Loading...

هل يؤدي تناول السكر إلى فرط النشاط لدى الأطفال؟ وماذا تقول الأبحاث العلمية؟

|
03 نوفمبر 2026, 09:00
Featured image
حجم الخط

مشهد مألوف لدى الكثير من الآباء والأمهات؛ يتناول الطفل قطعة من كعكة يوم الميلاد، أو بعض الحلوى خلال حفلة، أو مشروباً محلى بالسكر، وسرعان ما يبدو مفعماً بالطاقة والحيوية، فيركض هنا وهناك، ويتحدث بحماس مفرط، أو يجد صعوبة في الجلوس بهدوء. وغالباً ما يتبادر إلى أذهان الأهل أن السكر هو المسؤول عن هذه الزيادة المفاجئة في النشاط. ولكن هل توجد بالفعل علاقة بين تناول السكر وفرط النشاط لدى الأطفال؟

من واقع خبرة د. آن ماري جويس أخصائية طب الأسرة في مستشفى ميدكير الطبية، والتي تفيدنا بمعلومات حول آخر الأبحاث عن أثر تناول السكر إلى فرط النشاط لدى الأطفال؟ ننصح الآباء والأمهات بعدم الاكتفاء بملاحظة سلوك أطفالهم في موقف معين، بل النظر إلى الصورة الأشمل وفهم العوامل المختلفة التي قد تؤثر في تصرفاتهم. فعلى الرغم من شيوع الاعتقاد بأن تناول السكر يؤدي إلى فرط النشاط لدى الأطفال منذ عقود، فإن الأبحاث العلمية لم تقدم أدلة متسقة تؤكد وجود علاقة مباشرة بين استهلاك السكر وزيادة الحركة أو النشاط المفرط لدى الأطفال. فالعلاقة بين النظام الغذائي والسلوك أكثر تعقيداً مما قد نتصور، وهناك عوامل عديدة يمكن أن تؤثر في الحالة المزاجية للطفل وسلوكياته على مدار اليوم. تعلّق قائلة: "ولا يعني ذلك أن التغيرات التي يلاحظها الآباء والأمهات في سلوك أطفالهم غير حقيقية، بل يشير إلى أن الأسباب الكامنة وراء هذه التغيرات قد تكون أكثر تعقيداً من مجرد تناول السكر.

من العوامل المهمة التي ينبغي أخذها في الاعتبار طبيعة الأجواء والمناسبات التي يتناول فيها الأطفال الأطعمة الغنية بالسكر. فحفلات أيام الميلاد والتجمعات العائلية والفعاليات المدرسية والعطلات غالباً ما تكون مناسبات حافلة بالمرح والإثارة. وخلال هذه المناسبات، يكون الأطفال محاطين بأصدقائهم، ويشاركون في الألعاب والأنشطة الترفيهية، وقد يسهرون لوقت أطول من المعتاد، ويحظون بقدر أكبر من الاهتمام مقارنة بأيامهم العادية. كما قد تقل فرص حصولهم على الراحة الكافية أو الالتزام بروتينهم اليومي المعتاد. وفي مثل هذه الظروف، قد تكون زيادة الحركة والحماس لدى الأطفال مرتبطة بالأجواء المحيطة بهم أكثر من ارتباطها بالأطعمة التي يتناولونها. كما يمكن أن تؤثر التوقعات المسبقة لدى الآباء والأمهات في طريقة تفسيرهم لسلوك أطفالهم. فإذا كانوا يعتقدون مسبقاً أن تناول السكر يؤدي إلى فرط النشاط، فقد يصبحون أكثر ميلاً لملاحظة علامات التململ والحركة الزائدة لدى أطفالهم بعد تناول الحلويات، مقارنة بمواقف أخرى. ولا يعني ذلك أن ملاحظاتهم غير مهمة، بل يؤكد ضرورة النظر في التفسيرات المحتملة المختلفة قبل استخلاص أي استنتاجات بشأن سلوك الطفل. فمجرد ملاحظة زيادة الحماس والنشاط لدى الطفل بعد تناول الحلويات في موقف واحد لا يكفي لإثبات وجود علاقة مباشرة بينهما.

من المهم أيضاً، كما تجد د. آن ماري، التمييز بين الحماس المؤقت وفرط النشاط المستمر. فمن الطبيعي أن تتفاوت مستويات الطاقة والنشاط لدى الأطفال، ولا تعني كثرة الحركة أو الحديث أو سهولة تشتت الانتباه بالضرورة وجود مشكلة سلوكية. إذ تتطور قدرة الأطفال على الجلوس بهدوء والتحكم في مشاعرهم والتركيز تدريجياً مع تقدمهم في العمر. فعلى سبيل المثال، قد يجد الطفل الصغير صعوبة في البقاء جالساً طوال فترة تناول وجبة عائلية طويلة، وهو سلوك قد يكون طبيعياً تماماً ومتوافقاً مع مرحلته العمرية والنمائية. كذلك، قد يصبح الأطفال أكثر حركة وانفعالاً عندما يشعرون بالتعب أو الملل أو يتعرضون لمستويات مرتفعة من المحفزات الحسية والبيئية. ومع ذلك، إذا كان الطفل يعاني بصورة متكررة من صعوبة التركيز، أو يتصرف باندفاع من دون التفكير في العواقب، أو يُظهر مستويات غير معتادة من التململ والحركة الزائدة، أو يجد صعوبة في اتباع التعليمات في بيئات ومواقف مختلفة، فمن المستحسن مناقشة هذه الملاحظات مع أحد المختصين في الرعاية الصحية. ويكمن الأمر الأساسي في تقييم مدى تكرار هذه السلوكيات، والفترة الزمنية التي استمرت خلالها، وما إذا كانت تؤثر في قدرة الطفل على التعلم، أو علاقاته بأصدقائه، أو حياته الأسرية، أو أنشطته اليومية. فالعبرة تكمن في النمط السلوكي العام للطفل ومدى استمراريته وتأثيره في حياته، وليس في موقف عابر أو تصرف منفرد.

يُعد اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، المعروف اختصاراً بـ (ADHD)، أحد اضطرابات النمو العصبي التي قد تؤثر في قدرة الطفل على التركيز والتحكم في اندفاعاته ومستويات نشاطه. ولا ينجم هذا الاضطراب عن مجرد تناول الحلويات، كما لا ينبغي ربط سلوك الطفل باستهلاك السكر من دون النظر في الأسباب والعوامل الأخرى المحتملة. ويتطلب تشخيص اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط تقييماً شاملاً لنمو الطفل وسلوكياته والتحديات التي يواجهها في بيئات مختلفة، بدلاً من الاعتماد على ملاحظة عابرة أو عادة غذائية معينة. ولذلك، ينبغي على الآباء والأمهات تجنب التسرع في إصدار الأحكام أو محاولة التعامل مع الأعراض المستمرة من خلال إجراء تغييرات على النظام الغذائي وحده، من دون استشارة المختصين. وقد أشارت بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين ارتفاع معدلات استهلاك السكر، ولا سيما المشروبات المحلاة بالسكر، وظهور أعراض مرتبطة باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط. إلا أن وجود هذا الارتباط لا يعني بالضرورة أن تناول السكر هو السبب المباشر لهذه الأعراض. فقد تختلف العادات الغذائية لدى الأطفال الذين يعانون من صعوبات سلوكية، كما يمكن أن تؤثر عوامل أخرى، مثل أنماط النوم والروتين الأسري ومستويات النشاط البدني وجودة النظام الغذائي بشكل عام، في الخيارات الغذائية للأطفال وسلوكياتهم على حدّ سواء. ويجعل تداخل هذه العوامل من الصعب الجزم بأن السكر بحدّ ذاته هو المسؤول عن تلك التغيرات السلوكية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث والدراسات لفهم العلاقة بين مختلف مكونات النظام الغذائي للأطفال وسلوكياتهم على المدى الطويل.

على الرغم من أن السكر قد لا يكون السبب المباشر لفرط النشاط لدى الأطفال، خلافاً للاعتقاد الشائع، فإن الحدّ من الإفراط في استهلاك السكريات المضافة يظل أمراً ضرورياً لأسباب صحية أخرى. فالإكثار من تناول المشروبات المحلاة بالسكر والحلويات والبسكويت والمخبوزات الحلوة قد يزيد من خطر الإصابة بتسوس الأسنان، ويجعل من الصعب على الأطفال اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن. وعندما تحل هذه الأطعمة بصورة متكررة محل الخيارات الغذائية الأكثر فائدة، فقد يُحرم الأطفال من عناصر غذائية أساسية تدعم نموهم وتطورهم بشكل طبيعي. كما أن المشروبات المحلاة قد تضيف كميات كبيرة من السكر إلى النظام الغذائي اليومي للطفل، من دون أن توفر القيمة الغذائية التي يحصل عليها من شرب الماء أو الحليب. ولا ينبغي أن يكون الهدف حرمان الأطفال تماماً من تناول الحلويات أو إشعارهم بالذنب عند الاستمتاع بها من حين إلى آخر، بل مساعدة الآباء والأمهات على ترسيخ عادات غذائية صحية ومستدامة لدى أطفالهم. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم وجبات رئيسية وخفيفة في مواعيد منتظمة، والحرص على تنويع الأطعمة لتشمل الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة ومصادر البروتين، إلى جانب تشجيع الأطفال على شرب الماء؛ بوصفه الخيار الأساسي للترطيب على مدار اليوم.

ويمكن أن تكون الحلويات جزءاً من نظام غذائي متوازن عند تناولها باعتدال وعلى فترات متباعدة. فالأهم هو تجنب تحويل الأطعمة الغنية بالسكر إلى خيار يومي معتاد، بدلاً من فرض قيود صارمة تمنع تناولها تماماً.

ويمكن للآباء والأمهات أيضاً الانتباه إلى عوامل أخرى قد يكون لها تأثير مباشر في سلوك أطفالهم، ولا سيما النوم والجوع والتعرض المفرط للمحفزات الحسية والبيئية. فالأطفال الذين لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم قد يصبحون أكثر عرضة للانفعال والتصرف باندفاع أو إظهار مستويات غير معتادة من النشاط والحركة. وبالمثل، قد يجد الطفل الذي يقضي وقتاً طويلاً في بيئة صاخبة أو مزدحمة صعوبة في استعادة هدوئه بعد مغادرتها. كما أن تفويت الوجبات أو البقاء لفترات طويلة بدون تناول الطعام قد يؤثر في الحالة المزاجية والقدرة على التركيز لدى بعض الأطفال. ومن هنا، تبرز أهمية الالتزام بمواعيد نوم منتظمة، وتوفير وجبات غذائية متوازنة، وإتاحة الوقت الكافي للعب في الهواء الطلق، إلى جانب تخصيص فترات للراحة والاسترخاء، بما يساعد الأطفال على تنظيم مستويات نشاطهم والتحكم في مشاعرهم بصورة أفضل. وفي حال لاحظ الآباء والأمهات وجود نمط متكرر يربط بين تناول أطعمة معينة وحدوث تغيرات في سلوك أطفالهم، فقد يكون من المفيد الاحتفاظ بسجل يومي بسيط لتوثيق هذه الملاحظات. ويمكن أن يشمل هذا السجل نوعية الأطعمة التي يتناولها الطفل، وعدد ساعات نومه، والظروف والمواقف التي تظهر فيها التغيرات السلوكية، والمدة التي تستمر خلالها. ويساعد هذا النهج على تكوين صورة أكثر شمولاً ودقة عن العوامل المؤثرة في سلوك الطفل، بدلاً من التركيز على استهلاك السكر وحده. كما يُنصح بمراقبة الأنماط السلوكية خلال الأيام الدراسية الاعتيادية وعطلات نهاية الأسبوع والمناسبات الخاصة، وعدم التسرع في استخلاص النتائج بناءً على تجربة واحدة. وإذا استمرت المخاوف بشأن سلوك الطفل، فمن الأفضل استشارة الطبيب المختص لتقييم هذه الأنماط وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الفحوصات والتقييمات الطبية.

من المهم بالقدر ذاته تجنّب تحويل الطعام إلى مصدر للخلاف والتوتر بين الآباء والأمهات وأطفالهم. فوصف الحلويات بأنها أطعمة ضارّة، أو تحذير الأطفال باستمرار من أن تناول السكر سيؤدي إلى سوء سلوكهم، قد يخلق لديهم شعوراً غير مبرر بالقلق تجاه الطعام. وبدلاً من ذلك، يُنصح باتباع نهج أكثر إيجابية يقوم على توعية الأطفال بأن لكل نوع من الأطعمة فوائد ووظائف مختلفة، وأن أجسامهم تحتاج إلى نظام غذائي متنوع يدعم نموهم وقدرتهم على التعلم والحفاظ على صحتهم. كما أن إشراك الأطفال في اختيار الفواكه وتحضير الوجبات البسيطة، وتشجيعهم على اصطحاب زجاجة ماء معهم، يمكن أن يسهم في ترسيخ عادات صحية يسهل عليهم الالتزام بها مع تقدمهم في العمر. وفي نهاية المطاف، لا يكمن السؤال الأساسي فيما إذا كان ينبغي السماح للأطفال بتناول السكر أم لا، بل في كيفية مساعدة الآباء والأمهات لأطفالهم على بناء علاقة صحية ومتوازنة مع الطعام، مع مراعاة احتياجات كل طفل وطبيعته الفردية. فالأدلة العلمية المتاحة حالياً لا تدعم الاعتقاد الشائع بأن تناول السكر يؤدي بالضرورة إلى زيادة مفاجئة في النشاط المفرط لدى الأطفال. وفي الوقت نفسه، لا تزال العلاقة بين الأنماط الغذائية والاضطرابات السلوكية مجالاً مفتوحاً للبحث والدراسة، بهدف الوصول إلى فهم أعمق لتأثير التغذية في سلوك الأطفال وصحتهم العامة. ومن واقع خبرة د. آن ماري الطبية، تنصح الآباء والأمهات بتجنّب إرجاع سلوك أطفالهم إلى تناول نوع معين من الطعام، أو الاعتقاد بأن الامتناع عن تناول السكر وحده كفيل بمعالجة الصعوبات المستمرة المرتبطة بالتركيز أو فرط النشاط. فاتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتوفير بيئة أسرية داعمة، جميعها عوامل أساسية تسهم في تعزيز صحة الطفل وسلامته الجسدية والنفسية. والأهم من ذلك، ينبغي التعامل مع المشكلات السلوكية المستمرة بجدية، وفهم أسبابها وظروفها بصورة شاملة، مع طلب المشورة الطبية المتخصصة عند الحاجة، بدلاً من اختزالها في مجرد زيادة مؤقتة في النشاط ناجمة عن تناول السكر. ففهم احتياجات الطفل وطبيعته وسلوكه من منظور متكامل أكثر فائدة وأهمية من التركيز على مكوّن غذائي واحد. تأثير السكريات على تصرفات طفلك من عمر الرضاعة وحتى العاشرة

المصدر: لينا الحوراني

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز