السيدة رئيسة الحكومة،
السيدات والسادة أعضاء البرلمان،
ليس من المألوف أن يأخذ نص قانوني الكلمة تحت هذه القبة. فالنصوص تُناقَش هنا ولا تَتكلم، ويُصوَّت عليها ولا تُسأل عن رأيها. لكني لست نصا كغيري. أنا مدونة الأسرة. لا أنظم مهنة ولا قطاعا، بل أدخل كل بيت مغربي: أحضر عقد الزواج، وأشهد الطلاق، وأحدد من يحضن الطفل، ومن ينفق عليه، ومن يرث من. ولذلك أستأذنكم في أن أتكلم مرة واحدة عن نفسي، بعد أن تكلم عني الجميع.
لا أطلب منكم أن تبتكروا إصلاحا جديدا. أطلب أن تُخرجوا إلى الوجود إصلاحا أمر به جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2022، وخُصصت له رسالة ملكية، وأُحدثت من أجله هيئة اشتغلت واستمعت واقترحت، وعُرضت بعض قضاياه على المجلس العلمي الأعلى، ثم حسمت التحكيمات الملكية عددا من مسائله الخلافية. ومع ذلك، ها قد مرت أكثر من أربع سنوات، وما زلت أنتظر أن يكتمل مساري التشريعي.
فما الذي بقي حتى أصير قانونا نافذا؟
حين تختل الأولويات
السيدة رئيسة الحكومة،
تابعتُ خلال السنوات الأخيرة، من مكاني في الانتظار، حركة تشريعية واسعة. رأيت نصوصا كثيرة تتقدمني في الطابور، بعضها أثار من الخلافات والاحتجاجات أكثر مما قدم من حلول، ولعل مشروع قانون المحاماة أبرزها. ولا أقلل من أهمية تنظيم مهنة المحاماة، فالمحامون رفاقي في كل جلسة من جلسات قضاء الأسرة. لكني أسأل عن ترتيب الأولويات: كيف أمكن تعبئة كل ذلك الجهد السياسي والتشريعي حول نصوص محدودة المخاطبين، بينما ظللت أنا، وأنا أنظم الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والنسب والإرث، أنتظر دوري؟
التشريع ليس سباقا في عدد النصوص المصادق عليها، بل استجابة لحاجات المجتمع. ومن حق الحكومة أن تحدد برنامجها التشريعي، لكن من واجبها أيضا أن تبرر لماذا تتقدم نصوص أقل امتدادا في المجتمع على نص يحمي الأسرة، التي جعلها الدستور في فصله الثاني والثلاثين الخلية الأساسية للمجتمع.
سقفي حُدد، فلماذا الانتظار؟
السيدة رئيسة الحكومة،
لقد رسم جلالة الملك حدود إصلاحي بعبارة واضحة: «لن أحل ما حرم الله، ولن أحرم ما أحل الله». وهي عبارة ترسم المرجعية، ولا تغلق باب الاجتهاد. فليس كل ما استقر عليه الفقه عبر القرون حكما قطعيا لا يقبل المراجعة، وليس كل اختلاف بين الفقهاء اختلافا بين الحلال والحرام، بل كثيرا ما يكون اختلافا في التأويل، وتغيرا في الأعراف والمصالح.
وأنا أعرف ذلك من تاريخي. فقد وُلدت سنة 1957 باسم مدونة الأحوال الشخصية، ثم عُدّلت سنة 1993، ثم أعيدت ولادتي سنة 2004 باسمي الحالي. وفي كل مرة تجاوزت اختيارات فقهية ظلت مستقرة زمنا طويلا. خذوا الولاية في الزواج مثالا: كان للولي موقع أساسي في البناء الفقهي المالكي التقليدي، ثم أقررتُ للمرأة الراشدة حقها في أن تعقد زواجها بنفسها، بعد أن كشف الواقع أن الولاية قد تتحول إلى وسيلة ضغط وابتزاز. ولم يقل أحد يومها إنني خرجت عن المرجعية الإسلامية.
وقضية التعصيب في الإرث مثال آخر. هي تثير أسئلة اجتماعية وقانونية جدية تستحق البحث في حدود المرجعية والثوابت الدستورية. لكن لا يجوز أن يتحول الخلاف حولها إلى سبب لتعطيل إصلاحات أخرى لا خلاف جوهريا بشأنها. فإذا كان المشرع قد تجاوز بالأمس عقبات أصعب، فما الذي يمنعه اليوم؟ الاجتهاد ليس امتيازا لجيل دون آخر، وما كان إصلاحا جريئا سنة 2004 لا يصح أن يصير سقفا نهائيا سنة 2026.
حين يتقدم النص ويتأخر المجتمع
السيدات والسادة النواب،
سأعترف لكم بشيء: حين صدرتُ سنة 2004، ظن كثيرون أن النص وحده سيغير الواقع. ولم يحدث ذلك. حملتُ مقتضيات متقدمة، لكني اكتشفت في المحاكم أن الممارسات الاجتماعية المتجذرة لا تتغير بمجرد نشر نص في الجريدة الرسمية. وقد قالها خطاب العرش لسنة 2022 صراحة حين توقف عند الاختلالات التي رافقت تطبيقي.
فما قيمة حكم بالنفقة أصدرته باسمي، إذا بقي دون تنفيذ؟ وما جدوى حماية أقررتها للطفل، إذا استغرقت المسطرة زمنا أفقدها معناها؟ وما فائدة حق اعترفتُ به لامرأة، إذا منعها الفقر أو الجهل بالإجراءات من ممارسته؟
المشكلة إذن ليست في نصوصي وحدها، بل في المؤسسات التي تنقلني من الورق إلى الحياة. ولن يُقاس نجاح صيغتي الجديدة بجرأة موادها، بل بقدرتها على تغيير الواقع. وهذا يقتضي تأهيل قضاء الأسرة، وتطوير آليات تنفيذ الأحكام، والاستعانة بالمساعدين الاجتماعيين، والاستفادة من الوسائل الرقمية، وتقييم تطبيقي بصفة دائمة. فالنص الذي لا يصل إلى المجتمع يبقى إصلاحا على الورق، مهما كانت جودة صياغته.
الشريك الذي لم يحضر
السيدة رئيسة الحكومة،
كان لي شريك نص عليه الدستور في فصله التاسع والستين بعد المائة: المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة. لم يُتصور مجرد هيئة لإبداء الرأي، بل فضاء لتتبع وضعية الأسرة والطفولة، ورصد التحولات، واقتراح الحلول، وتقييم السياسات العمومية. ولم يحضر.
لو كان قائما منذ سنوات، لكان صلة دائمة بيني وبين المشرع والقضاء والباحثين والفقهاء والمجتمع المدني. ولكان وفّر المعطيات التي تفرّق بين ما أعانيه من قصور في نصوصي، وما أعانيه من سوء في تطبيقي. ولكان أغنى النقاشات الخلافية، ومنها التعصيب، بالمعطيات القضائية والاجتماعية، دون أن يحل محل المجلس العلمي الأعلى في اختصاصه. ولكان رصد صعوباتي سنة بعد سنة، بدل أن ننتظر عقدين لنفتح ورشا شاملا من جديد.
غيابه ليس فراغا مؤسساتيا فقط. إنه حرمان لإصلاحي من آلية تضمن له الاستمرار، وتمنع تراكم الاختلالات حتى تصير أزمات. ولذلك أطلب أن يقترن إخراجي في صيغتي الجديدة بالتفعيل الفعلي لهذا المجلس، حتى لا أصدر مرة أخرى متقدما في نصوصي، وحيدا في تطبيقي.
ما أطلبه من حكومتكم
السيدة رئيسة الحكومة،
الحكومات تتعاقب، والدولة مستمرة. وانتقال المسؤولية الحكومية لا يمحو الالتزامات السابقة، ولا يصح أن تبدأ الأوراش الكبرى من الصفر كلما تغيرت الأغلبية. والتوجيهات الملكية المتعلقة بإصلاحي لم تفقد قوتها بتغير الحكومة، بل صارت أكثر إلحاحا بعد كل هذه السنوات. وإذا كان برنامجكم الحكومي قد أعاد إدراجي ضمن أولوياته، فالمنتظر الآن هو الانتقال من التصريح السياسي إلى الجدولة التشريعية.
لذلك ألتمس منكم ثلاثة أمور: أن تعلنوا جدولا زمنيا لإحالة مشروعي على البرلمان، وأن توضحوا ما تبقى من مراحل صياغتي دون إعادة فتح قضايا استنفدت الدراسة والتشاور؛ وأن يرافقني برنامج لتأهيل قضاء الأسرة وتطوير آليات التنفيذ؛ وأن يُفعَّل المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة. لا أطلب استعجالا يضر بجودتي، بل نهاية لانتظار لم يعد مقبولا أن يستمر بلا أفق.
حتى لا أصير وعدا مؤجلا
السيدات والسادة،
السؤال بسيط: إذا كان إصلاحي قد حظي بالتوجيه الملكي، واستُكملت مراحل دراسته، وأُنجزت بشأنه التحكيمات الضرورية، فما الذي يمنع من إحالتي على هذه المؤسسة لتتحمل مسؤوليتها الدستورية في مناقشتي وإقراري؟ هذه القاعة هي المكان الطبيعي لحسم الخلافات التشريعية، وليس من وظيفة الحكومة أن تؤجل إحالتي إلى أجل غير مسمى خشية استمرار الخلاف حول بعض موادي.
الخلاف في مجتمع تعددي أمر طبيعي. أما أن يصير سببا دائما لتعطيلي، فمعناه أن يُمنح كل رأي معترض سلطة إيقاف القرار العام. والمغاربة لا ينتظرون مني أن أرضي جميع الاتجاهات الفكرية والفقهية والسياسية. ينتظرون قانونا عادلا، واضحا، قابلا للتطبيق، يحمي الأسرة ويصون كرامة أفرادها، ويوازن بين الحقوق والواجبات.
السيدة رئيسة الحكومة،
لقد أخذت مشاريع أخرى من الوقت والجهد، وأثارت من التوتر ما كان يمكن تجنبه، بينما بقيت أنا في قاعة الانتظار. ومن حسن ترتيب الأولويات اليوم أن أستعيد مكاني في العمل الحكومي والبرلماني. وإذا كان إصلاحي قد تأخر أكثر من أربع سنوات، فإن حكومتكم تملك فرصة تحويل هذا التأخير إلى مناسبة لاستعادة الثقة في قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها.
لا أطلب منكم أن تبدؤوا إصلاحي، بل أن تنهوا انتظاره. فكل يوم يمر ليس يوما إضافيا في رزنامة التشريع، بل يوم آخر تعيش فيه أسر مغربية تحت اختلالات اعترفت الدولة نفسها بالحاجة إلى إصلاحها. ومن حق الحكومة أن ترتب أولوياتها، لكن ليس من حق الزمن التشريعي أن يجعل الأسرة المغربية آخر المنتظرين.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
-باحث .محامي بهيئة القنيطرة
المصدر: حسن مزوزي