تعاقب المندوبون على منصة مجلس الأمن، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، في جلسة لم يكن التصويت خلالها مجرد إجراء تقني لتجديد ولاية بعثة أممية، بل محطة مفصلية تتعلق بمستقبل بعثة ظلت حاضرة في ملف الصحراء على مدى خمسة وثلاثين عاماً. فقد سقط مشروع القرار الأمريكي بفعل الفيتو الروسي، رغم حصوله على تأييد أحد عشر عضواً، قبل أن يفشل المشروع الروسي البديل في الحصول على الحد الأدنى من الأصوات اللازمة لاعتماده. وهكذا انتهت الجلسة دون صدور أي قرار، بالتزامن مع اقتراب موعد انتهاء ولاية بعثة “المينورسو” في اليوم الموالي، 31 أكتوبر وهو تطور استثنائي في قضية اعتاد مجلس الأمن التعامل معها من خلال تجديد ولاية البعثة بصورة سنوية.
لكن ما الذي يعنيه هذا التطور بالنسبة إلى مستقبل البعثة؟ وكيف تعاملت الأطراف المعنية مع نتائج التصويت؟ وهل نحن أمام نهاية مرحلة سياسية كاملة، أم مجرد تعثر مؤقت في تدبير الملف الأممي؟
تنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن عجز مجلس الأمن عن التوصل إلى قرار جديد لا يعني بالضرورة توقف المسار السياسي، بل قد يسرع انتقال مركز الثقل في معالجة النزاع من المرجعية التقليدية للاستفتاء إلى مفاوضات ترتكز على مبادرة الحكم الذاتي. غير أن نجاح هذا التحول يظل مرتبطاً بضرورة معالجة التداعيات القانونية والأمنية التي قد تترتب عن انتهاء ولاية البعثة.
من الاستفتاء إلى الحكم الذاتي
تعود بداية مهمة “المينورسو” إلى القرار 690 الصادر سنة 1991، الذي وضع إطاراً لمراقبة وقف إطلاق النار والتحضير لتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء. غير أن هذا الاستفتاء لم ير النور، بعدما اصطدمت العملية بصعوبات متواصلة، خصوصاً ما يتعلق بتحديد هوية الناخبين المؤهلين للمشاركة فيه.
وفي ظل هذا التعثر، قدم المغرب سنة 2007 مبادرته للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهي المبادرة التي أخذت، مع مرور السنوات تكتسب موقعاً متقدماً في التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالنزاع. وبالتوازي مع ذلك، استمرت قرارات مجلس الأمن الخاصة بتجديد ولاية البعثة في التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم ومقبول من الأطراف. وقد جرت صياغة هذه القرارات في إطار مشاورات مجموعة الأصدقاء”، مع تسجيل امتناع روسيا عن التصويت على قرارات التجديد منذ سنة 2018، ثم امتناع الصين سنة 2025. ولم يقتصر التحول على مستوى الخطاب الأممي، بل رافقته مواقف دولية داعمة للمبادرة المغربية، من بينها اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء سنة 2020، والموقف الفرنسي سنة 2024، ثم الموقف البريطاني سنة 2025.
وفي هذا السياق، جاء القرار 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، بأحد عشر صوتاً مؤيداً، مقابل امتناع الصين وباكستان وروسيا، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت. وقد شكل القرار محطة مهمة في تطور المرجعية السياسية للنزاع، بعدما دعا إلى مفاوضات تتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً، واعتبر أن حكماً ذاتياً حقيقياً قد يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق”، مع الإبقاء على الإحالة إلى حل يضمن تقرير المصير لسكان الصحراء. كما مدد ولاية بعثة “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026.
ولم تبق هذه التحولات حبيسة القرارات الأممية، إذ شهد شهر فبراير 2026 تحركاً دبلوماسياً أمريكياً تمثل في احتضان مدريد، ثم واشنطن يومي 23 و24 فبراير، جولتين من المفاوضات شاركت فيهما وفود المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو”. وحضر اللقاءات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان “دي ميستورا”، والمندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة “مايك والتز” ومستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية “مسعد بولس”. وقد مثل هذا اللقاء أول اجتماع حضوري يجمع الأطراف الأربعة منذ سنة 2019، وإن لم تعلن عنه نتائج ملموسة.
تفاصيل التصويت والمشروعان المتنافسان
حملت مسودة مشروع القرار الأمريكي (5/2026/868) مجموعة من المقترحات التي تتجاوز مجرد تمديد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2027 فقد تضمنت تغيير اسم البعثة إلى “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء” (MINUSO)، من خلال حذف كلمة “الاستفتاء” من تسميتها، إلى جانب مطالبة الأمين العام بتقديم مقترحات بشأن إعادة هيكلتها، وتقليص مكونها العسكري، وتجميع مواقع انتشارها.
وجعل المشروع، على المستوى السياسي، مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد لمواصلة المفاوضات، مع الإشارة إلى تقرير المصير، كما دعا إلى إحصاء اللاجئين الموجودين في المخيمات.
وحصل المشروع الأمريكي على تأييد أحد عشر عضواً، من بينهم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، في مقابل صوت معارض واحد هو الفيتو الروسي، وثلاث دول امتنعت؛ وهي الصين وباكستان والصومال.
في المقابل، جاء المشروع الروسي (5/2026/870) بصيغة مختلفة تماماً؛ إذ اقترح تمديداً تقنياً لولاية البعثة لمدة سنة، دون إدخال تغييرات على اسمها أو هيكلها، ودون الإشارة إلى مبادرة الحكم الذاتي. غير أن المشروع لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، هي أصوات روسيا والصين والصومال، مقابل معارضة أمريكية وامتناع أحد عشر عضواً، ما أدى إلى سقوطه لعدم بلوغه عتبة الأصوات التسعة المطلوبة، وإن وصفت بعض الوكالات هذا التطور بأنه فيتو أمريكي.
وتعكس هذه النتائج حجم الانقسام داخل مجلس الأمن، لكنها تكشف، في الوقت نفسه، عن محدودية التأييد الذي حظي به الطرح الروسي. فثلاثة أصوات لم تكن كافية لتمرير مشروعه، بينما حصد المشروع الأمريكي أغلبية واسعة، لم تمنعها من الاعتماد سوى معارضة عضو دائم واحد.
أما المواقف التي أعقبت التصويت، فقد عكست تبايناً واضحاً في قراءة ما حدث. فالصين بررت امتناعها بعدم كفاية المشاورات، وحذرت من تحويل ولاية البعثة إلى وسيلة للضغط السياسي. وأعربت بريطانيا عن خيبة أمل كبيرة” إزاء الفيتو الروسي، في حين وصفت موسكو مشروعها بأنه الفرصة الأخيرة” لتمديد ولاية البعثة.
ومن جهته، أشار “مايك والتز” إلى أن مسؤولي الأمم المتحدة يكررون عليهم هذا الواقع منذ ثلاثين عاماً، في إشارة إلى تعذر تنظيم الاستفتاء بصيغته التقليدية. أما المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، “فاسيلي نيبينزيا”، فقد شدد على أن مجلس الأمن لا يملك صلاحية الحسم المسبق في قضايا تتصل بالسيادة.
مصير البعثة فراغ قانوني ومرحلة انتقالية
يضع غياب قرار جديد بعثة “المينورسو” أمام وضع قانوني غير مسبوق؛ فبانتهاء ولايتها في 31 أكتوبر 2026، يفقد وجودها الأساس القانوني الذي كان يسمح لها بمواصلة مهامها وفق التفويض السابق. ويطرح ذلك تساؤلات جدية حول مستقبل مراقبة وقف إطلاق النار والأنشطة المرتبطة بإزالة الألغام، وآليات التواصل الميداني. ومع ذلك، فإن انتهاء ولاية البعثة لا يعني بالضرورة، توقف المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.
وتضم البعثة نحو 155 فرداً عسكرياً، فيما بلغت ميزانيتها للسنة المالية التي بدأت في يونيو 2026 حوالي 62 مليون دولار، وفقاً لما أوردته وكالة “أسوشيتد برس” نقلاً عن تقرير للأمين العام للأمم المتحدة.
ردود فعل الأطراف الرئيسية
المغرب: يمكن قراءة الموقف المغربي، كما عكسه بيان الديوان الملكي، باعتباره تعبيراً عن تصور استراتيجي لمرحلة ما بعد “المينورسو”. حيث رحب بعدم تجديد ولاية “المينورسو”، واعتبر ذلك خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه إغلاق هذا الملف نهائياً داخل الأمم المتحدة. وأكد أن صفحة دامت 35 سنة قد طوي، وأن وجود البعثة بأفرادها وآلياتها ورموزها ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة، مع التشديد على التزام المغرب الراسخ بوقف إطلاق النار. كما اعتبر أن المسار الأممي بلغ نهايته بفعل مماطلة الأطراف الأخرى، وأن عدم التجديد يضع حداً لإحالة الملف إلى مجلس الأمن، مثلما ينهى الإحاطات التي كان يقدمها المبعوث الشخصي للأمين العام. وهي قراءة تعكس انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة في تعامله مع القضية عنوانها تثبيت المكاسب السياسية والدبلوماسية وتعزيز حضور مبادرة الحكم الذاتي.
الجزائر: اعتبرت أن ما حدث يمثل إخفاقاً لمجلس الأمن، وأكد مندوبها أن اللاجئين الصحراويين ما زالوا محرومين من حقهم في تقرير المصير، مشدداً على أن جبهة البوليساريو” هي الممثل الشرعي لهم.
ويكشف هذا الموقف عن تمسك الجزائر بالمرجعية التقليدية التي استند إليها الملف منذ بداية التسعينيات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية للانتقال إلى مقاربة تفاوضية جديدة. كما أن غياب الجزائر عن التصويت سنة 2025، ثم دفاعها عن مرجعية تقرير المصير في هذه المرحلة، يطرح أسئلة حول قدرتها على تحويل موقفها السياسي إلى توافق داخل مجلس الأمن، خاصة في ظل تراجع التأييد للمشروع الروسي.
جبهة “البوليساريو”: رحب ممثلها لدى الأمم المتحدة باستخدام روسيا حق النقض، معتبراً أن المشروع الأمريكي يتعارض مع حق تقرير المصير. غير أن الجبهة تجد نفسها أمام تحديات متزايدة، بالنظر إلى التحولات التي عرفتها المرجعية الدولية للنزاع، وتراجع فرص العودة إلى مسار الاستفتاء بصيغته القديمة. ويزداد هذا الوضع تعقيداً مع مشاركة الجبهة في المفاوضات التي احتضنتها الولايات المتحدة، وهو ما يجعل خيار المقاطعة محفوفاً بالكلفة السياسية. فبين التمسك بخطابها التقليدي والانخراط في مسار تفاوضي يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي، تجد الجبهة نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع المعطيات الجديدة.
القوى الكبرى: أما مواقف القوى الكبرى، فتتوزع بين اعتبارات سياسية وأمنية مختلفة. فالولايات المتحدة تعتبر أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولاً، وتدفع نحو تقليص وجود البعثة بصورة منظمة. وترى فرنسا أن “المينورسو” تؤدي دوراً في بناء الثقة بين الأطراف، وأن إنهاء مهمتها بصورة مفاجئة قد ينعكس سلباً على المسار السياسي. أما الصين فتدعو إلى تسوية سياسية لا تفرض مسبقاً نتيجة محددة.
المسارات المحتملة
في ضوء هذه التطورات، يمكن استشراف أربع مسارات رئيسية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة:
أولاً: تعزيز مسار الحكم الذاتي
يستند هذا الاحتمال إلى التحولات التي كرسها القرار 2797، وإلى المفاوضات التي احتضنتها مدريد وواشنطن. فسقوط مشروع القرار الأمريكي لا يلغي المرجعية السياسية التي أقرها القرار السابق، ولا يمحو التحولات الدبلوماسية التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة. وإذا استمرت المفاوضات بين الأطراف، فقد تتجه نحو بلورة تصور أكثر تفصيلاً لمبادرة الحكم الذاتي، بما يسمح بالانتقال من مستوى المبادئ العامة إلى مناقشة آليات التنفيذ والمؤسسات والاختصاصات والضمانات. وعندئذ قد يتحول الدعم الدولي للمبادرة من مجرد موقف سياسي إلى عنصر مؤثر في تحديد جدول أعمال المفاوضات ومالاتها.
ثانياً: فراغ أمني واحتمال التصعيد المحدود
يمثل غياب المراقبين الأمميين أحد أبرز التحديات التي قد تواجه المنطقة. فمن دون وجود آلية ميدانية لمراقبة التطورات، قد تتزايد احتمالات الحوادث وسوء التقدير، خصوصاً في المناطق الحساسة والمنطقة العازلة والممرات الحدودية. غير أن أي تصعيد من هذا النوع سيواجه بطبيعة الحال، بتصدي المغرب الرافض للمساس بأمن الأقاليم الجنوبية واستقرارها.
ثالثاً: البحث عن صيغة أممية جديدة
لا يستبعد أن يقود تعثر مجلس الأمن إلى البحث عن آلية أممية بديلة، سواء من خلال إنشاء مهمة سياسية محدودة، أو إعادة إحياء “المينورسو” بصيغة جديدة عبر قرار توافقي لاحق. وقد تكون الصيغة الجديدة أقل ارتباطاً بالمهام العسكرية التقليدية، وأكثر تركيزاً على مواكبة المسار السياسي وتيسير التواصل وتقديم الدعم اللازم للجهود الدبلوماسية.
رابعاً: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية
من شأن التطورات الأخيرة أن تعيد رسم مواقف القوى المؤثرة في النزاع، مع بروز تقارب أمريكي مغربي لدفع مسار الحكم الذاتي مقابل تمسك موسكو والجزائر بالمرجعية الأممية التقليدية. غير أن المشهد يظل مفتوحاً على تأثير قوى أخرى، من بينها الصين وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي.
نهاية الاستفتاء أم بداية مرحلة تفاوضية جديدة؟
تبدو فرص العودة إلى الاستفتاء بصيغته التقليدية محدودة للغاية، في ظل التحولات التي عرفتها مواقف مجلس الأمن. وأمام هذا الواقع، تجد الجزائر وجبهة البوليساريو نفسيهما أمام خيارين الانخراط في مفاوضات جادة بشأن مضمون الحكم الذاتي وآليات تطبيقه، أو الاستمرار في الرفض والمقاطعة، بما قد يتيح للآخرين رسم معالم المرحلة المقبلة. ومع ذلك، لا يمكن اختزال مستقبل القضية في نتيجة تصويت واحد؛ فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل التحولات الدبلوماسية إلى مسار تفاوضي مستدام يضمن الاستقرار وينهي عقوداً من الجمود. وهو ما يقتضي ترتيباً انتقالياً واضحاً لمستقبل البعثة، ومواصلة المفاوضات وفق المرجعية التي أقرها القرار 2797.
المصدر: عبد الله اوباري