Loading...

تفعيل الحكم الذاتي

|
01 نوفمبر 2026, 22:00
Featured image
حجم الخط

من التحول في الموقف الدولي إلى تفعيل الحكم الذاتي واستكمال معركة الإصلاح الداخلي

تحمل التطورات الأخيرة التي عرفتها قضية الصحراء المغربية دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة، وتؤشر على دخول هذا النزاع الإقليمي مرحلة جديدة، بعد عقود من التدبير الأممي الذي لم ينجح في بلورة تسوية نهائية تضع حدا لنزاع طال أمده واستنزف إمكانات المنطقة المغاربية، وعطل فرص التكامل والاندماج بين شعوبها ودولها.

وتندرج هذه التطورات ضمن دينامية دولية متنامية، تعززت بانخراط عدد متزايد من الدول في دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، سواء من خلال مواقف سياسية ودبلوماسية صريحة، أو عبر خطوات عملية تعكس تطور مقاربتها لهذا الملف.

وقد باتت هذه المبادرة تحظى بدعم واسع داخل المنتظم الدولي، باعتبارها مقترحا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع. وفي هذا السياق، تكتسب مواقف مجلس الأمن الأخيرة أهمية خاصة، بعدما حظي مشروع القرار الأمريكي بتأييد أحد عشر عضوا من أصل خمسة عشر، أي بأكثر من ثلثي أعضاء المجلس، رغم عدم اعتماده بسبب الفيتو الروسي. وهو ما يعكس اتساع التأييد للمقاربة التي تجعل المبادرة المغربية أساسا للمسار السياسي، ويؤكد أن النقاش الدولي يتجه نحو البحث عن مخرج عملي من حالة الجمود التي طبعت هذا الملف لعقود.

إن هذه الدينامية الدولية تلتقي مع ما أكده وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة بشأن كون مسار الحل قد أخذ طريقه، بما يعكس انتقال القضية من مرحلة تثبيت المواقف وكسب الاعترافات الدبلوماسية إلى مرحلة البحث عن الشروط السياسية والمؤسساتية والعملية الكفيلة بترجمة هذا التحول إلى واقع ملموس. فالتحدي المطروح اليوم لا يتمثل فقط في توسيع دائرة الدول الداعمة للمبادرة، وإنما في تحويل هذا الرصيد الدولي إلى مسار سياسي واضح، يفضي إلى تفعيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الحل الذي يطرحه المغرب لإنهاء هذا النزاع الإقليمي المفتعل.

ومن جهة أخرى، تبرز أهمية التطورات الأخيرة في كونها أعادت طرح سؤال جدوى المنهجية التقليدية التي حكمت تدبير الملف على المستوى الأممي. فقد ظلت الاجتماعات السنوية لمجلس الأمن، والإحاطات الدورية للمبعوث الشخصي للأمين العام، والتقارير السنوية للأمم المتحدة، محطات متكررة لإعادة مناقشة النزاع دون تحقيق تقدم حاسم نحو التسوية. كما كانت هذه الاستحقاقات تشكل مصدر ضغط دبلوماسي متجدد، أشبه بسيف مسلط عليه مع حلول موعد كل اجتماع سنوي، بما يرافقه من ترقب للمواقف والتوصيات والسيناريوهات المحتملة.

ولذلك، فإن الدعوة إلى القطع مع هذه المنهجية لا تعني مجرد تغيير في آليات الاشتغال أو في طبيعة الاجتماعات الأممية، بل تعبر عن الرغبة في الانتقال من منطق تدبير النزاع واستدامة آلياته إلى منطق التغيير من خلال البحث عن تسوية سياسية قابلة للتنفيذ. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من وجود بعثة المينورسو، وعقود من الإحاطات والتقارير والمفاوضات المتعثرة، أصبح من المشروع إعادة تقييم فعالية المقاربة المعتمدة، والبحث عن أفق سياسي جديد لا يجعل من استمرار النزاع غاية في حد ذاته.

وفي هذا الإطار، شكل عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو، عقب فشل مجلس الأمن في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي يوم 30 أكتوبر 2026، تطورا غير مسبوق في مسار تدبير الملف. فقد حصل المشروع الأمريكي على أحد عشر صوتا مؤيدا، لكنه لم يعتمد بسبب الفيتو الروسي، فيما لم يحصل المشروع الروسي على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده. وتقتضي الدقة التمييز بين انتهاء الولاية وعدم تجديدها وبين صدور قرار أممي صريح بحل البعثة أو إنهاء مهام المبعوث الشخصي والتقارير الأممية؛ لكن هذا التطور يفتح، في جميع الأحوال، نقاشا جديا حول مستقبل آليات التدبير الأممي، وحول ضرورة تجاوز المقاربة التي ظلت قائمة لعقود دون أن تقود إلى تسوية نهائية.

ويكتسي الموقف الأمريكي أهمية خاصة في هذه الدينامية، بالنظر إلى وضوحه واستمراريته، منذ اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020، وتجديد تأكيدها دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم لهذا النزاع. ولم يعد هذا الموقف مقتصرا على التصريحات السياسية والدبلوماسية، بل اتجه نحو ترجمة أبعاده إلى مبادرات اقتصادية وتجارية. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية تشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار وممارسة أنشطتها التجارية في مختلف أنحاء المغرب، بما فيها الأقاليم الجنوبية للمملكة، كما جرى التأكيد على فرص التعاون في قطاعات من قبيل الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والسياحة والفلاحة.

ويعكس هذا التوجه انتقال الموقف الأمريكي من مستوى الاعتراف السياسي والدعم الدبلوماسي إلى مستوى الدبلوماسية الاقتصادية والتجارية، بما يربط الموقف السياسي بمصالح استثمارية وتنموية ملموسة. ومن شأن هذا التوجه، إذا ما جرى تفعيله وتوسيع نطاقه، أن يعزز جاذبية الأقاليم الجنوبية، ويشجع انخراط الفاعلين الاقتصاديين الدوليين في مشاريعها، ويكرس حضورها ضمن فضاء الشراكة الاقتصادية بين المغرب والولايات المتحدة. وهنا تكمن أهمية الموقف الأمريكي الثابت: ليس فقط في ما يعلنه من دعم سياسي، بل أيضا في ما يمكن أن يترتب عنه من مبادرات عملية تعزز التنمية والاستثمار والتعاون التجاري.

وفي المقابل، يمتلك المغرب رصيدا ميدانيا وتنمويا ومؤسساتيا مهما في أقاليمه الجنوبية، راكمه من خلال مشاريع البنية التحتية والاستثمار والتنمية الاجتماعية وتعزيز حضور المؤسسات المنتخبة. لكن الرهان في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على إبراز هذه المنجزات، بل يتعين أن يتجه نحو تحويلها إلى قاعدة عملية لبناء نموذج متقدم للحكم الذاتي، يضمن المشاركة السياسية الفعلية، والتدبير المحلي المسؤول، والعدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، ويستجيب لتطلعات الساكنة في إطار الوحدة الوطنية.

فمبادرة الحكم الذاتي لم تعد، في سياق التحولات الراهنة، مجرد مقترح دبلوماسي يقدم في المحافل الدولية، بل أصبحت تطرح باعتبارها مشروعا سياسيا ومؤسساتيا وتنمويا يتطلب إعداد تصور متكامل لمضامينه وآليات تنزيله وضمانات تفعيله.

وبناء على ذلك، فإن الانتقال إلى مرحلة التفعيل العملي يقتضي توضيح الاختصاصات، وتحديد مستويات المسؤولية، وتعزيز الديمقراطية المحلية، وضمان المشاركة الواسعة في تدبير الشأن العام، بما يجعل الحكم الذاتي إطارا قادرا على استيعاب الخصوصيات المحلية وتحقيق التنمية في ظل السيادة المغربية.

كما ينبغي أن يظل هذا المسار مفتوحا على أفق المصالحة ولم الشمل، بما يتيح للمحتجزين في مخيمات تندوف فرصة الانخراط في دينامية سياسية وتنموية تنهي حالة الانتظار والجمود، وتفتح أمامهم آفاق المشاركة في بناء مستقبل مشترك، ذلك أن نجاح أي تسوية لا يقاس فقط بمدى قبولها في المحافل الدولية، وإنما أيضا بقدرتها على توفير شروط الاستقرار والكرامة والمشاركة والتنمية، وتجاوز الآثار الإنسانية والاجتماعية التي خلفها استمرار هذا النزاع.

لكن المكاسب الدبلوماسية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تحقق أهدافها الاستراتيجية بمعزل عن تحصين الجبهة الداخلية. فالمعركة لا تتوقف عند كسب التأييد الدولي للموقف المغربي، بل تمتد إلى بناء نموذج سياسي ومؤسساتي وتنموي قادر على تعزيز الثقة في المؤسسات وإقناع المواطنين بجدوى المشروع الوطني. وهذا يقتضي إطلاق إصلاحات سياسية ومؤسساتية جريئة، وتخليق الحياة العامة، ومحاربة الفساد واقتصاد الريع، وتعزيز ربط المسؤولية بالانجاز وبالمحاسبة، وتوسيع المشاركة السياسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

إن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق الاحتفاء بالمكاسب الدبلوماسية إلى منطق استثمارها في بناء الثقة وتعزيز جاذبية النموذج المغربي. فتنقية المناخ السياسي، وتجويد أداء المؤسسات، وتحسين شروط العيش، وتوفير فرص الشغل والاستثمار، ليست مطالب داخلية منفصلة عن قضية الصحراء، بل تشكل عناصر أساسية في تقوية الموقف الوطني ومنح مبادرة الحكم الذاتي مضمونها الديمقراطي والتنموي والمؤسساتي. كما أن بناء نموذج ناجح في الأقاليم الجنوبية من شأنه أن يعزز جاذبية هذا المشروع لدى الصحراويين في مخيمات تندوف، ويقدم للمجتمع الدولي صورة عملية عن إمكانات التسوية وآفاقها.

إن إنهاء هذا النزاع الذي طال أمده لأكثر من نصف قرن لا يحتاج إلى المكاسب الدبلوماسية وحدها، بل إلى مشروع وطني متكامل يجعل من الوحدة الترابية رافعة للديمقراطية والتنمية والاندماج المغاربي.

ومن هذا المنطلق، فإن المغرب يقف أمام مسؤولية مزدوجة: مواصلة تعزيز موقعه الدبلوماسي، والعمل في الوقت نفسه على توفير الشروط السياسية والمؤسساتية والتنموية الكفيلة بإنجاح التفعيل العملي لمبادرة الحكم الذاتي، وذلك لأن المصداقية الدولية تكتسب قوتها واستدامتها من قوة المؤسسات، ونجاعة السياسات العمومية، وثقة المواطنين في مشروعهم الوطني.

المصدر: مصطفى عنترة

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز