تناول مؤخرا مقال الدعوة إلى تدريس العلوم باللغة العربية بمختلف مراحل التعليم وصولا إلى الجامعة (1). أثار هذا المنشور زوبعة من ردود الفعل لا يخلو بعضها من خلط بين اللسان، أي ما يعرف بلغة التدريس، واللغة الدارجة المحكية بين الناس، وهي غالبا ما تكون لغة الأم. فما هو اللسان العربي المذكور في القرآن وما هي اللغة؟
اللغة
يجدر بنا الإشارة إلى أن كتاب الله لم يستعمل “لغة” قط واستعمل لفظة “لسان”. لَغَوَ، جذر لفظة “لغة”، بمشتقاتها الإحدى عشر استعملت بمعنى سلبي في كتاب الله. اقرأ مثلا:
“وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)” (القصص 55:28).
“لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)” (البقرة 225:2).
“وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)” (الفرقان 72:25).
“وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)” (فصلت 26:4).
استعملت في كتاب الله ألفاظ ومشتقاتها تتعلق بإيصال معنى ما إلى الخارج، منها لسان ولغة. وإلى يومنا هذا لا زلنا نستعمل تعابير مجازية مثل “لسان حاله” و “لغة الصمت”. لفظة “نطق” و “قال” ومشتقاتهما لهما ارتباط وثيق هما الأُخْريتان بإيصال معان ما. عُلِّم سليمان منطق الطير وكان يفهم قولهم وكذا قول النمل فنقرأ في كتاب الله:
“وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)” (النمل 16:27-22).
اللسان
اللغة هي وسيلة التواصل فيما بين قوم ما وهي على مستويات أعلاها هو اللسان، بتعبير كتاب الله، أو ما يعرف بالفصحى أو الفصيحة. غير أن كتاب الله لم يستعمل فعل “فَصَح” أو أي من مشتقاته بما فيها لفظة فصحى. اللسان هو ذاك المستوى الراقي للغة حيث غالبا، إن لم نقل دائما، ما يكون مكتوبا. فلا حضارة بدون كتابة. الكتابة هي وسيلة نقل للثقافات وللعلوم ولغيرها عبر الزمان والمكان.
اللسان هو ذاك المستوى الأرقى من اللغة الذي يخضع لقواعد عدة من إملاء، ونحو، ودلالات، وغير ذلك. اللسان يُكتسب عن طريق التعليم، وليس هو لغة الشارع. اللسان هو ما تكتب به وتستعمله النخبة أو الصفوة من المجتمع من شعراء وأدباء، وقانونيين، وخطباء، وبحاث. يستعمل اللسان في الأمور الرسمية من تدوين تاريخ، وإدارة، وعقود، وصحافة.
التعليم
اللسان هو حصرا وسيلة التعليم، لأن تعليم أي علم، مثلا، يتطلب الدقة والدقة لا تتسنى إلا للسان. اللسان يتطلب جهد التنسيق والتنظيم والدقة في الأفكار والتعابير مع احترام القواعد.
خذ مثلا آيتين تنهيان عن قتل الأولاد وانتبه إلى دقة التعبير في استعمال “مِنْ” و “خَشْيَةَ” وإلى تغيير ترتيب موقع الضميرين “كُمْ” و “هُمْ”.
“… وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ …(151)” (الأنعام 151:6).
“… وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ …(31)” (الإسراء 31:17).
الآية الأولى تنهى آباء معوزين لسبب فقرهم، “مِنْ إِمْلَاقٍ” بالتعبير القرآني. وهكذا يذكرهم الله بأنه هو من “نرزقكُمْ وإياهُمْ”. الضمير “كُمْ” قبل “هُمْ”. الآية الثانية تنهى آباء أغنياء عن قتل أولادهم لخوفهم من الفقر، “خَشْيَةَ إِمْلاقٍ” بالتعبير القرآني. وهكذا يذكرهم الله بأنه هو من “نرزقهم وإياكم”. الضمير “هُمْ” قبل “كُمْ”. فتأمل هذه الدقة في اللسان.
الدارجة
كل أقوام العالم، منذ القدم، يزاولون حياتهم اليومية وهم يتحدثون الدارجة، أو العامية، وهي المستوى العامي للغة. يتحدث بهذه الدارجة جميع أطياف المجتمع بما فيها المتمدرسون منهم وغير المتمدرسين، المثقفون منهم وغير المثقفين.
الدارجة لا تخضع لقواعد صارمة كما هو الحال بالنسبة للسان. وغالبا ما يكون هناك دوارج لنفس اللغة. كل ومنطقته، كل ودارجته. بل كل جيل ودارجته. الدارجة تلقن عموما في البيت، ولهذا تسمى لغة الأم، بينما يلقن اللسان عموما في مؤسسات كالمدرسة وغيرها. اللسان هو بمثابة الثابت من اللغة، غير أنه يتحرك، ولكن بتأن وبطء، ويعنيه الانضباط للقواعد اللغوية. بينما الدارجة في حالة تحرك وانسياب دائمين، ولا يعنيها كثيرا الانضباط للقواعد أو الحفاظ على النقاء اللغوي.
تلاقح
هناك تلاقح وتطعيم فيما بين اللسان، المستوى الرسمي الكتابي الراقي للغة، والدارجة، المستوى العامي المتداول في الشارع للغة. إنه الجدل وسط اللغة نفسها فيما بين اللسان والدارج.
الدارجة قد تبدأ تستعمل كلمة منقولة عن لغة أخرى، باركينج مثلا، فيصححها اللسان بكلمة مرأب. بعدها يشرع الناس، في تداولاتهم اليومية، في استعمال الكلمتين، باركينج ومرأب، بنفس المعنى وعلى حد سواء أو يفضل بعضهم واحدة على أخرى. هذا من باب التلاقح. كما أن اللسان يطعم الدارجة بكلمات مستجدة أو قليلة الاستعمال كالدالة والبؤرة والفشل الكلوي وقس على ذلك.
اللسان العربي
كتاب الله نزل بلسان محمد وقومه، لسان عربي ميسر ومبين، وليس بلغة الأم المحكية من طرف محمد وقومه. “فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)” (مريم 97:19).
صيغ كتاب الله باللسان العربي، المستوى الأرقى للغة العربية، ولم يصغ باللهجة القرشية، الدارجة المحلية للغة العربية في مكة. وهكذا كُتب، لأنه مصوغ بلسان وليس بلهجة، منذ بداية البعثة واستُمر في كتابته إلى نهايتها. عندما كان محمد ينتقل من حديثه العادي مع الناس إلى النطق بما أوحى الله إليه من التنزيل الحكيم “وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)” (النجم 3:53-4)، كان الناس من حواليه يدركون ذلك بديهيا.
السبب بسيط. إنه كان ينتقل من اللهجة القرشية، أو دارجة قريش، إلى اللسان العربي، الصيغة المكتوبة المعلومة آنذاك، وإلى يومنا هذا لدى القبائل العربية في إفريقيا، شمالها وشرقها وغربها، وشبه الجزيرة العربية وشمالها. هذه هي خاصية اللسان العربي من دون ألسُن العالم. إنه اللسان الوحيد الحي والغارق في القدم الذي ما زال يُنطق كما نطقه الرسول منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.
“هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُواْ الْأَلْبَابِ” (الرعد 52:14)
***
(1) أنظر المقال الذي نشرته جريدة هسبريس “شحلان يدعو إلى تدريس العلوم باللغة العربية في رسالة إلى الوزير بنعبد الله“، 26 أكتوبر 2036.
المصدر: يوسف قرنفل