تستعد الشركات الجهوية متعددة الخدمات لتعبئة استثمارات ضخمة بقيمة 134,44 مليار درهم، أي أزيد من 13 ألف مليار سنتيم، خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030، في إطار برنامج يروم تأمين التزود بالماء الصالح للشرب والكهرباء وتحديث شبكات التوزيع وتوسيع خدمات التطهير السائل، وسط تحديات متزايدة مرتبطة بالإجهاد المائي وتقليص الهدر وتحسين جودة الخدمات العمومية على مستوى جهات المملكة.
وكشف التقرير حول المؤسسات والمقاولات العمومية، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، أن الشركات الجهوية الاثنتي عشرة ستتصدر قائمة الفاعلين العموميين من حيث الاستثمارات المبرمجة خلال السنة المقبلة، بغلاف مالي يناهز 39,6 مليارات درهم، متقدمة على مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط والمكتب الوطني للسكك الحديدية؛ في تحول يعكس تنامي الوزن الاستثماري لقطاع توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل.
وأظهرت المعطيات الرسمية أن الاستثمارات المرتقبة لهذه الشركات ستسجل ارتفاعا ملحوظا، بعدما بلغت 9,18 مليار درهم خلال سنة 2025، مقابل نحو 24,9 مليارات درهم متوقعة بنهاية السنة الجارية، على أن تصل إلى ذروتها سنة 2027، قبل تراجعها إلى 32,2 مليار درهم سنة 2028، ثم 21,68 مليار درهم سنة 2029، وفق البرمجة الاستثمارية المعتمدة.
ويأتي هذا التوسع الاستثماري عقب استكمال تنزيل منظومة الشركات الجهوية متعددة الخدمات، التي دخلت جميعها حيز التشغيل الفعلي بحلول نهاية سنة 2025، بعد نقل أنشطة التوزيع التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب إليها في فاتح نونبر من السنة ذاتها، في إطار إصلاح مؤسساتي يهدف إلى توحيد تدبير هذه المرافق العمومية وتحسين نجاعتها على المستوى الترابي.
تحديات المردودية وتقليص الهدر
وضعت المؤشرات التقنية المسجلة في شبكات توزيع الماء والكهرباء الشركات الجهوية متعددة الخدمات أمام تحديات تحسين المردودية، بعدما أظهرت المعطيات الواردة في التقرير أن متوسط مردودية شبكات الماء الصالح للشرب استقر عند 68,49 في المائة، مقابل 85,34 في المائة بالنسبة إلى شبكات الكهرباء، مع تسجيل تفاوتات في مستويات الأداء بين الجهات.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الرهانات المرتبطة بتقليص الفاقد داخل شبكات التوزيع، خصوصا في قطاع الماء، الذي يسجل فارقا يتجاوز 31 نقطة مئوية بين الكميات الموضوعة في الشبكات والكميات المحتسبة ضمن مردوديتها؛ ما يجعل تحديث التجهيزات وتحسين عمليات المراقبة والصيانة من الأولويات المطروحة أمام الشركات الجديدة.
ويرتكز البرنامج الاستثماري على تأمين إمدادات الماء الصالح للشرب وتقوية شبكات توزيع الكهرباء والماء وتحديثها وتطوير البنيات التحتية للتطهير السائل، إلى جانب إنجاز التجهيزات الضرورية لمواكبة المشاريع الكبرى، بما يتيح تسريع عمليات الربط وتحسين جودة الخدمات المقدمة للأسر والمقاولات.
ويكتسي هذا البرنامج أهمية خاصة في سياق الضغوط المتزايدة على الموارد المائية. وينتظر أن تساهم الشركات الجهوية، إلى جانب وكالات الأحواض المائية والمكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، في تنفيذ مشاريع تروم تعزيز الأمن المائي وتقليص آثار الإجهاد الذي تواجهه مناطق واسعة من المملكة.
وتشمل الأهداف الوطنية المشتركة لهذه المؤسسات رفع القدرات الإنتاجية لتحلية مياه البحر إلى أكثر من 1,8 مليارات متر مكعب سنويا في أفق 2031، وتعزيز إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتوسيع السقي الموضعي، فضلا عن تعبئة حوالي 1,2 مليار متر مكعب سنويا عبر مشاريع الربط بين الأحواض المائية.
وشدد التقرير على ضرورة مواكبة هذه الاستثمارات بإجراءات لتحسين تدبير الطلب على المياه، والمحافظة على الفرشات المائية الجوفية، والحد من الهدر، مع توجيه التدخلات حسب درجة الهشاشة المائية للمجالات الترابية وأولويات الاستعمال، بما يضمن نجاعة أكبر في توظيف الموارد المالية والتجهيزات الجديدة.
توسع الاختصاصات وضغوط إعادة الهيكلة
تزامن إطلاق البرنامج الاستثماري مع انتقال مسؤولية تدبير توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل إلى الشركات الجهوية، بموجب الإصلاح المنصوص عليه في القانون رقم 83.21، الذي يستهدف تجاوز نموذج سابق اتسم بتعدد المتدخلين بين الوكالات المستقلة وشركات التدبير المفوض والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
وكانت أربع شركات جهوية قد دخلت حيز التشغيل خلال سنة 2024 بكل من الدار البيضاء- سطات وسوس- ماسة، ومراكش- آسفي والشرق، قبل التحاق الشركات الثماني المتبقية خلال سنة 2025؛ لتشرع الشركات الاثنتا عشرة في تقديم خدماتها على الصعيد الوطني، باستثناء المناطق التي لا تزال ضمن نطاق تدخل شركتي “ريضال” و”أمانديس”.
وسجلت الشركات الجهوية متعددة الخدمات رقم معاملات إجماليا بلغ 34,18 مليار درهم خلال سنة 2025، في وقت ينتظر أن تتوسع فيه مسؤولياتها لتشمل مواصلة تنفيذ برامج الكهربة القروية والتزويد بالماء الصالح للشرب في المناطق التي كانت تدخل سابقا ضمن اختصاصات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
وأفاد التقرير بأن الشركات الجهوية أصبحت مكلفة، ابتداء من سنة 2026، بتنفيذ مخطط عمل البرنامج الشامل لكهربة العالم القروي؛ من خلال إعداد برامج جهوية تأخذ بعين الاعتبار المشاريع القائمة، خصوصا تلك المدرجة ضمن برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
وبلغ معدل الكهربة القروية 99,91 في المائة بنهاية سنة 2025، بعدما جرى ربط 2942 أسرة قروية جديدة بالشبكة الكهربائية خلال السنة ذاتها، بما يعادل نحو 15 ألف نسمة، فيما استفادت 42 ألفا و185 قرية من الربط بالكهرباء منذ إطلاق البرنامج سنة 1996، لفائدة أكثر من 13 مليون نسمة.
وامتد التحول المؤسساتي إلى خدمات التزويد بالماء الصالح للشرب في العالم القروي، حيث بلغ عدد وحدات التدبير القروية 539 وحدة خلال سنة 2025، مقابل 536 وحدة في السنة السابقة؛ فيما استقر معدل الولوج إلى الماء الصالح للشرب بالمناطق القروية عند 98,9 في المائة.
في المقابل، أفرز نقل أنشطة التوزيع تحديات مالية وتنظيمية بالنسبة إلى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، الذي سجل خسارة صافية بقيمة 6,96 مليار درهم خلال سنة 2025، مع توقع ارتفاعها إلى 8,63 مليار درهم بنهاية السنة الجارية، في سياق إعادة تحديد تموقعه الاستراتيجي والتحضير لتحويله إلى شركة مساهمة.
وتشمل إعادة هيكلة المكتب، وفق التقرير، مراجعة نموذجه الاقتصادي والمالي بعد الانسحاب من أنشطة التوزيع، بالتوازي مع مواصلة استثماراته في إنتاج الماء والكهرباء وتعزيز شبكات النقل. ويتضمن مخطط تجهيزه للفترة 2026-2030 استثمارات بقيمة 177 مليار درهم في فرع الكهرباء و42,1 مليار درهم في فرع الماء.
وبذلك، يرتبط نجاح الإصلاح الجديد بقدرة الشركات الجهوية متعددة الخدمات على تحويل الاستثمارات المبرمجة إلى تحسينات فعلية في مردودية الشبكات وجودة الخدمات، وتقليص الفوارق بين الجهات، مع ضمان استمرارية التزويد بالماء والكهرباء، في ظل الضغوط المناخية والمالية التي تواجه قطاع المرافق العمومية بالمغرب.
المصدر: هسبريس - بدر الدين عتيقي