Loading...

تعثرات تحالف اليسار

|
29 أكتوبر 2026, 02:00
Featured image
حجم الخط

لا شك في أن بعض مكونات اليسار المغربي ممثلا في تحالف اليسار قد حققت خلال الانتخابات الأخيرة نتائج مهمة، اثلجت صدور كل من يؤمن بأن مشاكل المغرب لا يمكن ان تحل إلا بمساهمة اليسار في تدبير الشأن العام، ذلك لأن فلسفته ترتكز على أولوية الاهتمام بالقضايا الاجتماعية، وجعل التنمية في خدمة الإنسان بالدرجة الأولى، مما يعني محاربة الرأسمالية المتوحشة والريع الاقتصادي، وقد جعلت هذه النتائج صوته مسموعا لدى السلطة والمواطنين على حد السواء، وهذا ما يجب استثماره بشكل جيد حتى يستطيع هذا التحالف توسيع شعبيته، واستعادة وهجه الذي كان قد فقده لعدة أسباب لا مجال للحديث عنها في هذا المقال.

لكن في الوقت الذي كان ينتظر فيه المتعاطفون مع هذا الفصيل السياسي، أن يجدد خطابه ويدشن دخوله السياسي بخطاب واقعي وعقلاني، لاحظنا أن بعض عناصره مصرين على تكريس الصورة النمطية القديمة التي تجعل المتابعين يتهمونه بالشعبوية والشوفينية، او على الاقل يسمونه يعتبرونه حزب النخبة، التي تطل على المواطنين من برجها العالي دون أن تلتحم معهم في واقعهم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي، أو باعتباره حزب مثقفين وصالونات ثقافية وليس حزب الجماهير الشعبية.

ومساهمة في هذا النقاش يمكن القول إنه لا أحد تقريبا ينكر أن اليسار المغربي لديه خصوصيه التي يجب أن يحافظ عليها، وهو يختلف في النشأة والتطور عن اليسار العربي في المشرق، الذي ترعرع في أحضان الديكتاتوريات السياسية، التي استولت على السلطة عبر الانقلابات كما هو الحال في سوريا والعراق ومصر وليبيا، وتربى فكريا في أحضان حزب البعث والناصرية التي فرضت عليها ظروف النشأة، خاصة في بلدان تضم مسلمين ومسحيين، أن يتشبع بأفكار القومية العربية والاستماتة في الدفاع عنها، مما جعله معاديا للاقليات كالأكراد، وللقوميات الأخرى كالامازيغ.

أما اليسار المغربي فقد تربى في التربة المغربية ضمن دولة مدنية، تميزت بعد الاستقلال بالصراع على السلطة، مما أدى إلى التضييق على الأحزاب اليسارية، المكونة من شتى اطياف المجتمع المغربي وأقاليمه، وكان من نتائج ذلك أن أغلب نخب اليسار عانوا من القمع السياسي، وقضوا فترة من حياتهم داخل السجون. ولعل هذا المسار المختلف يؤهل اليسار المغربي للانتباه إلى خصوصيته، وبالتالي الاهتمام بالقضايا الوطنية الأكثر إلحاحا وأوقع صدى لدى المواطن المغربي.

فقضية فلسطين مثلا هي قضية إنسانية نبيلة يتعاطف معها كل شعوب العالم الحر، لكن لا يجب بأي حال من الأحوال أن تتبوأ الأولوية في الخطاب السياسي، فهناك قضية الوحدة الترابية للمغرب، التي يجب أن تكون أولوية الاولويات، فليس من العقل ولا من المنطق أن نطلق بعض الكلمات الفضفاضة في حق سبة ومليلية والأراضي المحتلة، بينما تبح الحناجر دفاعا عن فلسطين، بتصور ماضوي، يذكرنا بخمسينات وستينات القرن الماضي، وكأننا نتلو بعض ادبيات حزب البعث.ط أو نتماهى مع بعض الأصوليات التي تصر على أن الصراع الفلسطبني الأسرائيلي ذو طبيعة دينية، بينما هو صراع سياسي قابل للحل بمنطق السياسة والنضال الوطني.

كما أن القضية اللغوية في المغرب تستأثر باهتمام شريحة كبيرة من المواطنين، فلا يمكن أبدا ان ندلي بتصريحات، يفهم منها العداء للغة الامازيغية، التي يتحدث بها بشكل يومي أكثر من نصف سكان المغرب، فالاهتمام باللغة العربية أمر جيد، لكن يجب أن يكون منطقيا، ومؤطرا بفكر حداثي، ويحذر من أن يرتدي لبوس الأصولية التي تعتبرها لغة مقدسة، تستمد قداستها من قداسة الدين.

ويجب في هذا الصدد أن يتذكر اليسار دائما أن التماهي مع الفكر الأصولي في المغرب سيفقده هويته، فلا يستسيغ المنطق التحالف مع فصيل سياسي يعلن عداءه الحريات الفردية، ويختفي وراء شعارات أخلاقية مفضوحة.

إن تحالف اليسار مطالب بتجديد خطابه السياسي، حتى يظل وفيا لهويته المتمثلة في الدفاع عن القضايا الاجتماعية، وأن يعتبر القضايا الوطنية شغله الشاغل دون أن يفقد ذلك حسه الإنساني من خلال التضامن مع قضية فلسطين وكل القضايا الإنسانية في العالم، وأن يحافظ على مسافة الأمان مع الفكر الأصولي الحربائي، الذي ما إن اتيحت له فرصة تدبير الشأن العام حتى أجهز على كثير من مكتسبات الطبقة العاملة.

المصدر: مصطفى لغتيري

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز