. فقد كان اللاعب في الخامسة والعشرين، وكان من الممكن أن تكون الدقائق الأولى بعد سقوطه فاصلة في مصيره، لكن ما حدث تحول إلى مأساة لا تزال تفاصيلها حاضرة في ذاكرة الكرة الإيطالية.

في 6 مايو 2016، دخل لاعب الوسط الكاميروني باتريك إيكينغ Patrick Ekeng بديلاً مع دينامو بوخارست الروماني أمام فيتورول، ولم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى سقط فجأة على أرض الملعب، من دون احتكاك مع لاعب منافس.

نُقل إيكينغ إلى المستشفى، لكن محاولات إنقاذه لم تنجح، وأُعلنت وفاته عن 26 عاماً. وأظهرت نتائج التشريح وجود مشكلة قلبية خطيرة، فيما أثارت ظروف التدخل الطبي أسئلة مؤلمة حول ما إذا كان من الممكن إنقاذه.

لم تتوقف القضية عند المرض القلبي؛ فقد امتدت التحقيقات إلى أداء الطبيبة الموجودة في سيارة الإسعاف، وما إذا كانت قد اتخذت الإجراءات اللازمة لإنعاش اللاعب واستخدام المعدات الطبية المتاحة. وفي فبراير 2021، ثبت الحكم على الطبيبة بالسجن عاماً وستة أشهر مع وقف التنفيذ، بعد إدانتها بالقتل الخطأ بسبب عدم إجراء إجراءات الإنعاش في الوقت المناسب.

كانت مأساة إيكينغ مثالاً قاسياً على أن وجود سيارة إسعاف في الملعب لا يكفي وحده؛ فالأهم أن يكون الطاقم مستعداً للتدخل الفوري، وأن يعرف كيف يستخدم الأجهزة الطبية في اللحظات التي لا تحتمل التأخير.

للمزيد من الأخبار: رحيل جايدن آدامز لاعب منتخب جنوب إفريقيا بعد أسابيع من مشاركته في كأس العالم

في صباح 31 أغسطس 2006، كان الظهير المصري محمد عبد الوهاب Mohamed Abdelwahab يشارك في مران اعتيادي للنادي الأهلي على ملعب مختار التتش. لم يكن هناك احتكاك مع لاعب آخر، ولم تقع إصابة رياضية تفسر ما حدث؛ فقد سقط اللاعب فجأة على أرض الملعب، وسط ذهول زملائه والجهاز الفني.

نُقل عبد الوهاب إلى المستشفى، وحاول الأطباء إنعاشه، لكنهم لم يتمكنوا من إنقاذه، وأُعلنت وفاته عن 22 عاماً. وأشارت التقارير المعاصرة إلى أن الوفاة جاءت إثر أزمة قلبية مفاجئة.

كان عبد الوهاب قد شارك مع منتخب مصر في الفوز بكأس الأمم الأفريقية التي أقيمت في مصر في فبراير من العام نفسه، وكان من الأسماء الواعدة في الكرة المصرية. ولذلك لم يكن رحيله خسارة لاعب شاب فقط، بل صدمة لجماهير الأهلي والمنتخب التي كانت تنتظر منه مسيرة طويلة.

كان لاعباً في بداية الطريق، وكان يفترض أن يعود من المران إلى منزله، وأن يستعد لتدريب جديد ومباراة أخرى. لكن ذلك الصباح انتهى بمأساة لم تكن الجماهير المصرية مستعدة لها.

في 22 أغسطس 2024، كان المدافع الأوروغوياني خوان مانويل إزكييردو Juan Manuel Izquierdo يشارك مع ناسيونال أمام ساو باولو في بطولة كوبا ليبرتادوريس، عندما سقط فجأة في الدقيقة 84 من المباراة، من دون احتكاك مع لاعب منافس.

نُقل اللاعب، البالغ 27 عاماً، إلى المستشفى، حيث خضع لمحاولات إنعاش وعلاج مكثف. لكن حالته العصبية تدهورت خلال الأيام التالية، وأعلن مستشفى ألبرت أينشتاين في ساو باولو وفاته في 27 أغسطس.

وأوضح البيان الطبي أن الوفاة جاءت نتيجة وفاة دماغية أعقبت توقفاً قلبياً تنفسياً مرتبطاً باضطراب في نظم القلب. وهكذا لم يكن السقوط مجرد فقدان للوعي، بل بداية أزمة طبية انتهت بإصابة عصبية قاتلة.

خمسة أيام ظلت خلالها أسرته وجماهير ناديه تنتظر خبراً يبدد الخوف، لكن النهاية جاءت موجعة. وكان إزكييردو في السابعة والعشرين، وفي قلب مباراة قارية، حين تحولت لحظة عابرة إلى وداع لا يُنسى.

كانت قصة المهاجم الغاني رافائيل دوامينا Raphael Dwamena تحمل منذ سنوات إشارات مقلقة. ففي عام 2017، تعثرت صفقة انتقاله إلى برايتون الإنجليزي بعد فشل الفحص الطبي، وسط تقارير عن مشكلة قلبية.

وفي عام 2021، تعرض لانهيار خلال مباراة في النمسا، لكنه نجا وعاد إلى ممارسة كرة القدم، بعدما خضع لتدخل طبي وزُرع له جهاز مزيل للرجفان. ومع ذلك، استمر في اللعب، وسجل الأهداف، وحاول أن يواصل مسيرته رغم المخاطر الصحية.

لكن المأساة وقعت في 11 نوفمبر 2023، عندما سقط خلال مباراة فريقه إجناتيا أمام بارتيزاني في الدوري الألباني. حاول الأطباء إنقاذه، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، وأُعلنت وفاته عن 28 عاماً.

ما يجعل هذه الحكاية مؤلمة على نحو خاص أن الخطر القلبي لم يكن مجهولاً تماماً؛ فقد سبق أن تعرض اللاعب لانهيار، وخضع لإجراءات طبية، وكان يحمل جهازاً مزروعاً لمواجهة اضطرابات النظم. ومع ذلك، لا يجوز الجزم بالآلية الطبية النهائية التي أدت إلى وفاته في المباراة الأخيرة من دون الاستناد إلى تقرير تشريحي منشور.

كانت عودته إلى الملاعب قصة أمل، لكن سقوطه الأخير أعاد إلى الواجهة السؤال الصعب حول حدود قدرة الطب على حماية الرياضيين الذين يعيشون مع أمراض قلبية خطيرة.

في 25 نوفمبر 2014، كان لاعب الكريكيت الأسترالي فيليب هيوز Phillip Hughes يشارك في مباراة محلية بملعب سيدني للكريكيت، عندما ارتطمت كرة سريعة بالمنطقة الواقعة أسفل خوذته قرب العنق.

لم يكن المشهد يبدو في بدايته مختلفاً عن إصابة مؤلمة قد يتعرض لها لاعب كريكيت، لكن هيوز سقط على أرض الملعب ولم يتمكن من النهوض. نُقل إلى المستشفى وخضع لجراحة عاجلة، وظل في غيبوبة، قبل أن يتوفى في 27 نوفمبر، عن 25 عاماً.

وكشفت نتائج التحقيق الطبي الشرعي أن الكرة تسببت في تسلخ رضحي بالشريان الفقري الأيسر (Traumatic Dissection of the Left Vertebral Artery)، أعقبه نزيف تحت العنكبوتية وإصابة دماغية قاتلة. وقد أدى تلف الشريان إلى انقطاع إمداد الدم عن جذع الدماغ، وهو الجزء المسؤول عن وظائف حيوية، بينها التنفس والوعي.

وكانت هذه النتيجة الطبية كاشفة لسر لم يكن ظاهراً للجماهير؛ فالضربة لم تصب الرأس مباشرة، بل أصابت منطقة حساسة في العنق، وأطلقت سلسلة من المضاعفات التي لم يتمكن الأطباء من عكس آثارها.

وأوصى التحقيق الطبي الشرعي بمراجعة إجراءات الطوارئ وقواعد الحماية في لعبة الكريكيت، بعدما تبين أن طلب المساعدة الطبية تأخر أكثر من ست دقائق، وأن المسؤوليات المتعلقة باستدعاء الإسعاف لم تكن واضحة بما يكفي. ومع ذلك، خلص المحقق إلى عدم وجود تعمد أو مسؤولية جنائية على اللاعب الذي أرسل الكرة.

كانت كرة واحدة كافية لتغيير مصير لاعب شاب، في رياضة اعتاد فيها هيوز مواجهة الكرات السريعة بشجاعة، لكنه لم يكن يعرف أن ضربة عند العنق ستصبح آخر ما يواجهه على أرض الملعب.

في 13 نوفمبر 1982، دخل الملاكم الكوري الجنوبي دوك كو كيم Duk-Koo Kim الحلبة في لاس فيغاس لمواجهة الأمريكي راي مانشيني على لقب رابطة الملاكمة العالمية للوزن الخفيف.

كانت المواجهة عنيفة، واستمرت حتى الجولة الرابعة عشرة، عندما تلقى كيم ضربة قوية أسقطته أرضاً. لم تكن تلك نهاية النزال فحسب، بل بداية معركة أخرى من أجل حياته.

دخل الملاكم في غيبوبة، ونُقل إلى المستشفى، حيث اكتشف الأطباء إصابة دماغية جسيمة ونزيفاً داخل الجمجمة. وخضع لجراحة عاجلة، لكن حالته لم تتحسن، وأُعلن موته بعد أيام، في 17 نوفمبر، عن 23 عاماً.

تركت وفاته أثراً عميقاً في عالم الملاكمة، وأعادت فتح النقاش حول عدد الجولات ومخاطر الضربات المتكررة على الرأس. وأصبحت المأساة من الوقائع التي ارتبطت بالتغييرات اللاحقة في تنظيم المنافسات الكبرى، ومنها تقليص نزالات البطولات من 15 جولة إلى 12 جولة.

لم يكن كيم مجرد ملاكم خسر نزالاً؛ كان شاباً دخل الحلبة بحثاً عن بطولة، وخرج منها إلى معركة لم يتمكن جسده من النجاة منها.

في الأول من مايو 1994، كان العالم يتابع سباق جائزة سان مارينو الكبرى على حلبة إيمولا الإيطالية، حيث يقود البرازيلي آيرتون سينا Ayrton Senna سيارة ويليامز في واحدة من أكثر المنافسات ترقباً في عالم الفورمولا 1.

لكن في اللفة السابعة، وعند منعطف تامبوريلو، خرجت السيارة عن المسار واصطدمت بالحاجز الخرساني بسرعة هائلة. توقفت المنافسة، وهرع المسعفون إلى السيارة، بينما كانت الجماهير تتابع مشهداً لا يشبه أي توقف عادي في سباقات السيارات.

أُخرج سينا من السيارة، وبدأت محاولات التعامل مع إصاباته الخطيرة، ثم نُقل جواً إلى المستشفى في بولونيا. لم يستعد وعيه، وأُعلن عن وفاته في اليوم نفسه، عن 34 عاماً.

ارتبطت الوفاة بإصابة دماغية رضحية شديدة وكسور في قاعدة الجمجمة، في أعقاب الحادث العنيف. كما تناولت التحقيقات الفنية والقضائية دور أجزاء من السيارة، بينها مكونات العجلة ونظام التعليق، في الإصابات التي تعرض لها السائق.

لم يكن سينا مجرد سائق سباقات؛ كان بطلاً صنع لنفسه مكانة استثنائية في قلوب الملايين، ولهذا لم يكن صمت الحلبة بعد اصطدام سيارته صمتاً رياضياً عابراً، بل لحظة فقد فيها عالم السباقات واحداً من أكثر أبطاله حضوراً وتأثيراً.

قبل أسبوعين فقط من انطلاق أولمبياد موسكو 1980، كانت لاعبة الجمباز السوفيتية إيلينا موخينا Yelena Mukhina تستعد لتحقيق حلمها الأولمبي. كانت بطلة العالم في منافسات الفردي العام لعام 1978، وواحدة من أبرز نجمات الجمباز في جيلها، لكن تدريباً واحداً غيّر حياتها بالكامل.

في 3 يوليو 1980، وأثناء محاولتها أداء حركة توماس سالتو (Thomas Salto)، لم تتمكن موخينا من إكمال الدوران في الهواء، فسقطت على ذقنها ورقبتها، وأصيبت إصابة شديدة في العمود الفقري تركتها مصابة بالشلل الرباعي.

لم تعد إلى المنافسة، ولم تصل إلى الألعاب الأولمبية التي كانت تستعد لها. وعاشت سنوات طويلة مع آثار الإصابة، قبل أن تتوفى في 22 ديسمبر 2006، عن 46 عاماً، نتيجة مضاعفات الشلل الرباعي.

لم يكن رحيلها في الملعب أو لحظة السقوط، بل بعد 26 عاماً من الحادث الذي حرمها من مسيرتها الرياضية وغيّر حياتها بالكامل. وقد انتقدت موخينا لاحقاً منظومة الجمباز السوفيتية، وما اعتبرته ضغطاً لتحقيق الإنجازات والميداليات على حساب سلامة الرياضيين.

إنها واحدة من أكثر الحكايات قسوة؛ فالموهبة التي كانت تستعد للتألق أمام العالم وجدت نفسها فجأة في مواجهة حياة مختلفة تماماً، ثم رحلت بعد سنوات من المعاناة والمضاعفات.

لا يمكن الحديث عن الإصابات الرياضية الكارثية من دون التوقف عند لاعبة الجمباز الصينية سانغ لان Sang Lan، مع التأكيد أنها لم تتوفَّ، وأن قصتها تختلف عن حالات الرياضيين الذين رحلوا.

في 21 يوليو 1998، وأثناء الإحماء لمنافسات حصان القفز في دورة ألعاب النوايا الحسنة بالولايات المتحدة، تعرضت اللاعبة، التي كانت تبلغ 17 عاماً، لسقوط عنيف على الرأس والرقبة. وأدى الحادث إلى إصابة في الفقرات العنقية وتلف في الحبل الشوكي، تركها مصابة بالشلل.

خضعت لجراحة طويلة لتثبيت الفقرات، ثم بدأت رحلة إعادة التأهيل، لكنها لم تستعد القدرة على المشي. وتحولت قصتها إلى واحدة من أبرز الوقائع التي أعادت النقاش حول مخاطر الحركات الرياضية شديدة الصعوبة، وضرورة توفير أعلى درجات الحماية والاستعداد الطبي.

لم تكن سانغ لان ضحية وفاة داخل الملعب، لكنها كانت ضحية إصابة غيرت حياتها إلى الأبد.

لا تنتهي بعض هذه الحكايات عند إعلان الوفاة أو صدور التقرير الطبي؛ ففي حالات معينة تبدأ بعدها معركة أخرى بحثاً عن المسؤولية، وعن إجابة سؤال لا يفارق أسر الضحايا: هل كان من الممكن إنقاذ اللاعب لو وصلت المساعدة في الوقت المناسب؟ وهل أدى إهمال أو قصور في التجهيزات إلى تحويل إصابة قابلة للعلاج إلى وفاة؟

قضية باتريك إيكينغ من أوضح الأمثلة؛ إذ لم تقتصر التحقيقات على المرض القلبي الذي أظهره التشريح، بل امتدت إلى أداء الطبيبة الموجودة في سيارة الإسعاف، وانتهت بإدانتها بالقتل الخطأ بسبب عدم إجراء إجراءات الإنعاش في الوقت المناسب.

أما في قضية بييرماريو موروسيني، فقد أثار عدم استخدام جهاز إزالة الرجفان المتاح جدلاً واسعاً، وأصدرت المحاكم الإيطالية أحكام إدانة أولية بحق ثلاثة أطباء، قبل أن تُلغى تلك الأحكام في مرحلة النقض، وتنتهي إعادة المحاكمة ببراءتهم عام 2019.

وفي حادثة فيليب هيوز، لم يكن التحقيق الطبي الشرعي بحثاً عن متهم بقدر ما كان محاولة لفهم ما حدث، وكيف تأخر طلب المساعدة، وما الذي يمكن تغييره لحماية لاعبي الكريكيت مستقبلاً. وقد أوصى التحقيق بمراجعة قواعد اللعب وإجراءات الطوارئ، وتطوير معدات الحماية.

هذه القضايا تذكر بأن حماية الرياضي لا تتوقف عند الفحوص الطبية السابقة للمنافسة، بل تشمل أيضاً وجود فرق طبية مؤهلة، وسيارات إسعاف مجهزة، وأجهزة إنعاش وصدمات كهربائية، وخطة واضحة للتعامل مع الطوارئ.

أعادت وفيات رياضيين مثل مارك فيفيان فوي وميكلوش فيهير وبييرماريو موروسيني فتح النقاش حول الفحوص القلبية التي يخضع لها اللاعبون، ومدى قدرتها على اكتشاف الأمراض التي قد لا تظهر أعراضها خلال الحياة اليومية.

لكن لا يوجد فحص واحد يضمن اكتشاف كل الأمراض القلبية، كما أن طبيعة الفحوص تختلف وفق العمر والتاريخ المرضي واللوائح الطبية المعمول بها. وقد تشمل التقييمات التاريخ الصحي والعائلي، والفحص السريري، وتخطيط القلب الكهربائي، وقد تستدعي النتائج فحوصاً إضافية مثل تخطيط صدى القلب أو اختبارات أخرى يحددها الطبيب.

وتظل الفحوص الدورية ضرورية، لكنها لا تمنح ضماناً مطلقاً ضد الموت القلبي المفاجئ. فبعض الأمراض قد لا تظهر بوضوح في الفحوص الأولية، كما أن بعض اضطرابات النظم قد تحدث بصورة غير متوقعة.

وفي المقابل، تعمل الاتحادات الرياضية على تطوير خطط الطوارئ داخل الملاعب، بما يشمل تدريب الفرق الطبية وتحديد أدوار كل فرد، وتوفير أجهزة إزالة الرجفان الخارجية الآلية (AED)، والتدرب على التعامل مع التوقف القلبي وإصابات العمود الفقري.

ولا تكمن أهمية هذه الأجهزة في مجرد وجودها داخل المنشأة الرياضية، بل في أن تكون قريبة من أرض الملعب، وأن يعرف الطاقم المسؤول كيفية استخدامها، وأن تبدأ عملية الإنعاش فور التعرف على التوقف القلبي. فالدقائق الأولى قد تكون فاصلة بين فرصة للنجاة ونهاية مأساوية.

ليس كل سقوط داخل الملعب ينتهي بمأساة. فهناك رياضيون اقتربوا من النهاية أمام أعين الجماهير، لكن سرعة الاستجابة الطبية حولت قصصهم إلى شهادات على أهمية الإنقاذ الفوري.

في 12 يونيو 2021، وخلال مواجهة الدنمارك وفنلندا في بطولة أمم أوروبا، سقط لاعب الوسط الدنماركي كريستيان إريكسن Christian Eriksen فجأة قرب نهاية الشوط الأول، من دون احتكاك مع أحد.

كان المشهد مرعباً؛ فقد بدا اللاعب فاقداً للوعي، وسارع زملاؤه إلى تنبيه الطاقم الطبي، فيما شكل قائد المنتخب سيمون كايير وزملاؤه دائرة لحمايته عن أعين الجماهير والكاميرات.

وأكد طبيب المنتخب الدنماركي أن إريكسن تعرض لتوقف قلبي، وأن الأطباء أجروا له الإنعاش القلبي الرئوي واستخدموا جهاز إزالة الرجفان، حتى عاد قلبه إلى النبض. ونُقل إلى المستشفى، وزُرع له لاحقاً جهاز مزيل للرجفان القابل للزرع، قبل أن يعود إلى ممارسة كرة القدم الاحترافية.

