عدت هذا الأسبوع من موسكو، حيث قضيت نحو أسبوع في إطار مهمة إعلامية لتغطية فعاليات القمة الروسية الإفريقية. وما شد انتباهي خلال هذه الزيارة ليس فقط طبيعة النقاشات السياسية والدبلوماسية، بل مفارقة عالم يعيش على إيقاع الحروب والتهديدات العسكرية، بينما تستمر الحياة اليومية في كثير من المدن وكأن شيئاً لا يحدث.
في وسط موسكو، تبدو الحياة طبيعية؛ المقاهي والمطاعم مفتوحة، والشوارع مكتظة، والناس يمارسون أنشطتهم المعتادة. لكن خلف هذه الصورة توجد حرب مستمرة منذ سنوات على الحدود مع أوكرانيا، وتهديدات أمنية باتت تصل حتى إلى محيط العاصمة الروسية.
وقد عاينت شخصياً كيف يمكن أن تنتقل تداعيات الحرب إلى الحياة اليومية؛ فرحلتي الجوية عرفت تأخراً امتد لنحو ست ساعات، وسط اضطرابات طالت مئات الرحلات الجوية، وإجراءات احترازية مرتبطة بتهديدات الطائرات المسيّرة وإغلاق المطارات والمجالات الجوية عند الضرورة. إنها مفارقة العيش في مدينة تبدو هادئة، بينما تظل احتمالات التصعيد العسكري حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
ولعل أكثر ما يعكس خطورة المرحلة هو التصريح الذي أدلى به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من موسكو يوم 29 أكتوبر، حين أكد أن روسيا مستعدة لحرب مع أوروبا، لكنها لا تريدها، مضيفاً أن الأوروبيين الذين يتحدثون عن الاستعداد لمواجهة عسكرية مع روسيا بحلول سنة 2030 عليهم إدراك أن أي تصعيد واسع لن يكون فيه منتصرون.
هذا الكلام لم يصدر عن مسؤول عسكري أو محلل سياسي، بل عن رئيس دولة نووية تخوض حرباً منذ سنوات، ويأتي في سياق توتر متزايد بين موسكو والعواصم الأوروبية. وعندما تسمع مثل هذه التصريحات في مدينة تتجول في شوارعها بشكل طبيعي، تدرك أن مظاهر الحياة العادية لا تعني بالضرورة أن مخاطر الحرب بعيدة.
المشهد نفسه يتكرر بأشكال مختلفة في الشرق الأوسط. ففي الخليج، استمرت مظاهر الحياة في دبي والدوحة رغم التوترات والضربات العسكرية التي شهدتها المنطقة، فيما واجهت السعودية تهديدات مرتبطة بالهجمات الحوثية. وحتى خلال المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لم تتوقف الحياة بصورة شاملة في عدد من المدن الخليجية.
في المقابل، تعيد أوروبا ترتيب أولوياتها الدفاعية، بعدما فرضت الحرب الأوكرانية استنزافاً مالياً وعسكرياً كبيراً على الدول الداعمة لكييف. كما أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة غيّر قواعد الاشتباك، وجعل الحروب أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والقدرات الاستخباراتية والصناعات الدفاعية، فيما بدأت دول أوروبية تتحدث عن تخزين المؤونة والاستعداد لحالات الطوارئ وإعادة تهيئة منشآت للحماية والإيواء.
في هذا السياق الدولي المضطرب، لا يمكن قراءة التحولات التي يعرفها المغرب بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي.
فقرار مجلس الأمن الأخير، الذي استخدمت فيه روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، ثم عدم حصول المشروع الروسي البديل على الأصوات الكافية، وصولاً إلى بلاغ الديوان الملكي الذي أعلن بوضوح نهاية مرحلة من المسلسل الأممي بشأن الصحراء المغربية، كلها تطورات تضع الملف أمام منعطف استراتيجي جديد.
المغرب لم يعد يتعامل مع المرحلة باعتبارها مجرد امتداد للمسار السابق، بل باعتبارها فرصة لإنهاء حالة الانتظار والتجاذبات التي رافقت الملف لعقود. لكن الانتقال إلى مرحلة جديدة يفرض أيضاً الاستعداد لكل الاحتمالات، خصوصاً أن انتهاء المسار الأممي بصيغته السابقة لا يعني بالضرورة اختفاء التوترات الميدانية.
ومن هنا يمكن فهم أهمية اليقظة العسكرية والتحركات المرتبطة بتعزيز الحضور الدفاعي في الأقاليم الجنوبية. فاحتمال لجوء جبهة البوليساريو إلى مناورات أو استفزازات ميدانية في سياق التحولات الجديدة يظل قائماً، كما أن التوتر الإقليمي مع الجزائر يفرض على المغرب التعامل مع محيطه بمنطق الحذر والاستعداد، دون السقوط في منطق التهويل أو استباق الأحداث.
ولعل الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 تقدم مؤشراً إضافياً على حجم الرهان المغربي على تحديث قدراته الدفاعية. فقد حُدد مبلغ 190.5 مليارات درهم للنفقات المأذون بالالتزام بها مسبقاً لفائدة اقتناء معدات القوات المسلحة الملكية وإصلاحها، ودعم تطوير صناعة الدفاع، مقابل 157.17 مليار درهم في قانون مالية 2026، و133.45 مليار درهم سنة 2025.
نحن أمام منحى تصاعدي واضح في الاعتمادات الموجهة لتحديث المنظومة الدفاعية، وتطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز القدرات التكنولوجية للمملكة. وهي أرقام لا ينبغي اختزالها في احتمال الحرب، لكنها تعكس بوضوح أن الأمن والدفاع أصبحا من الرهانات الاستراتيجية الكبرى للدولة المغربية.
أما بخصوص الموقف الروسي، فقد أتاح لي وجودي في موسكو إجراء اتصالات ودردشات مع الجانب الروسي بشأن التصويت الأخير في مجلس الأمن. ومن خلال ما استقيته من هذه الاتصالات، برزت مؤشرات تفيد بوجود تواصل مسبق بين موسكو والرباط بشأن الخطوة الروسية، مع التأكيد على أهمية العلاقات التي تجمع الرئيس فلاديمير بوتين بالملك محمد السادس.
كما أن نشر وزارة الخارجية الروسية صورة اللقاء الذي جمع ناصر بوريطة وسيرغي لافروف قبل التصويت بيومين، وما عكسته من أجواء ودية وابتسامات متبادلة، يطرح تساؤلات حول طبيعة التنسيق والتفاهمات التي سبقت التصويت. وهي معطيات تستحق القراءة، وإن كان من غير الممكن اعتبار الصورة وحدها دليلاً قاطعاً على وجود اتفاق مسبق بشأن الفيتو.
ما استقيته من موسكو يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كان الموقف الروسي قد جاء في إطار تفاهمات سياسية ودبلوماسية أوسع مع الرباط، خاصة في ظل حرص البلدين على الحفاظ على علاقاتهما الاستراتيجية وتطويرها.
ما يجري اليوم يتجاوز ملف الصحراء وحده. نحن أمام عالم يعيد ترتيب موازين القوة، ويستعد فيه الجميع لأسوأ السيناريوهات، حتى عندما تبدو الحياة في شوارعه طبيعية.
المغرب لا يبحث عن الحرب، لكنه يدرك أن حماية مكاسبه السيادية لا تتحقق بالرهان على حسن نوايا الآخرين. وفي مرحلة تتراجع فيها ضمانات الاستقرار الدولي، يصبح الاستعداد لكل الاحتمالات شرطاً أساسياً لحماية الاستقرار نفسه.
المصدر: هسبريس ـ عبد الرحيم العسري