حين أسقط الفيتو حارسه .. المينورسو ومفارقات ليلة 30 أكتوبر
تابعت جلسة مجلس الأمن مساء الجمعة 30 أكتوبر من هولندا، كما تابعها آلاف المغاربة في المهجر، بقلب مشدود إلى الوطن وعين على شاشة نيويورك. ولم أكن أتوقع، وأنا الذي اعتدت قراءة المؤسسات الدولية بعين الباحث الهادئة، أن تحمل ليلة واحدة كل هذا القدر من المفارقات.
ففي السياسة الدولية، لا تأتي النتائج دائما على قدر النوايا. والأداة التي رفعت لحماية بعثة المينورسو كانت هي نفسها التي أنهت ولايتها. خمسة وثلاثون عاما من التجديد شبه الروتيني انقطعت في جلسة واحدة، لا بيد خصوم البعثة، بل بتصادم إرادتين كبيرتين لم تتفقا إلا على شيء واحد: أن تستمر البعثة سنة أخرى. وهي مفارقات تستحق قراءة هادئة من موقع مغربي، يرى في ما جرى تحولا لصالح الحق المغربي، لا مجرد عطب إجرائي في آلة الأمم المتحدة.
نصّان وفيتوان
عرض على المجلس نصان متنافسان. الأول أمريكي، يمدد الولاية إلى 31 أكتوبر 2027، ويغير اسم البعثة ابتداء من فاتح نونبر إلى “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء”، بحذف حرف الاستفتاء من اسمها. كما يجعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساس المفاوضات، ويطلب من الأمين العام تصورا لإعادة هيكلة البعثة قبل 30 يناير 2027.
نال النص الأمريكي تأييد أحد عشر عضوا، وامتنع ثلاثة، فأسقطه الفيتو الروسي. ثم عرض النص الروسي، وهو تمديد بسيط لسنة دون أي تغيير، فلم يحصل إلا على ثلاثة أصوات: روسيا والصين والصومال، مقابل امتناع أحد عشر عضوا ومعارضة واشنطن.
وهنا ملاحظة تقنية تغيب عن كثير من التعليقات: النص الروسي لم يكن ليمر حتى لو امتنعت واشنطن، لأنه لم يبلغ نصاب الأصوات التسعة. فالسقوط الحقيقي كان سقوط عزلة، قبل أن يكون سقوط فيتو.
المفارقة الأولى: حارسٌ أسقط ما يحرسه
برّرت موسكو الفيتو برغبتها في منع “مقاربة أحادية”، وأكد مندوبها دعم بلاده لعمل البعثة. بل وصف الفيتو الأمريكي المضاد بأنه “قتل سياسي للبعثة”. غير أن الحصيلة العملية جاءت عكس المقصد تماما: لولا الفيتو الروسي لكانت البعثة اليوم ممددة إلى أكتوبر 2027، ولو باسم جديد ومهام معدّلة.
لقد أرادت روسيا الدفاع عن الوضع القائم، فوضعته أمام أكبر اختبار منذ تأسيس البعثة سنة 1991. وفي التاريخ الأممي سابقة تُذكر بذلك: بعثة المراقبين في جورجيا انتهت سنة 2009 بفيتو روسي أيضا. وها هي موسكو اليوم تنهي، من حيث لا تريد، بعثة أخرى طالما قدّمت على أنها آخر حصون أطروحة الانفصال.
المفارقة الثانية: من تمسّك بالبعثة احتفل بنهايتها
طوال الأسابيع الماضية، رفعت جبهة البوليساريو شعار الدفاع عن المينورسو، وهددت بالانسحاب من المسار الأممي إن اعتُمد النص الأمريكي. ثم خرج منسقها مع البعثة بعد التصويت معبّرا عن “ارتياحه” لسقوط المشروع الأمريكي، وشاكرا موسكو ومن امتنع عن التصويت.
لكن الارتياح لسقوط نص ليس انتصارا لأي نص. فالجبهة لم تحصل على تمديد، ولم تحصل على أغلبية، ولم تحصل على مرجعية جديدة. كل ما حصلت عليه هو تأكيد عزلتها: أحد عشر عضوا مع الرؤية المغربية، وثلاثة فقط مع الإبقاء على الوضع القائم. وحين يكون أقصى ما تحققه قضيةٌ هو تعطيل قرار لا يخدمها، فذلك علامة على أنها فقدت القدرة على صناعة البديل.
أما حرف “الاستفتاء” الذي جرى التمسك به حتى آخر لحظة، فقد شهد على تعذره كبار من أداروا الملف أمميا. ففي سنة 2002 خلص الأمين العام الأسبق كوفي عنان ومبعوثه جيمس بيكر إلى أن تطبيق خطة التسوية الأصلية “غير مرجح إلى حد بعيد”، وعرضا على المجلس خيار إنهاء البعثة. وفي سنة 2005 قال إريك جنسن، الذي أدار البعثة خمس سنوات، إن الاستفتاء فشل ولن يحدث. فمن يتمسك اليوم بحرف في اسم البعثة، إنما يتمسك بخيار شهد أهل البيت الأممي أنفسهم على استحالته.
المغرب: من تدبير النزاع إلى طيّ الملف
في مشهد ارتبك فيه الجميع، كان المغرب الطرف الوحيد الذي قرأ اللحظة بسرعة ووضوح. فلم تمض ساعات على التصويت حتى صدر بلاغ الديوان الملكي، معتبرا عدم التمديد “خطوة ذات دلالة كبرى” نحو الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، ومؤكدا أن صفحة دامت خمسا وثلاثين سنة قد طويت.
وهذه القراءة ليست رد فعل ظرفيا، بل ثمرة مسار دبلوماسي طويل يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله. فالقرار 2797 الصادر في أكتوبر 2025 جعل مبادرة الحكم الذاتي أساس التفاوض، وكما ذكّر بلاغ الديوان الملكي، فإن أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ومنها أعضاء دائمون في مجلس الأمن، يدعمونها اليوم إطارا للحل. ولم يأت الفيتو الروسي ليلغي هذا الإطار؛ فالقرار 2797 يبقى المرجعية القائمة إلى أن يصدر ما يخالفه، وهو ما لا يبدو ممكنا في ميزان الأصوات الحالي.
والأهم أن البلاغ جمع بين الحزم والمسؤولية: حزم في اعتبار وجود البعثة منتهيا بانتهاء ولايتها، ومسؤولية في التأكيد على التمسك بوقف إطلاق النار. وهي رسالة تقول للعالم إن المغرب لا يبحث عن فراغ، بل عن حل؛ وإن طيّ صفحة المينورسو لا يعني فتح صفحة توتر.
وقد يقول قائل إن واشنطن، الحليف الأقرب للرباط في هذا الملف، كانت تريد استمرار البعثة باسم جديد، بينما يرحب المغرب اليوم بانتهائها. والحقيقة أنه لا تناقض في ذلك؛ فالنص الأمريكي نفسه كان يربط مستقبل البعثة بخدمة الحل على أساس الحكم الذاتي، أي بنهاية وظيفتها القديمة. والمغرب لم يغير هدفه، بل قرأ المعطى الجديد بذكاء: إذا كانت بعثة الاستفتاء قد انتهت بفعل من دافع عنها، فلا معنى لإحيائها بصيغة تعيد الملف إلى نقطة الصفر.
ما بعد الليلة: ثلاثة امتحانات
وفي تقديري، تنتظر المرحلة المقبلة ثلاثة امتحانات متداخلة. الامتحان الأول قانوني. فانتهاء الولاية يعني أن البعثة لم يعد لها أساس للعمل، لكن شطب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن يحتاج إلى قرار إجرائي، وقد يحاول بعض الأعضاء طرح نص توافقي جديد. وتبقى الإشارة واضحة: أي نص لا يحظى بدعم الأغلبية التي وقفت مع الرؤية المغربية سيكون مصيره مصير النص الروسي.
الامتحان الثاني ميداني. فقد ظلت البعثة، على محدودية دورها، شاهدا على خط وقف إطلاق النار. وقد اعترف المندوب الأمريكي بأنها تقضي نحو 80 في المائة من وقتها في تموين نفسها، وأن دورياتها شرق الجدار مقيدة. ومع ذلك، فإن غيابها يضع مسؤولية مضاعفة على من يلوّح بالسلاح منذ نونبر 2020، لا على من التزم بوقف إطلاق النار وجدد التزامه به.
الامتحان الثالث سياسي، وهو الأهم. فالبوليساريو أمام خيار حاسم: إما أن تواصل الرهان على التعطيل، فتخسر ما تبقى لها من هامش التأثير، وإما أن تنخرط بجدية في التفاوض على أساس الحكم الذاتي، فتشارك في صياغة ضماناته وتفاصيله. أما الجزائر، فقد آن لها أن تخرج من خطاب “البلد الملاحظ” وتتحمل مسؤوليتها طرفا فعليا في نزاع تحتضن أحد أطرافه وتدافع عنه في مجلس الأمن. أما اليد المغربية الممدودة للحوار، التي جدّد جلالة الملك محمد السادس نصره الله الدعوة إليها، فما تزال مفتوحة.
خاتمة: حين يتكلم التاريخ بلغة المفارقة
أرادت روسيا إنقاذ البعثة فأنهت ولايتها، وأرادت البوليساريو حمايتها فخسرتها، ووقفت أغلبية المجلس مع الرؤية المغربية فعطّلها صوت واحد، فيما لم يجد النص المقابل سوى ثلاثة أصوات، فسقط بعزلته قبل أن يسقط بأي فيتو. لكن المغرب، الذي لم يكن له حق التصويت في القاعة، خرج من الليلة بأوضح موقف وأهدأ قراءة.
ونحن مغاربة العالم، الذين نعيش القضية الوطنية من بعيد ونحملها في الوجدان قريبا، نعرف أن الحقوق لا تحسم بجلسة ولا تسقط بفيتو. وما جرى ليلة الثلاثين من أكتوبر ليس نهاية المسار، بل نهاية مرحلة جرب فيها الوضع القائم خمسا وثلاثين سنة فلم ينتج حلا. والمرحلة المقبلة لن تدار بحرف “الاستفتاء”، بل بمبادرة واقعية تحت السيادة المغربية. ومن أراد أن يكون جزءا من الحل، فطريقه يمر عبر طاولة الحكم الذاتي، لا عبر انتظار فيتو جديد.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
-باحث أكاديمي في قضايا الهجرة والهوية والأخلاق الطبية والتدين والتعليم، هولندا – المدير الوطني للتعليم التكويني الإسلامي في المدارس العمومية الهولندية.
المصدر: حسن بويزدوزان