Loading...

حين يُدهس القانون

|
01 نوفمبر 2026, 22:00
Featured image
حجم الخط

خرج شرطي في أكادير لأداء عمله، فانتهى به الأمر في المستشفى بعدما صدمه سائق سيارة، ثم عاد إلى الخلف ليدهسه ويفر. تلك هي الواقعة التي ينبغي أن تبقى أمامنا ونحن نناقش ما جرى صباح الخميس 29 أكتوبر. رجل أمن حاول توقيف سيارة رفض سائقها الامتثال للمراقبة، فواجه اعتداء خطيرا كاد يحرمه العودة إلى أسرته، لأن شخصا قرر أن يفتح طريقه بالقوة ولو على حساب حياة إنسان.

تمكنت الشرطة من توقيف السائق واثنين من مرافقيه في وقت وجيز، ووُضعوا رهن البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة. وقد أثارت المشاهد المتداولة غضبا كبيرا، وهي تكشف حجم الخطر الذي قد يواجهه شرطي خلال تدخل يبدو عاديا، في شارع يسلكه الناس كل يوم، وأثناء مهمة ينتظر منه الجميع أن يؤديها لحماية مستعملي الطريق.

لكن توقيف المشتبه فيهم لا يغلق النقاش. فالواقعة تطرح مسألة التعامل مع تعليمات الشرطة في الشارع، وما يرافق بعض حالات رفض الامتثال من تهور وعنف، ثم نظرة تتساهل أحيانا مع هذا السلوك، وتحتفي بمن ينجح في الإفلات من المراقبة، وكأنه حقق انتصارا يستحق أن يرويه ويفاخر به.

هذه النظرة تستحق مواجهة واضحة. فالسائق الذي يهرب من مراقبة قانونية يعرّض المارة وباقي السائقين وعناصر الشرطة للخطر، ويفرض على الجميع تحمل نتائج قراره. وحين تتحول السيارة إلى وسيلة لصدم من يحاول توقيفها، نكون أمام اعتداء على إنسان يؤدي واجبه، وعلى سلطة القانون التي يمارسها لحماية الناس. ولهذا فإن تقديم الإفلات من الشرطة باعتباره بطولة يستخف بما قد ينتهي إليه من إصابات ومآس.

نحتاج إلى قدر أكبر من الوضوح في هذه المسألة. احترام إشارة التوقف من أبسط قواعد استعمال الطريق، وتنفيذ تعليمات المراقبة التزام يسري على الجميع. أما الاعتراض على إجراء أو التظلم من معاملة فله مساطره وجهاته. وحين يختار شخص الفرار بسيارته، فإنه ينقل الأمر إلى مستوى آخر، تصبح فيه سلامة الآخرين رهينة بسياقته واندفاعه واستعداده للتمادي.

وما جرى في أكادير يفرض أيضا إعادة الاعتبار إلى الشرطي بوصفه إنسانا له أسرة وحياة وحق في السلامة. كثيرا ما ننظر إلى رجال الأمن من خلال ما نطلبه منهم، فنريد تدخلا سريعا عند الخطر، وحضورا مستمرا في الشارع، وقدرة على توقيف المعتدين وحماية الضحايا. وراء هذه المطالب موظفون يتحملون ضغط العمل واحتمالات المواجهة، وقد يدفع أحدهم صحته أو حياته ثمنا لتدخل يحمي به غيره.

لذلك يستحق الشرطي المعتدى عليه تضامنا واضحا من الهيئات الحقوقية والمدنية والفاعلين السياسيين، إلى جانب التضامن الشعبي. فإدانة الاعتداء على موظف أمن أثناء عمله دفاع عن حقه في الحياة والسلامة الجسدية، وعن حق المجتمع في أن يجد من يحميه. ومن شأن هذا الموقف أن يمنح المصاب وأسرته وزملاءه ما يحتاجونه من مؤازرة، وأن يؤكد أن العنف الذي تعرض له يعني المجتمع كله.

وتبقى مسؤولية المؤسسة الأمنية أساسية في حماية موظفيها، سواء بتطوير وسائل التدخل والتكوين والتجهيز، أو بمواكبة المصابين ورعاية أسر من فقدوا حياتهم أثناء الخدمة. وفي هذا الإطار جاء قرار المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، ترقية شرطي أكادير من مقدم شرطة رئيس إلى ضابط أمن، والتكفل بجميع نفقات علاجه واستشفائه، مع توفير الدعم المادي والمعنوي له.

يندرج القرار ضمن سياسة راسخة في الاعتراف بالتضحيات المهنية، سبق تطبيقها لفائدة موظفين تعرضوا لاعتداءات أو إصابات أثناء أداء مهامهم، وتشمل كذلك الوفاء لشهداء الواجب ورعاية أسرهم. واستمرار هذه السياسة يمنحها معناها، لأن الشرطي يحتاج إلى معرفة أن مؤسسته ستقف إلى جانبه حين يصاب، وأن ما يبذله في الميدان يحظى بالتقدير والمتابعة.

كما أن هذا الاهتمام بالموظف ينسجم مع مسار إصلاح المرفق الشرطي في عهد حموشي منذ تعيينه من طرف الملك محمد السادس في ماي 2015، من حيث تطوير الخدمات وتعزيز القرب من المواطنين وتخليق الممارسة المهنية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمؤسسة التي تطالب موظفيها بالانضباط واحترام حقوق الناس تتحمل أيضا مسؤولية حمايتهم وإنصافهم، وتقدير من يتعرض منهم للأذى بسبب التزامه بعمله.

أما خارج المؤسسة، فالمطلوب موقف اجتماعي أكثر حزما تجاه الاعتداءات على رجال الأمن، وتجاه الاستهانة برفض الامتثال. ولشرطي أكادير المصاب أصدق التمنيات بالشفاء والعودة إلى أسرته وزملائه، ولرجال الأمن الذين يواصلون عملهم حق ثابت في الحماية والتقدير. وما حدث يستحق أن يترك أثرا حقيقيا ملموسا، وأن يدفع إلى نقاش جدي حول ردع هذه الاعتداءات والوقاية منها. فأمن الشارع يعتمد أيضا على سلامة من يسهرون عليه، واحترام القانون يبدأ بالامتثال لمن يتولى تطبيقه.

المصدر: طارق البوزيدي

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز