Loading...

الالتزام الحكومي

|
29 أكتوبر 2026, 02:00
Featured image
حجم الخط

من الوعد الانتخابي إلى الالتزام الحكومي

لا تنتهي العملية الانتخابية بمجرد إعلان النتائج وتشكيل الحكومة، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بتحويل الاختيارات التي عرضتها الأحزاب على الناخبين إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة. فالبرنامج الانتخابي يمثل، من منظور سياسي، أداة لتقديم الحزب نفسه للناخبين وتحديد أولوياته ومشاريعه، في حين يصبح البرنامج الحكومي، بعد تشكيل الأغلبية، الإطار المرجعي للعمل التنفيذي والعلاقة مع البرلمان.

غير أن الانتقال من البرنامج الانتخابي إلى البرنامج الحكومي لا يتم بصورة آلية. ففي الأنظمة التعددية، ولا سيما عندما تكون الحكومة ائتلافية، تخضع الوعود الانتخابية لعملية تفاوض وإعادة ترتيب للأولويات، نتيجة اختلاف البرامج والمرجعيات والمصالح بين الأحزاب المشاركة في الأغلبية. وتشير الأدبيات المقارنة حول الحكومات الائتلافية إلى أن الوعود التي تجد طريقها إلى اتفاق أو برنامج مشترك تكون عموماً أكثر قابلية للتحقق من الوعود التي تبقى خارج التسوية الائتلافية (Thomson, 2001; Strøm, Müller & Bergman, 2008). كما تبين الدراسات الحديثة أن قدرة الحزب على تنفيذ وعوده لا تتحدد فقط بامتلاكه عدداً من المقاعد، وإنما تتأثر بموقعه داخل الائتلاف، والحقائب التي يديرها، وقدرته على التأثير في جدول الأعمال والتفاوض مع الشركاء.

من هنا نحول السؤال من مجرد البحث في مدى تنفيذ الوعود الانتخابية إلى سؤال أعمق في علم الاجتماع السياسي: ماذا يحدث للالتزام السياسي عندما ينتقل الحزب من موقع استمالة أصوات الناخبين إلى موقع ممارسة السلطة التنفيذية ؟

في الحالة المغربية، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة بسبب تداخل ثلاثة مستويات : التعدد الحزبي الذي تنتج عنه الحاجة إلى بناء الأغلبية، والبعد التفاوضي لتشكيل الحكومة، والإطار الدستوري الذي يحدد علاقة الحكومة بالملك والبرلمان ويجعل البرنامج الحكومي أساساً لتنصيب الحكومة. وعليه، تتمحور دراستنا حول الإشكالية الآتية :

إلى أي حد يعكس البرنامج الحكومي الوعود التي قدمتها الأحزاب للناخبين، وكيف يؤثر الانتقال من البرنامج الانتخابي إلى البرنامج الحكومي في طبيعة المسؤولية السياسية للأحزاب وفي شرعية الأغلبية الحكومية؟

وتنبثق عنها أسئلة فرعية:

• كيف تتحول البرامج الانتخابية المتعددة إلى برنامج حكومي واحد؟

• ما الذي يحدث للوعود التي تتعارض مع برامج الشركاء؟

• كيف توزع المسؤولية السياسية بين الحزب والائتلاف والحكومة؟

• هل يؤدي الائتلاف الحكومي إلى تقليص قابلية الناخب لمحاسبة الحزب؟

• ما حدود التوافق الائتلافي عندما تتعارض المصالح الحزبية؟

• وكيف يمكن الانتقال من شرعية الاقتراع إلى شرعية الإنجاز؟

أولاً: من التنافس الانتخابي إلى التفاوض الائتلافي

تدخل الأحزاب الانتخابات وهي تقدم للناخبين تصورات مختلفة، وأحياناً متعارضة، حول الاقتصاد والمجتمع والسياسات العمومية. ويمنح البرنامج الانتخابي الحزب وسيلة للتعبير عن هويته وأولوياته وتقديم نفسه بوصفه بديلاً سياسيااً.

ومن منظور التمثيل السياسي، لا يقتصر البرنامج على كونه وثيقة تقنية، بل يؤدي وظيفة رمزية وسياسية؛ فهو يساعد الناخب على ربط التصويت بمواقف وسياسات محددة. ومن ثم فإن الانتخابات لا تنتج فقط توزيعاً للمقاعد، وإنما تنتج أيضاً تفويضاً سياسياً يرتبط، بدرجات متفاوتة، بالالتزامات التي قدمتها الأحزاب. غير أن نتائج الانتخابات قد لا تمنح حزباً واحداً القدرة على تشكيل الحكومة بمفرده. وعندما تصبح الأغلبية رهينة بتحالف عدة أحزاب، ينتقل الحقل السياسي من منطق التنافس البرنامجي إلى منطق التفاوض الائتلافي. وهنا تحدث عملية إعادة بناء للبرنامج السياسي.

فالبرنامج الحكومي لا يمثل بالضرورة مجموع البرامج الانتخابية للأحزاب المشاركة في الأغلبية، وإنما يمثل حصيلة عملية تفاوضية يتم خلالها تحديد ما يمكن اعتماده جماعياً، وما يمكن تأجيله، وما يتعذر إدراجه بسبب اختلاف المواقف أو محدودية الموارد.

وقد أظهرت الدراسات المقارنة أن التفاوض الائتلافي يؤثر فعلاً في فرص تنفيذ الوعود الانتخابية، وأن الاتفاقات الائتلافية تؤدي وظيفة مهمة في تحديد الأجندة المشتركة للحكومة. وعليه، يمكن النظر إلى تشكيل الحكومة باعتباره لحظة انتقال من التمثيل الحزبي إلى التمثيل الائتلافي.

فالناخب يصوت لحزب، لكن الحزب لا يمارس السلطة بالضرورة منفرداً؛ ولذلك يصبح عليه أن يحول برنامجه الخاص إلى جزء من برنامج جماعي.

ثانياً: البرنامج الحكومي بوصفه إعادة صياغة للالتزام الانتخابي

يتمثل الفرق الجوهري بين البرنامج الانتخابي والبرنامج الحكومي في طبيعة الجهة التي تتوجه إليها المسؤولية. فالبرنامج الانتخابي هو أساس العلاقة السياسية بين الحزب والناخب، بينما البرنامج الحكومي يصبح أساس العلاقة المؤسساتية بين الحكومة والبرلمان.

وتتضح هذه النقطة دستورياً في المغرب من خلال الفصل 88، الذي ينص على أن رئيس الحكومة، بعد تعيين أعضاء الحكومة، يعرض أمام مجلسي البرلمان البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، وأن هذا البرنامج يتضمن الخطوط الرئيسية للعمل الحكومي في مختلف مجالات النشاط الوطني. وبعد المناقشة أمام المجلسين، يعرض البرنامج للتصويت في مجلس النواب، ولا تنصب الحكومة إلا بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.

ويكتسب هذا المقتضى أهمية سوسيولوجية تتجاوز الجانب الإجرائي؛ لأنه يعيد تحديد موضوع المسؤولية السياسية. فالحكومة لا تطلب ثقة البرلمان على أساس كل برنامج انتخابي على حدة، وإنما على أساس برنامج حكومي مشترك. وقد أكدت المحكمة الدستورية هذا المعنى صراحة، معتبرة أن تنصيب الحكومة ينصب على البرنامج الذي تتقدم به، وأن الحكومة تعمل، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ هذا البرنامج وفق الفصل 89. كما أوضحت أن تغيير بعض مكونات الحكومة لا يعني بالضرورة تقديم برنامج جديد ما دامت الحكومة مستمرة في تنفيذ البرنامج الذي حصلت على أساسه على الثقة. وبذلك ينتقل الالتزام من صيغة: “هذا ما يعد به الحزب ناخبيه” إلى صيغة: “هذا ما تلتزم الحكومة بتنفيذه أمام البرلمان.”

وهذه النقلة هي جوهر دراستنا؛ لأنها تكشف أن الشرعية السياسية لا تتحرك في خط مستقيم، وإنما تمر عبر إعادة صياغة مؤسساتية للوعود.

ثالثاً: الائتلاف الحكومي بوصفه آلية لإنتاج التسوية السياسية

لا ينبغي النظر إلى التسوية الائتلافية باعتبارها انحرافاً عن الديمقراطية، فهي جزء من طبيعة الديمقراطية التعددية. ففي الحكومة الائتلافية لا يستطيع كل حزب أن يفرض برنامجه كاملاً، وإنما يتعين عليه التفاوض حول الأولويات المشتركة. وتأخذ هذه التسوية عدة أشكال:

1) التقاطع البرنامجي: يتم إعطاء الأولوية للقضايا التي توجد حولها درجة مرتفعة من الاتفاق بين الأحزاب.

2) التسوية: تتم إعادة صياغة بعض الوعود الأكثر حدة في صورة إجراءات تدريجية أو حلول وسط.

3) المقايضة السياسية: قد يقبل حزب بأولوية حليف في مجال معين مقابل الحصول على دعم في مجال آخر. وتعرف الأدبيات المقارنة هذه الآلية بمفهوم logrolling.

Le logrolling en politique et législation est un échange de bons procédés ou de votes entre des législateurs, souvent résumé par l’expression « tu votes pour mon projet et je vote pour le tien ». Les élus soutiennent des lois qui ne les intéressent pas directement pour obtenir en échange des voix sur leurs propres priorités. L’objectif est de permettre l’adoption de textes législatifs grâce à des alliances stratégiques.

4) التأجيل: يمكن تأجيل القضايا التي يتعذر الاتفاق حولها، خصوصاً عندما تكون ذات طبيعة إيديولوجية أو مجتمعية حساسة.

5) الصياغة المرن: ة قد تدرج بعض القضايا في البرنامج الحكومي بصياغة عامة تسمح بهامش واسع للتأويل أثناء التنفيذ.

وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن التفاوض داخل الحكومات المتعددة الأحزاب لا يتعلق فقط بتوزيع المناصب، وإنما أيضاً بتحديد السياسات التي ستدخل في الاتفاق الحكومي، وأن القوة التفاوضية للحزب تؤثر في حجم ما يستطيع إدراجه من أولوياته.

وعليه، فإن البرنامج الحكومي يمكن فهمه سوسيولوجياً باعتباره نتاجاً لتوازنات القوة داخل الائتلاف، وليس مجرد وثيقة تقنية محايدة.

رابعاً: من الوعد الانتخابي إلى المسؤولية المشتركة

تطرح الحكومة الائتلافية مشكلة أساسية تتعلق بـ إسناد المسؤولية السياسية. فعندما تنفذ الحكومة قراراً معيناً، من الصعب أحياناً تحديد الحزب الذي يتحمل المسؤولية وحده، لأن القرار قد يكون نتيجة تفاوض بين عدة أحزاب. وتطرح هذه المسألة ما يمكن تسميته “مفارقة المسؤولية المشتركة” : كلما اتسعت المشاركة الحزبية في اتخاذ القرار، أصبحت المسؤولية موزعة على عدد أكبر من الفاعلين؛ وكلما توزعت المسؤولية، أصبح من الصعب على الناخب تحديد الجهة التي ينبغي محاسبتها. وقد تناولت الأدبيات المقارنة هذه الإشكالية في سياق الحكومات الائتلافية، حيث يصبح إسناد المسؤولية عن النتائج الحكومية أكثر تعقيداً بسبب تعدد الأطراف المشاركة في القرار. ومن ثم يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للمسؤولية:

المستوى الأول: الحزب وهو مسؤول عن برنامجه الانتخابي وعن تفسير خياراته أمام ناخبيه.

المستوى الثاني: الائتلاف وهو مسؤول عن التسويات التي تم التوصل إليها بين مكوناته.

المستوى الثالث: الحكومة وهي المسؤولة دستورياً وسياسياً عن تنفيذ البرنامج الحكومي الذي حصلت على أساسه على ثقة مجلس النواب.

وهذا التمييز ضروري حتى لا يتم الخلط بين المسؤولية الانتخابية للحزب والمسؤولية الحكومية للائتلاف.

خامساً: الفجوة بين الوعد والتنفيذ ومشكلة الثقة السياسية

لا تكمن المشكلة الديمقراطية في عدم تنفيذ كل وعد انتخابي بالضرورة، لأن الظروف الاقتصادية والمؤسساتية والسياسية قد تجعل تنفيذ بعض الوعود صعباً أو مستحيلاً.

وقد أظهرت الدراسات المقارنة أن الوعود المقدمة من الأحزاب المشاركة في حكومات ائتلافية تكون، في المتوسط، أكثر عرضة لعدم التنفيذ من وعود الأحزاب التي تحكم منفردة، لأن الحزب الائتلافي مضطر إلى مراعاة مواقف شركائه. كما أن الوعود التي تدخل في الاتفاق الائتلافي تكون أكثر احتمالاً للتنفيذ من تلك التي تبقى خارجه. لكن المشكلة تظهر عندما لا يتم تفسير هذا التغيير للناخبين.

فإذا وعد حزب بإجراء معين، ثم دخل الحكومة، ثم اختفى الوعد من البرنامج الحكومي دون تفسير سياسي واضح، تنشأ فجوة بين التوقع الانتخابي والممارسة الحكومية. وهذه الفجوة يمكن أن تؤثر في الثقة السياسية وفي تصور المواطنين لجدوى التصويت.

ومن منظور المساءلة الديمقراطية، تصبح درجة وضوح الوعد عاملاً مهماً؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن الغموض في صياغة الوعود يمكن أن يقلل من قدرة الناخبين على معاقبة الأحزاب عندما لا تنفذها، لأنه يصعب تحديد معيار واضح للحكم على الأداء. وبالتالي فإن المشكلة ليست فقط في عدم الوفاء، وإنما أيضاً في صعوبة قياس الوفاء وتحديد المسؤول عنه.

سادساً: التضامن الحكومي مقابل الحفاظ على الهوية الحزبية

تنتج الحكومة الائتلافية وضعاً مزدوجاً بالنسبة إلى الأحزاب المشاركة فيها. فالحزب مطالب، من جهة، بالدفاع عن التضامن الحكومي والبرنامج المشترك، لكنه مطالب، من جهة أخرى، بالحفاظ على هويته السياسية وتمييز نفسه عن حلفائه. وتزداد هذه المفارقة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فالحزب الحكومي قد يسعى إلى:

 نسب بعض الإنجازات إلى وزرائه أو قياداته؛

 إبراز اختلافه عن حلفائه؛

 التنصل من بعض القرارات غير الشعبية؛

 تقديم نفسه باعتباره صاحب المبادرة في الملفات الاجتماعية أو الاقتصادية؛

 حماية رصيده الانتخابي من آثار المشاركة في القرارات الحكومية غير الشعبية.

وهكذا لا يعود التنافس السياسي مقتصراً على الحكومة والمعارضة، وإنما يظهر أيضاً داخل الأغلبية نفسها.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يعكس ذلك تناقضاً بنيوياً بين وظيفتين للحزب: الحزب بوصفه شريكاً في الحكم، والحزب بوصفه فاعلاً انتخابياً يسعى إلى إعادة إنتاج موقعه السياسي.(موضع مقال لاحق) وهذا التوتر يمكن أن ينتج ما نسميته بالتنافس من داخل الأغلبية. ولنا في ذلك مثال في المشهد السياسي المغربي والصراع المستمر لإعادة توزيع موازين القوى بين أحزاب التحالف الحكومي السابق بين كل من حزب الاصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار استعدادا للانتخابات التشريعية 2026.

سابعاً: تجربة 2017 واختبار حدود التفاوض الائتلافي

تشكل أزمة تشكيل الحكومة المغربية بعد انتخابات 2016 مثالاً مهماً لدراسة العلاقة بين الشرعية الانتخابية والقدرة على بناء الأغلبية. فقد عُيّن عبد الإله بنكيران من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب رئيساً للحكومة، وفق مقتضيات الفصل 47. وبعد تعثر المفاوضات، أعفي من مهمة تشكيل الحكومة، ثم عُين سعد الدين العثماني من الحزب نفسه لمواصلة عملية التشكيل.

وتكشف هذه التجربة عن حقيقة أساسية: التصدر الانتخابي لا يساوي تلقائياً القدرة على تشكيل الحكومة. فالحزب المتصدر يمتلك أفضلية دستورية في عملية التكليف، لكنه يحتاج إلى بناء أغلبية قادرة على دعم الحكومة داخل البرلمان. ومن ثم فإن الشرعية الانتخابية تمثل نقطة بداية، بينما يتطلب الحكم الفعلي تحويل هذه الشرعية إلى أغلبية مؤسساتية. وهنا يظهر الفرق بين : الصدارة الانتخابية و القدرة على إنتاج الأغلبية الحكومية. وهي ثنائية ذات أهمية خاصة في علم الاجتماع السياسي، لأنها تكشف أن السلطة السياسية لا تتحدد فقط بعدد الأصوات، وإنما أيضاً بالقدرة على بناء التحالفات والمؤسسات والتسويات.

ثامناً: المؤسسة الملكية والمرجعية الدستورية في حالات الانسداد

لا يمكن فهم تدبير الأزمات السياسية في المغرب بمعزل عن الإطار الدستوري المنظّم لموقع المؤسسة الملكية واختصاصاتها. فالفصل 42 من الدستور يكرّس مكانة الملك باعتباره “الحكم الأسمى بين مؤسساتها”، ويسند إليه السهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي. غير أن هذا المقتضى لا ينبغي تأويله باعتباره تفويضاً عاماً للتحكيم السياسي، إذ تظل ممارسة الاختصاصات الملكية خاضعة للضوابط الدستورية المحددة لها.

وفي هذا السياق، يقتضي التمييز بين الدور الدستوري للمؤسسة الملكية ومسؤولية الأحزاب في تدبير التفاوض السياسي وبناء التحالفات وتشكيل الأغلبية. فلكل مستوى اختصاصاته وآلياته، بما يجعل التجربة المغربية أقرب إلى بنية متعددة المستويات تتفاعل داخلها الشرعية الانتخابية والاختصاصات الدستورية والتوازنات الحزبية.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الاستقبال الملكي الثاني لرئيسة الحكومة المكلفة باعتباره مواكبة لمسار تشكيل الحكومة في إطار الاختصاصات الدستورية، دون اعتباره، في غياب معطيات رسمية تؤكد ذلك، تدخلاً مباشراً لحسم الانسداد السياسي. فبينما تظل مسؤولية التفاوض وبناء الأغلبية ملقاة على عاتق الأحزاب، تضطلع المؤسسة الملكية بدورها الدستوري في ضمان حسن سير المؤسسات، بما يبرز التمايز بين تدبير الخلافات الحزبية وصيانة انتظام الحياة المؤسساتية.

تاسعاً: المحكمة الدستورية: الحكم القانوني لا الوسيط السياسي

تحتل المحكمة الدستورية موقعاً مهماً في حماية النظام الدستوري، غير أن دورها لا ينبغي الخلط بينه وبين التحكيم السياسي بين أحزاب الائتلاف. فالمحكمة تفصل في المنازعات الدستورية والقانونية التي تدخل في نطاق اختصاصها. ومن أمثلة ذلك الخلاف حول طبيعة المجال الذي يدخل فيه نص تشريعي أو تنظيمي، وفق المقتضيات الدستورية ذات الصلة. وبالتالي فهي تمثل حكماً قانونياً يحدد حدود الاختصاص والدستورية، وليست هيئة للتفاوض بين الأحزاب أو لإعادة بناء التحالفات الحكومية. وهذا التمييز ضروري سوسيولوجياً، لأنه يفصل بين مستويين من إنتاج الشرعية:

الشرعية القانونية التي تحميها المحكمة الدستورية، و الشرعية السياسية التي تنتجها الانتخابات والتفاوض والائتلاف والثقة البرلمانية.

عاشراً: الائتلاف الحكومي المغربي بين منطق التوافق ومنطق المسؤولية

تكشف الحالة المغربية عن نموذج مركب للائتلاف الحكومي لا يمكن اختزاله في النموذج البرلماني الأوروبي. فالحكومة تتشكل داخل نظام تعددي، لكن اشتغالها يخضع لبنية دستورية خاصة، ويؤدي فيه رئيس الحكومة دوراً مركزياً في تنفيذ البرنامج الحكومي. ومن ثم يمكن تحليل الائتلاف الحكومي من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:

1)المستوى الانتخابي ينتج الخريطة الحزبية ويوزع المقاعد ويحدد الحزب المتصدر.

2) المستوى الائتلافي يحول نتائج الانتخابات إلى مفاوضات حول تشكيل الأغلبية وتوزيع المسؤوليات وصياغة الأولويات المشتركة.

3)المستوى الدستوري يحدد قواعد تشكيل الحكومة وتنصيبها وعلاقتها بالبرلمان ومسؤوليتها عن تنفيذ البرنامج الحكومي. وهذا يعني أن الانتقال من الشرعية الانتخابية إلى الشرعية الحكومية ليس انتقالاً آلياً، بل هو عملية إعادة إنتاج للشرعية عبر التفاوض والمؤسسات.

حادي عشر: من شرعية الاقتراع إلى شرعية الإنجاز

تكمن القيمة السوسيولوجية الأساسية لهذه الدراسة في أنها تنقل النقاش من سؤال: “من فاز في الانتخابات؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “ماذا يستطيع الفائز أن يفعل بعد الانتخابات ؟”

فالانتخابات تنتج تمثيلاً، لكنها لا تحدد وحدها مضمون السياسات الحكومية. والبرنامج الانتخابي يقدم وعوداً، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى برنامج تنفيذي. والائتلاف ينتج أغلبية، لكنه يعيد توزيع المسؤولية السياسية.

ومن هنا يمكن اقتراح نموذج تحليلي يقوم على أربع حلقات:

الاقتراع → التمثيل → التفاوض → الإنجاز

في الحلقة الأولى يمنح المواطن صوته. وفي الثانية يتحول الصوت إلى تمثيل حزبي وبرلماني. وفي الثالثة تدخل الأحزاب في عملية تفاوض لإنتاج الأغلبية والبرنامج الحكومي. وفي الرابعة تخضع الحكومة لاختبار التنفيذ والمساءلة. وإذا حدث انقطاع في إحدى هذه الحلقات، تظهر مشكلة الشرعية.

فالعزوف الانتخابي، مثلاً، قد يعكس ضعف الثقة في التمثيل؛ بينما عدم الوفاء بالوعود قد يضعف الثقة في قدرة الأحزاب على تحويل التصويت إلى سياسات؛ كما أن غموض المسؤولية داخل الائتلاف قد يجعل المواطن عاجزاً عن تحديد الجهة التي ينبغي مساءلتها. وبذلك تصبح شرعية الإنجاز امتداداً ضرورياً لشرعية الاقتراع.

خاتمة

إن الانتقال من البرنامج الانتخابي إلى البرنامج الحكومي لا يمثل مجرد عملية تقنية لصياغة وثيقة حكومية، بل يكشف عن مسار معقد لإعادة بناء الشرعية السياسية داخل النظام التمثيلي. فالبرنامج الانتخابي يمنح الحزب أساس علاقته بالناخب، بينما يمنح البرنامج الحكومي الحكومة أساس علاقتها بالبرلمان. وبين الاثنين توجد مساحة تفاوضية تعاد فيها صياغة الوعود، وتحدد فيها أولويات الأغلبية، وتوزع المسؤوليات بين الأحزاب والشركاء والحكومة.

ومن ثم، فإن التنازل عن بعض الوعود لا يمثل في حد ذاته دليلاً على فشل الديمقراطية؛ فقد يكون نتيجة طبيعية للتفاوض الائتلافي. لكن المشكلة الديمقراطية تبدأ عندما تصبح التنازلات غير واضحة، أو عندما يتعذر على المواطن تحديد الجهة التي اتخذت القرار، أو عندما تستخدم الأحزاب الطابع الجماعي للحكومة للتنصل من مسؤوليتها السياسية. وعليه، فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون فقط:

هل نفذت الحكومة برنامجها ؟ او ما الذي بقي من البرامج التي انتخب المواطنون الأحزاب على أساسها ؟ ما الذي تغير أثناء مفاوضات تشكيل الأغلبية ؟ من اتخذ قرار التغيير؟ ومن يتحمل مسؤوليته أمام الناخب ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تنقل تحليل الانتخابات من مجرد دراسة توزيع الأصوات والمقاعد إلى دراسة مسار تحويل التصويت إلى سياسات عمومية. ومن هنا يمكن القول إن الديمقراطية لا تختبر فقط في لحظة الاقتراع، وإنما في المسافة التي تفصل بين الوعد والتنفيذ، وبين التمثيل والإنجاز، وبين السلطة والمساءلة. فإذا كانت شرعية الاقتراع تمنح الحكومة نقطة الانطلاق، فإن شرعية الإنجاز هي التي تحدد قدرتها على الحفاظ على الثقة السياسية وإعادة إنتاجها.

المراجع

• Bourdieu, P. (1981). La représentation politique. Éléments pour une théorie du champ politique. Actes de la recherche en sciences sociales, 36-37, 3-24.

• Bourdieu, P. (1984). La délégation et le fétichisme politique. Actes de la recherche en sciences sociales, 52-53, 49-55.

• Dalton, R. J. (2004). Democratic Challenges, Democratic Choices: The Erosion of Political Support in Advanced Industrial Democracies. Oxford: Oxford University Press.

• Eichorst, J. (2014). “Explaining Variation in Coalition Agreements: The Electoral and Policy Motivations for Drafting Agreements.” European Journal of Political Research.

• Kayser, M. A., Rehmert, J., & Schleiter, P. (2026). “Policy as a Bargaining Outcome: Coalition Leverage and Pledge Fulfillment.” British Journal of Political Science.

• Laver, M., & Shepsle, K. A. (1996). Making and Breaking Governments: Cabinets and Legislatures in Parliamentary Democracies. Cambridge: Cambridge University Press.

• Manin, B. (1995). Principes du gouvernement représentatif. Paris: Calmann-Lévy.

• Matthieß, T. (2020/2026). “Retrospective Pledge Voting: A Comparative Study of the Electoral Consequences of Government Parties’ Pledge Fulfilment.” European Journal of Political Research.

• Müller, W. C., & Strøm, K. (Eds.). (2000). Coalition Governments in Western Europe. Oxford: Oxford University Press.

• Pitkin, H. F. (1967). The Concept of Representation. Berkeley: University of California Press.

• Sartori, G. (1976). Parties and Party Systems: A Framework for Analysis. Cambridge: Cambridge University Press.

• Strøm, K. (1990). Minority Government and Majority Rule. Cambridge: Cambridge University Press.

• Strøm, K., Müller, W. C., & Bergman, T. (Eds.). (2008). Cabinets and Coalition Bargaining: The Democratic Life Cycle in Western Europe. Oxford: Oxford University Press.

• Thomson, R. (2001). “The Programme to Policy Linkage: The Fulfilment of Election Pledges on Socio-Economic Policy in the Netherlands, 1986–1998.” European Journal of Political Research, 40(2), 171–197.

• Thomson, R., Royed, T., Naurin, E., Artés, J., Costello, R., & Ennser-Jedenastik, L. (2017). “The Fulfillment of Parties’ Election Pledges: A Comparative Study on the Impact of Government Type.” European Journal of Political Research.

• دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ولا سيما الفصول 42، 47، 51، 79، 88، 89، 96 وما يرتبط بها من مقتضيات.

• المحكمة الدستورية المغربية، الاجتهادات المتعلقة بالبرنامج الحكومي والرقابة الدستورية واختصاصات البرلمان والحكومة.

• المحكمة الدستورية المغربية، القرار المتعلق بتفسير آثار تغيير مكونات الحكومة على البرنامج الحكومي، والذي أكد أن تنصيب الحكومة يتم على أساس البرنامج الذي تعرضه أمام البرلمان وأنها تلتزم بتنفيذه.

المصدر: فوزية البيض

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز