Loading...

القاعدة القانونية

|
29 أكتوبر 2026, 02:00
Featured image
حجم الخط

القانون هو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المنظم، وما ثبت يوما أن جماعة ما أو مجتمع ما عاش بلا قانون، لأن غيابه -أي القانون-يعني عودة العدالة الخاصة، حيث يسود الفساد والظلم وتضيع حقوق الأفراد وتعم الفوضى، ولذلك قالوا أن القانون قاعدة حياة، أو مجموع حياة الإنسانية بكاملها، فالقانون هو الآلية الرئيسية للضبط الاجتماعي إلى جانب آليات أخرى مثل الدين، العرف، التقاليد، الرأي العام… ينظم المجتمع بشكل محكم لضمان تناسق اجتماعي قائم على حماية الحقوق والحريات.

ويتألف القانون من خلية أساسية هي القاعدة القانونية، باعتبارها خطابا موجها الى الأشخاص عاديين أو اعتباريين بصيغة العمومية، مع استئثارها بالقوة في التطبيق، بمعنى أن هذه القاعدة القانونية يجب أن تخص الكل دونما تخصيص معين بالذات أو تتعلق بحادثة معينة، وإنما يجب أن يخضع لها من تتوافر فيه الصفات والشروط التي تنص عليها. بالإضافة إلى الزاميتها لكي يندفع الأفراد إلى قبولها وتطبيق فحواها، وإن كان في الكثير من الأحايين يطبق الأشخاص القاعدة القانونية تلقائيا دون جبر، لاعتقادهم أنها واجبة، وتبقى متصلة اتصالا وثيقا بالحياة الاجتماعية، كون القانون لا ينشئ إلا من حيث يكون هناك مجتمع يتولى تنظيمه، ويحدد القواعد التي يجب أن تقوم عليها علاقات الفرد، لأن هذا الأخير بطبيعته اجتماعي وأناني لا يمكنه أن يعيش إلا داخل الجماعة.

ولأجل ذلك فالقاعدة القانونية هي نتائج المجتمع، تفرزها البيئة المجتمعية والتي يعبر عنها ببيئة القاعدة القانونية، لذا من المفروض وتماشيا مع هذه المسلمة أن كل قاعدة قانونية لا تعبر عن واقع الأفراد تصبح بدون محل لوجودها، ويجب تقويضها وتغييرها. لكن هذا سيهدد مبدأ الأمن القانوني ويعطل مشاريع وحاجيات العديد من المواطنين.

ومن هنا تظهر أهمية ثبات القاعدة القانونية ليستمر تنظيمها لمختلف علاقات الأفراد، وليس معناها الجمود. وكذا اهمية مبدأ تطور القاعدة القانونية لتستجيب للحركية والتغيير الذي يعرفه المجتمع.

فقاعدتي الثبات والتطور تعكسا بجلاء المميزات الفلسفية والعملية للقانون، على اعتبار أن المجتمع أي مجتمع في حركية دائمة دؤوبة، وتغيير مستمر، ومحكوم ببيئة التطور. ولهذا وبالموازاة مع ذلك تحتاج المعاملات المختلفة بين الأفراد الى الاستقرار والأمن القانوني ليلعب القانون دوره الأساسي في تنظيم المجتمعات.

مبدأ ثبات القاعدة القانونية

إن مبدأ الثبات يعبر على أن القاعدة القانونية ما وضعت إلا لتمتد عبر الزمن، وأن هذا الثبات لا ينتفي عندما يعرف النص القانون تعديلا لسريانه، بل هو مسعى المشرع، أو إنه ما يجب أن يكون عليه لإيجاد ما هو أفضل لتحقيق الغاية.

فثبات القاعدة القانونية، أو ضرورة ثباتها لتكون كفيلة بتحقيق أغراضها المتمثلة في بلوغ أمن القانوني، لابد من الارتكاز على أمور جد مهمة تعد دعائم لهذا الثبات، وهي بالخصوص:

– استقرار المعاملات وحماية الحقوق والحريات.

– ثبات القاعدة التشريعية وعدم رجعتيها، فهي تعد ضمانة للأفراد.

– استعمال الصياغات والمفاهيم المرنة والقابلة للتكييف والتطور مع كل الوضعيات القانونية لتخاطب الجميع، وتسد الفراغات المحتملة، وأن يتغير مضمون القاعدة القانونية، ومفهومها بحسب الزمان والمكان والمراكز.

إن مواكبة القاعدة القانونية للتطور الدائم للمجتمع تضع المشرع في امتحان، لأن القانون لا يشرع إلا ليسري نحو المستقبل إلى حين ظهور مستجدات ضمن المجال الجغرافي والبيئة الاجتماعية الحاضنة تحتم تغييره وإخضاعه للتعديل، أو الإضافة ليحقق ما جاء من أجله وما شرع له.

ولهذا طرحت بإلحاح فكرة ضرورة التناسق بين القاعدة القانونية وبيئتها التي تخلقها، وبكل ما يستجد في شتى المجالات عند صياغة النص القانوني المعدل أو المتمم أو الذي يعترف بالإضافات على النص القائم، وتناغم مع هذا الأخير دونما تعارض في المضمون والغايات.

ولهذا نصيغ السؤال التالي: ما مدى ترابط القاعدة القانونية بالبيئة المنشئة والحاضنة لها؟

مما لا شك فيه أن القاعدة القانونية لا تأتي إلا ضمن بيئة اجتماعية محددة، أو بالأحرى هذه البيئة التي تفرزها لتنظيم موضوع معين، أو مجال ما بذاته، أملا في الامتداد نحو المستقبل، دون تحديد مده سريانه كقاعدة عامة، لأن النص القانوني بهذا المعنى هو وليد بيئته التي تحوي العديد من العوامل الطبيعية الاقتصادية الدينية السياسية الثقافية التاريخية والتكنولوجية، يتطور بتطورها، وهو ما عبر عنه بعض الباحثين في هذا الشأن بأن البيئة تشكل مجموعة من الحقائق والواقع التي تجسد أصل القاعدة القانونية ومضمونها.

وعلاقة بالجواب عن ترابط القاعدة القانونية بالبيئة، يحيلنا للحديث عن دور مبدأ الثبات في تكريس الأمن القانوني، الذي يقتضي شعور المواطن بأن حقوقه محمية من قبل القانون، في حياته وفي حريته وأمواله وكذا ممتلكاته. واستقلال القاعدة القانونية هو عنصر أساسي من عناصر الأمن القانون الذي بات ركنا لسيادة القانون.

وليس هذا فقط، فالأمن القانوني للقاعدة القانونية الثابتة يعتمد على إمكانية التنبؤ، وللوصول إلى هذه النتيجة لابد من أن تكون القاعدة القانونية التي تم سنها واضحة ومفهومة.

إذن الصياغة التشريعية للقاعدة القانونية لهو أمر جلل لبلوغ أمن قانوني يحس فيه الأفراد بالاستقرار في المراكز القانونية. ناهيك عن وضوح القواعد القانونية، لأن غياب معناها أو عدم فهم مقاصدها يمنع المخاطبين بها من فهم احكامها، وعدم الدقة يؤدي الى عدم تطبيق السليم. كما يعطي وضوح القاعدة القانونية المكنة لفهمها وتسهيل للوصول إليها من طرف القضاة والمواطن. وبالتالي الاحساس بثباتها واستمراريتها.

ومنه فالصياغة التشريعية القاعدة القانونية تعد بلا ريبة عنصر مهم من عناصر تكوينها، حيث يتوقف نجاح تلك القاعدة في تنظيم مجال ما من عدمه على دقة الصياغة، ومدى ملائمة أدواتها، أي مراعاة الامور الفنية والتعبيرية واللغوية لبلوغ الغاية المرجوة.

لكن هذا الاهتمام والتركيز على الصياغة ليس مجرد اهتمام بجانب شكلها هامشي، بل المغزى منه وضع تشريع جيد وتوقعي عاكس لمتطلبات المجتمع، ومنسجم مع الدستور، ومفهوم عند العامة، ويحقق اليقين القانوني.

مبدأ التطور في القاعدة القانونية

إنه من المفروض أن يدرك الجميع أن القانون كظاهرة اجتماعية مثل باقي الظواهر يجب أن يوازي تطور المجتمع وتقدمه، وتطور القاعدة القانونية المنظمة له، وإلا تظل جامدة لكي لا تخلق الهوة والشرخ بين تطور المجتمع والنص المنظم. وبالتالي يصبح هذا الأخير بدون فاعلية أو دون ذات مضمون، ولهذا فالتطور الذي تخضع له القاعدة قد يكون من خلال وعبر وسائل متنوعة ضرورية:

أولها التطور التشريعي.

ثم التطور القضائي من خلال اجتهاد القضاة في قضايا لم يرد بشأنها نص، لأن آلية الاجتهاد هي مصدر مهم لخلق القاعدة القانونية الملائمة لتلك الواقعة او الحالة وسد للفراغ الحاصل.

فظهور مستجدات جديدة تدفع المشرع الى التدخل لإعادة التوازن المختل، أي تموقعه بين ثبات النص القانوني وتدعيمه، وبين الحاجة الى مواكبته لمختلف التطورات والتغييرات الحاصلة. وضرورة الموازنة بين مبدأ الثبات الذي يميز القاعدة القانونية وبين مختلف التطورات التي تستجد والمعروف بالتطور في القاعدة القانونية.

وهو ما يؤدي الى طرح سؤال فاعلية القاعدة القانونية وجودتها؟

وإذا ما سلمنا ان العوامل المتحكمة والمؤثرة في صياغة القاعدة القانونية هي في حركية دائمة مستمرة، فان هذه القاعدة القانونية إذن تتميز بعدم الاستقرار، وأنها لا ترسو على حال، بل هي في تحول وتسارع، لدى فواضعها يصبح ملزما بالأخذ بهذه الحركية داخل المجتمع عند إعداده وصياغته للنصوص القانونية وتبنيه لأحسنها فاعلية وجودة، لضمان تحقيق التطور من سن أو تعديل القانون، ولتتلاءم القاعدة القانونية مع بيئتها التي ستطبق فيها. لأن القانون أولا وأخيرا هو ضرورة اجتماعية. ومبرر ذلك هو تنظيم علاقات الافراد داخل الجماعة، فلا قانون بدون مجتمع ولا مجتمع بدون قانون.

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول أن إعمال نوع من الموازنة بين ثبات القاعدة القانونية، وبين ضرورة الملحة الى مسايرة مختلف التطورات التي يعرفها المجتمع، يصعب إنكارها وهجرها، طالما أن الغاية من اخضاع النص القانوني للتعديل أو الإضافة، أو تنظيم مجال ومواضيع مستجده له، هو البحث المستمر والدائم لإيجاد ترسانة قانونية مهمة متناسقة ترنو الى حماية الحقوق الحريات المختلفة وتسييجيها، ولأن القاعدة القانونية هي ثابته في جوهرها، ومتطورة ومتغيره في شكلها ومرنة لتحقيق العدالة.

-أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والسياسية بقلعة السراغنة

المصدر: الشرقاوي القرقار

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز