توقف أساتذة جامعيون مغاربة عند التطورات الأخيرة التي شهدها ملف الوحدة الترابية للمملكة، لا سيما بعد عدم التمديد مجددا لبعثة “المينورسو”، مؤكدين أن هذه المستجدات تفتح مرحلة جديدة في مسار تدبير النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وتفرض استحضار التحولات القانونية والسياسية والدبلوماسية التي باتت تؤطر هذا الملف.
جاء ذلك خلال ندوة دولية احتضنتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، اليوم الثلاثاء، تم خلالها أيضا التطرق إلى المسار المستقبلي للقضية الوطنية الأولى، مع استعراض التحديات السياسية والدبلوماسية المطروحة أمام المملكة في المرحلة المقبلة، وذلك تزامنا مع الذكرى الأولى لعيد الوحدة.

لا مفاوضات على الصحراء
أكد عباس الوردي، أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، أن اتفاقية مدريد لسنة 1975 شكلت محطة مفصلية في مسار ترسيخ الوحدة الترابية للمملكة المغربية والتصدي لمناورات الخصوم والأطماع التي قادتها أطراف إقليمية.
وأوضح الوردي، في مداخلته، أن “المغرب واجه، تحت قيادة الملك الراحل الحسن الثاني، استهدافا ممنهجا لاستقراره عبر محاولات انقلابية كانت تحركها دول حاقدة عارضت المشروع التنموي والسياسي الذي قادته الرباط بحكمة وبُعد نظر، معتبرا بالمناسبة أن جبهة “البوليساريو” تأسست على أنقاض ما عُرف بـ”الحركة الجنينية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”، نتيجة تلاقي أطماع خارجية استهدفت استقلال المغرب ووحدته.

وأبرز الأستاذ الجامعي ذاته، في هذا السياق، أن المؤسسة الملكية في المغرب ظلت نموذجا في نبذ التطرف وتغليب منطق الحوار البناء وتلاقح الأفكار في إدارة الخلافات، خلافا للنهج التصعيدي الذي اعتمده خصوم المملكة.
وحمّل المتحدث الجهات المموّلة للتنظيم الانفصالي كامل المسؤولية عن المعاناة اليومية لساكنة مخيمات تندوف، مؤكدا أنها تفتقر إلى صفة “مخيمات اللجوء”؛ كما أشار إلى التورط في حرمان الفئات الهشة، وخاصة الأطفال والنساء والشيوخ، من المساعدات الدولية، مستحضرا بالمناسبة تقارير أممية ودولية نددت بتحويل وسرقة المساعدات الإنسانية الموجهة لتلك المخيمات.
في غضون ذلك، يرى الوردي أن جبهة “البوليساريو” ليست سوى واجهة تُحركها المؤسسة العسكرية الجزائرية التي تتحكم في دواليب الحكم وتفتقر إلى نهج دبلوماسي مدني قائم على حل النزاعات، مضيفا: “لعل هذا النهج يفسر توتر علاقات الجزائر حتى مع دول الجوار الإفريقي مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو؛ فالتقارب الحاصل بين مالي والنيجر اليوم يسعى إلى قطع الطريق أمام التدخلات التي تذكي الأزمات السياسية في المنطقة. وعليه، فإن الاستهداف لا يطال المغرب بمفرده، بل هي معاناة إقليمية ناجمة عن محاولات زرع بذور الفتنة في الفضاء المغاربي والحدود المجاورة”.
وفي هذا الإطار، بيّن الوردي أن “الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية يظل مرجعا حاسما يؤكد سيادة المغرب وحقه التاريخي على أراضيه، وهو أيضا بمثابة سند قانوني ودولي راسخ ننطلق منه في مقاربة الحق الثابت”، فيما شدد على أن “المغرب لا يفاوض على صحرائه ولا على سيادته الترابية، بل يحتكم إلى مبادئ الشرعية الدولية لمعالجة هذا النزاع”.

مرحلة دقيقة
أكد محمد عصام العروسي، المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيو-سياسية والاستراتيجية، أن قضية الصحراء المغربية تجتاز مرحلة دقيقة تقتضي مراجعة الأبعاد الاستراتيجية للتحول في المرجعية الأممية، موضحا أن موضوع “تفعيل الحكم الذاتي وصعوبة التنزيل في سياق إقليمي متوتر” يفرض تبني مقاربة تدخلية وتصور استراتيجي متكامل لمواجهة التعقيدات الراهنة، لا سيما في ظل القرارات الأممية الأخيرة منذ 2018 التي تكرس المبادرة المغربية للحكم الذاتي وتنفي كليا مسألة الاستفتاء.
وأفاد العروسي، في مداخلته، بأن “الزخم الذي حققته الدبلوماسية الملكية ساهم في مراكمة انتصارات وشراكات حاسمة، توجت بالاعتراف الأمريكي في دجنبر 2020 والتحاق قوى كبرى كفرنسا وألمانيا وإسبانيا بتأييد مغربية الصحراء، مما قابله تراجع ملحوظ في الاعتراف بالكيان الوهمي”.
واعتبر في المقابل أن “هذا التقدم يصطدم بتعقيدات قانونية وسياسية تتطلب تفكيك العلاقة بين تقرير المصير والحكم الذاتي؛ إذ يرتكز الطرح المغربي والمرجعية الأممية على تطابق المفهومين المؤديين إلى النتيجة ذاتها، فضلا عن حسم مسألة التمثيلية بدحض ادعاءات “البوليساريو” وتأكيد كونها مجرد فصيل ضعيف لا يمثل قبائل وشيوخ الأقاليم الجنوبية، إلى جانب تفكيك الحسابات الجيو-سياسية الدولية وتنافس القوى الكبرى على مناطق النفوذ”.
ولفت المتحدث إلى أن النزاع المفتعل المشار إليه يتجاوز حدوده الإقليمية ليرتبط بلعبة المصالح وتوازنات القوى العالمية، لافتا إلى أن الموقف الروسي واستخدام حق النقض “الفيتو” يندرج ضمن المناكفة والتنافس الجيو-سياسي مع واشنطن، فضلا عن حماية صفقات التسلح والمصالح الروسية الممتدة مع الجزائر.
وأوضح أن “العالم يتغير نحو محاور التعاون الجاذبة كبديل لمناطق الصراع، بينما لا تزال آليات مجلس الأمن الدولي غير المنصفة تخضع لحسابات الفيتو”، وأضاف أن “الدبلوماسية المغربية استطاعت ترسيخ قواعد جديدة ترتكز على الانتقال من إدارة الوضع القائم إلى المرجعية التفاوضية القائمة على المفاوضات المباشرة، وإقرار المسؤولية السياسية والقانونية المباشرة للجزائر كطرف رئيسي في النزاع”.
وخلص العروسي إلى التأكيد على حزمة توصيات جوهرية تتلخص في التثبيت الفني للاتفاق الإطار المستند إلى القرار الأممي 2797، ومواصلة حشد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وتشديد الضغط الخارجي على الجزائر، معتبرا أن “آفاق التغيير والتحول الاستراتيجي ما زالت مفتوحة على خيارات وبدائل متعددة تقود بثبات نحو الطي النهائي للملف وتصفية هذا النزاع المفتعل”.

سيناريوهات المستقبل
اعتبر عبد العالي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، أن إنهاء مهام بعثة “المينورسو” لم يأتِ بموجب قرار صريح ومباشر صادر عن مجلس الأمن، وإنما كان نتيجة طبيعية لعجز المجلس في جلسة 30 أكتوبر 2026 عن اعتماد أي من مشروعي القرارين الأمريكي والروسي، مما أدى عمليا إلى انتهاء الغطاء القانوني للتمديد الأخير الصادر في قرار سنة 2025 (القرار 2797).
وأشار حامي الدين إلى الدلالات السياسية العميقة للتصويت، حيث حظي المشروع الأمريكي بتأييد 11 صوتا، بينهم ثلاثة أعضاء دائمين، مقابل “فيتو” روسي منفرد وامتناع ثلاثة أعضاء، مشيرا إلى أن المقترح الأمريكي تضمن تحولات جوهرية، أبرزها اعتماد مقترح الحكم الذاتي أساسا وحيدا للمفاوضات، ونزع الصفة التمثيلية الحصرية عن جبهة البوليساريو بفتح المشاورات مع صحراويين آخرين، فضلا عن السعي لحذف وظيفة “الاستفتاء” وحرف “R” من اسم البعثة بعدما أثبت الواقع الميداني وقرارات مجلس الأمن استحالة تنظيمه مع استمرار رفض إحصاء ساكنة مخيمات تندوف.
وسجّل الأكاديمي المغربي ذاته أهمية النصين المرجعيين اللذين تليا جلسة مجلس الأمن؛ فكان أولهما بلاغ الديوان الملكي الحاسم الذي صدر بعد نصف ساعة فقط ليعلن إنهاء البعثة بعدما انتفت وظائفها الميدانية وعجزت عن صد المناوشات العسكرية التي أعقبت تحلل البوليساريو من اتفاق وقف إطلاق النار منذ أحداث الكركرات سنة 2020.
أما النص الثاني، يورد المصدر نفسه، فتمثل في بيان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، الذي رسّم أمميا إطلاق مرحلة التصفية بإشراف فريق مصغر، معتبرا أن المغرب وظف “الفيتو” الروسي كفرصة لإنهاء أطول مسلسل لـ”مأسسة الجمود” دام نحو 35 عاما، وتجريد النزاع من رمزيته الدولية الميدانية على الأرض.

وبخصوص الآفاق المستقبلية، يرى حامي الدين أن المرحلة المقبلة تحتكم لسيناريوهين أساسيين بعد إسدال الستار على الطقس السنوي لاجتماعات مجلس الأمن. يتمثل السيناريو الأول في “انتقال مضبوط” يواصل فيه المغرب التزامه الميداني بوقف إطلاق النار، ويعزز دينامية فتح القنصليات وتدفق الاستثمارات التنموية، مقابل تراجع دور المبعوث الشخصي، مع إمكانية العمل على سحب الملف نهائيا من اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار التي كان المغرب نفسه قد أودع الملف أمامها سنة 1963 ضد الاستعمار الإسباني قبل أن تحرفه الدعاية المضادة إبان الحرب الباردة.
أما السيناريو الثاني فيتعلق بـ”مسار تفاوضي” برعاية الولايات المتحدة الأمريكية خارج أروقة مجلس الأمن وآلية “الفيتو” غير العادلة، يرتكز حصرا على مبادرة الحكم الذاتي.
واستبعد الأستاذ الجامعي سالف الذكر، في ختام مداخلته، فرضية “التصعيد العسكري” نظرا للخلل الصريح في موازين القوى لصالح القوات المسلحة الملكية ووجود كوابح إقليمية ودولية ترفض الانزلاق نحو الحرب، واعتبارا لما ستكون لها من تداعيات لن تكون في صالح أحد في نهاية المطاف.
المصدر: هسبريس - عبد العزيز أكرام