بعض الشباب يتميزون بشخصية عطاءة، يضعون احتياجات المقربين أولوية، وقد لا ينتبهون لاحتياجتهم إلا بعد الوفاء بما يطلبه الآخرون، وقد تبدو هذه السمات إيجابية لشخص محبوب اجتماعيًا، غير أن المبالغة في العطاء على حساب النفس قد تكون اضطراب سلوكي. نتحدث عما يطلق عليه الخبراء "شخصية المنقذ" وهي حالة سلوكية تتطلب الانتباه، لا سيما في مرحلة الشباب، لأنها نوع من الاستنزاف يقوم به الشخص ضد نفسه، حين لا يعطي لأولوياته واحتياجاته الحق في أن تكون أولًا، ليس على حساب الآخرين وحتى يمكنه القيام بدور متوازن معهم. وفي هذا الصدد التقت "سيدتي" رحاب حسين، مدربة الحياة ومتحدثة تحفيزية ومعالجة بالطاقة، والتي قالت أن شخصية المنقذ لا يمكن اعتبارها مرضًا أو اضطرابًا نفسيًا، بينما هو نمط سلوكي دفاعي يعزز لدى الشخص الشعور بالأمان الزائف، وقد يعود بالأساس إلى تجارب سابقة تسبب في اضطرابات شخصية.
تعرّف رحاب شخصية المنقذ بأنها تقديم الدعم بطريقة مفرطة، بلا حدود، وعلى حساب النفس، وتقول "قد نلاحظ أن الشخص الذي يلعب دور المنقذ يتدخل للقيام بالحل، بدلًا من تقديم الدعم والمساعدة". وتصف شخصية المنقذ بالقول: "قد يذهب ليغرق بدلًا من الغريق نفسه، مضحيًا بطاقته وكيانه في سبيل إنقاذ شخص آخر دون وعي". ومن أهم ما يميزه، كما تقول، أنه يتدخل دون طلب حقيقي من صاحب المشكلة. تعرف كذلك شخصية المنقذ بمسمى "الفارس الأبيض" تعبيرًا عن الأشخاص الباحثين عن إنقاذ الآخرين وتقديم الحلول نيابة عنهم، ربما رغمًا عن صاحب المشكلة نفسه. ومن جانبها تؤكد رحاب "هذا ليس تشخيصًا طبيًا دقيقًا، بل نمط سلوكي يعزز طريقة تفكير بعينها".وترفض وصفه بـ"العقدة"، لأن العقدة توحي بشيء يصعب التخلص منه، بينما تفضل تسميته نمطًا مكتسبًا، يمكن الاستغناء عنه.
وتحدد رحاب مجموعة من السمات التي تظهر على شخصية المنقذ، مثل:
المنقذ يبحث عن حالة تحتاج الإنقاذ، ومن هنا نلاحظ انجذابه إلى الأشخاص الذين يمرون بأزمات وصعوبات ليقوم بدوره معهم، فتتكرر في حياته علاقات سامة تستنزفه عاطفيًا وماديًا لفترات طويلة.
قول "لا" في المواقف التي تستنزفك ضرورة، لكن المنقذ بعيد عن هذا، فهو يشعر بالذنب أو التقصير أو الحرج إذا رفض طلبًا، ويعتقد أنه ليس من حقه الرفض.
وهنا يكمن جزء كبير من "عقدة" المنقذ، وهي أنه يقيس قيمته الذاتية بمدى قدرته على إنقاذ الآخرين، ولهذا يفرح حين يلجأ الآخرين إليه، ويُحبط إذا عومل بلطف دون أن يقدم شيئًا.
يبذل جهدًا ضخمًا لتلبية احتياجات من حوله، ويضع نفسه في آخر القائمة. وقد يترك موعدًا يستمتع به ليلبي نداء شخص لن يفعل المثل له إذا احتاج إليه.
يسعى إلى إصلاح من حوله ليراهم جميعًا في أفضل حال، وهو ما تراه رحاب مجهودًا ضد طبيعة الحياة، لأن لكل إنسان اختياراته وتجاربه.
ترجع المختصة جذور هذا السلوك إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
بعض الأشخاص يعتقدون أن وجودهم مرهون بالمساعدة، بل الإفراط في تقديم المساعدة، كما يعتقدون أنهم إذا توقفوا عن المساعدة أو قال "لا"، فسيبتعد الناس عنهم ويتخلون عنهم، وهذا غير صحيح.
يتحمل بعض الأطفال مسؤولية العائلة في سن صغيرة، من الوالدين إلى الإخوة وأبناء الأقارب، وهو ما يعرف بـ"ظاهرة الطفل الأبوي". ويعتاد الطفل دور المسؤول، فيستمر معه إلى الكبر.
الشخص المنقذ عادة ما يشعر في اللاوعي أنه لا يستحق الحب غير المشروط، بل أن حب الناس له مصدره قدرته على تقديم المساعدة، أي علاقة قائمة على المنفعة من طرف واحد، من ثم يتحول الإنقاذ إلى وسيلة لكسب الحب. وتضيف أن التنشئة الاجتماعية تلعب دورًا أيضًا، فكثيرون تعلموا أن ينظروا إلى الآخرين أولًا وأن يضعوا أنفسهم في آخر القائمة، وهو ما تراه غير صحيح.
تفرق رحاب بين الدعم الصحي والإنقاذ المرضي. :
وتحدد أن الشخص الداعم الحقيقي:
ترى رحاب أن التخلص من هذه الشخصية لا يتم بوصفة علاجية جاهزة، بل بتغيير نمط اعتاده الشخص طويلًا، وتحدد مسارًا من ثلاث خطوات:
أن تكون أنت أولًا وثانيًا وثالثًا، فإذا طُلب منك شيء فاجعله رابعًا، وإن لم يُطلب فليس لك دخل فيه.
تعلمي أن الرفض ليس تقصيرًا، وأن الشعور بالضغط النفسي والعصبي نتيجة تحمل ما ليس عليك دليل على أنك تجاوزت حدودك.
يأتي التوازن من تلبية احتياجاتك ورغباتك النفسية أولًا، ثم العطاء من فائض لا من استنزاف. وتختتم حديثها بالقول "ابدأ بخطوة صغيرة، وهي أن تتوقف قبل أن تقول "نعم" وتسأل نفسك: هل طُلبت المساعدة فعلًا، وهل أملك الوقت والطاقة لها؟ وبالتدريج ستلاحظ أن حدودك لا تقلل من عطائك، بل تجعله أصدق وأقدر على الاستمرار". اقرأي أيضًا كيفية التعامل مع الأشخاص الذين يستنزفون طاقتك