لم تكن عودته مجرد خبر رياضي سعيد؛ فقد منحت قصته معنى عملياً لكل الحديث عن الاستعداد الطبي داخل الملاعب. فإريكسن لم ينجُ لأن قلبه توقف ثم عاد وحده، بل لأن التدخل السريع والمتخصص بدأ في المكان الذي سقط فيه.

وقبل إريكسن بتسع سنوات، عاش لاعب بولتون واندررز الإنجليزي فابريس موامبا Fabrice Muamba تجربة قاسية مشابهة. ففي 17 مارس 2012، سقط خلال مواجهة فريقه أمام توتنهام في كأس الاتحاد الإنجليزي، ليتوقف قلبه وتبدأ معركة محمومة لإنقاذ حياته.

استمرت محاولات الإنعاش لفترة استثنائية، وقال طبيب بولتون إن قلب موامبا ظل متوقفاً لمدة بلغت 78 دقيقة، بين لحظة سقوطه ووصوله إلى المستشفى واستعادة القلب نشاطه. وأسهم في إنقاذه تدخل الأطباء والمسعفين، إلى جانب طبيب قلب كان بين الجماهير.

غادر موامبا المستشفى بعد نحو شهر، لكنه أعلن اعتزاله كرة القدم بناء على توصية فريقه الطبي. ورغم أنه لم يعد إلى الملاعب لاعباً محترفاً، فإن نجاته كانت دليلاً على أن الاستجابة الطبية المنظمة قد تمنح المصاب فرصة للحياة حتى في أكثر الظروف قسوة.

كان موامبا وإريكسن على مسافة واحدة من المأساة التي طالت فوي وفيهير وغيرهما، لكن قصتيهما انتهتا بصورة مختلفة. والدرس هنا ليس أن النجاة مضمونة، بل أن الاستعداد والتدخل السريع والإنعاش واستخدام جهاز إزالة الرجفان قد تصنع مجتمعة الفارق بين أن يتحول سقوط اللاعب إلى ذكرى وداع، أو إلى بداية رحلة نجاة جديدة.

من مارك فيفيان فوي إلى خيسوس دي ميغيل، ومن ميكلوش فيهير إلى فيليب هيوز، تتعدد الأسباب الطبية والظروف التي أحاطت بكل مأساة، لكن المشهد الإنساني يتكرر: رياضي يدخل الملعب وهو يحمل أحلامه، وجماهير تتابعه وهي تنتظر منه لحظة إبداع، ثم يقع ما لم يكن أحد مستعداً له.

بعضهم سقط بسبب مرض قلبي لم يكن معروفاً، وبعضهم تعرض لاصطدام أو ضربة أحدثت إصابة قاتلة، وآخرون خاضوا معارك طويلة داخل المستشفيات قبل أن يرحلوا. وهناك من لم يمت، لكنه حمل إصابة غيرت حياته إلى الأبد، مثل سانغ لان.

لا يمكن أن نعيد هؤلاء إلى الملاعب، ولا أن نخفف عن أسرهم وطأة الغياب، لكن توثيق حكاياتهم بدقة يساعد على ألا تتحول مآسيهم إلى مجرد أسماء في قوائم الوفيات. فكل اسم وراءه حياة ومسيرة وأحلام، وكل سقوط يستحق أن نعرف ما حدث فيه، وما الذي كشفه الأطباء بعده، وما الذي كان يمكن فعله لتفادي النهاية.

وربما تكون أقسى حقيقة في هذه الحكايات أن الجماهير كانت ترى اللاعب يسقط، لكنها لم تكن ترى ما يحدث داخل جسده. كانت تنتظر أن ينهض ويعود إلى المباراة، بينما كان الزمن يمضي في اتجاه آخر تماماً؛ اتجاه لم يكن أحد يريد أن يصدقه.

للمزيد من الأخبار: رافاييل نادال ينفرد بالرقم القياسي كأكثر لاعبي التنس تحقيقاً لألقاب الغراند سلام

لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»

وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»

ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»

المصدر: عمرو رضا

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز