مقدمة في المؤلفية الأكاديمية بعد الذكاء الاصطناعي
تفترض الجامعة، عندما تمنح درجة الدكتوراه، أن الأطروحة المعروضة باسم الباحث تشهد على عمل فكري أنجزه ويمكنه الدفاع عنه. وقد أصبح هذا الافتراض موضع اختبار بعد انتشار النماذج اللغوية القادرة على اقتراح الإشكالية، وترتيب الحجج، وإعادة الصياغة، بل وتوليد قوائم بالمراجع. لا تحسم معرفة الشخص الذي كتب الأوامر مسألة المؤلفية؛ فالمطلوب تحديد من قرأ المصادر، واختبر المعلومات، واتخذ القرارات التي بُني عليها الاستنتاج. ويزداد السؤال إلحاحاً عندما يشتمل النص على مرجع مختلق أو دعوى لا يستطيع صاحبه تعليلها. عندئذ لا يكفي الإعلان العام عن استعمال الذكاء الاصطناعي، لأن النزاهة تتعلق أيضاً بإنجاز الباحث للعمل المعرفي الذي تمنحه المؤسسة على أساسه الدرجة.
منذ أن أصبحت النماذج اللغوية التوليدية قادرة على إنتاج صفحات متماسكة في ثوانٍ وجدت الجامعة نفسها أمام ظاهرة لا تشبه تماماً ما عرفته مع النسخ الحرفي أو شراء البحوث الجاهزة. كان الانتحال التقليدي يفترض، في الغالب، وجود نص سابق يمكن مقارنة النص الجديد به؛ أما النص المولد آلياً فيستطيع أن يبدو جديداً على مستوى الصياغة، مع أنه مركب من انتظامات تعلمها النظام من كتل هائلة من الخطابات السابقة. ولهذا لا يكون السؤال الحاسم: «هل هذه الجملة منقولة؟» بل: «مَن أنجز الفعل العلمي الذي تدعي الجملة أنها ثمرة له؟». هنا يتغير مركز النزاع من ملكية الألفاظ إلى ملكية المسار المعرفي نفسه، ومن التشابه النصي إلى حقيقة المشاركة في بناء السؤال والبرهان والتفسير. لقد اعتدنا، في النقد الحديث، أن نعامل المؤلف بحذر. فرولان بارت أعلن موت المؤلف لكي يحرر النص من طغيان النية والسيرة، ولكي يرد الكتابة إلى تعدد اللغات التي تتقاطع فيها لا إلى ذات فردية تزعم أنها مصدرها الأول. وميشيل فوكو، من جهته، لم يسأل عن الشخص الذي كتب بقدر ما سأل عن «وظيفة المؤلف» داخل نظام الخطاب: ما الذي يجعل اسماً معيناً يؤدي دوراً في التصنيف والتداول والملكية والمساءلة؟ لكن ما كان في النظرية النقدية تفكيكاً لأسطورة الأصل يتحول، في الجامعة المعاصرة، إلى مفارقة عملية: قد لا يكون المؤلف أصل كل ما يقوله النص، لكنه يظل الشخص الذي تمنحه المؤسسة درجة علمية على أساس أنه يتحمل مسؤولية ما يقوله النص. إن موت المؤلف التأويلي لا يستلزم موت المؤلف الأخلاقي.
انتقل النقاش الذي أعقب ظهور ChatGPT سريعاً من الكشف عن الغش إلى قضايا أوسع، منها الإفصاح عن الاستخدام وتصميم التقويم ومعايير المؤلفية. وتبين الأدبيات المشار إليها في دراستنا أن الحكم الأخلاقي لا يتوقف على وجود الأداة وحده، وإنما يتأثر بنوع المهمة التي أُسندت إليها وبمقدار اعتماد الباحث على ناتجها. وتلتقي المراجعات المنشورة في 2025 و2026 عند ضرورة إبقاء المسؤولية على الإنسان، وتوضيح الاستخدامات المؤثرة، وعدم اتخاذ الكشف الآلي دليلاً مؤسسياً منفرداً. كما بدأت أبحاث الكتابة الدكتورالية ترصد تغيرات محتملة في بناء الموقف الحجاجي، وهو ما يجعل المؤلفية في الأطروحة مشكلة بحثية قابلة للدراسة وليست مجرد احتمال نظري.
يقتضي التحليل التمييز بين استعمالات مختلفة لكلمة «المؤلف». فقد تدل على مصدر أول للمعنى، وهو التصور الذي نقدته نظريات النص الحديثة. وقد تدل على اسم قانوني ومؤسسي تُنسب إليه حقوق وواجبات. أما المعنى الذي نعتمده في هذه المقالة فيتصل بالفاعلية المعرفية: المؤلف هو من يستطيع إعادة بناء الطريق الذي انتقل به من السؤال إلى دعوى قابلة للدفاع. وتكشف الأدوات التوليدية هشاشة هذا المعنى الأخير، لأن النص قد يحتفظ بهيئة الأطروحة حتى عندما تُفوَّض بعض أعمال القراءة والمقارنة والترجيح إلى النظام.
لم تكن الكتابة العلمية نشاطاً فردياً خالصاً. فالباحث يستخدم المعاجم وقواعد البيانات والبرامج، ويستفيد من المشرفين والزملاء والمراجعين، كما تتشكل أطروحته عبر الاقتباس والحوار مع نصوص سابقة. وقد أوضح فوكو أن وظيفة المؤلف بناء تاريخي تضبطه المؤسسة، وليست أثراً تلقائياً لفرد يقف خارج الخطاب. لذلك لا يصلح مجرد الفصل بين البشري والآلي معياراً للحكم. الأهم هو معرفة المهمة التي تولتها الأداة، والقرارات التي احتفظ بها الباحث، ومدى قدرته على تعليل النتائج التي اعتمدها.
لا نفترض باحثاً يعمل في عزلة، كما أننا لا نعامل النموذج التوليدي كأداة كتابية محايدة. فهذا النموذج يقترح مضموناً وينظم احتمالات الحجة، وقد يؤثر في تصور المستخدم للمشكلة قبل أن تبدأ الصياغة النهائية. إنه وسيط جديد بين الباحث ومصادره. ومن ثم يحتاج تقويم استعماله إلى أسئلة معرفية محددة: كيف انتقلت المعلومة إلى النص؟ ما الذي راجعه الباحث بنفسه؟ وعلى أي أساس نسب النتيجة إلى عمله؟
نعتمد تحليلاً فلسفياً مفاهيمياً لمفاهيم المؤلف والتوقيع والفاعلية المعرفية، يتبعه نقد معياري للسياسات الجامعية. ولا نقيس معدلات استخدام الطلبة ولا نقترح لائحة تقنية موحدة لكل التخصصات. ويشير مفهوم «السيادة النقدية» هنا إلى احتفاظ الباحث بقرار القبول والرفض والتحقق. أما «التفويض» فهو إسناد مهمة إلى الأداة، ويتحول إلى إحلال عندما يؤدي الناتج الخوارزمي عملاً معرفياً يفترض أن ينجزه الباحث في سياق تكوينه. وقد اخترنا الأطروحة الدكتورالية لأن الدرجة تصدق على قدرة شخص على إنتاج معرفة والدفاع عنها، لا على سلامة نص منفصل عن صاحبه.
أولاً الإطار الفلسفي للمؤلفية في العصر الخوارزمي
المؤلف بين الوظيفة والتوقيع
نميز فرقاً نوعياً بين برنامج يصحح فاصلة ونظام يقترح بنية فصل كامل. يتدخل الأول في سطح العبارة، وقد يعيد الثاني تشكيل خريطة التفكير. وقد تبدو الحدود متدرجة وغير حاسمة، لكنها لا تصبح لذلك عديمة المعنى. حين نطلب من أداة توليدية تحسين أسلوب فقرة سبق أن بنينا حجتها وراجعنا مصادرها، فإننا نستخدمها في منطقة قريبة من التحرير. أما حين نطلب منها استخراج «أهم الإشكالات»، أو تلخيص كتاب لم نقرأه، أو تركيب موقف فيلسوف من شذرات غير متحقق منها، أو إنتاج قائمة مراجع ثم نبني عليها، فنحن ننقل إليها جزءاً من العمل الذي يفترض أن تكون الأطروحة شاهداً على اكتسابنا القدرة عليه.
تساعدنا فلسفة جاك دريدا على فهم هذه المنطقة من زاوية مختلفة. فالتوقيع لا يعمل لأنه حضور جسدي دائم لصاحبه، بل لأنه قابل للتكرار خارج لحظة إنشائه؛ ومع ذلك فإن هذه القابلية لا تلغي علاقته بمسؤولية مَن يوقّع. وتغدو الأطروحة الجامعية بدورها «توقيعاً» موسعاً: لا تعني أن كل كلمة خرجت من ذات منعزلة، لكنها تعني أن صاحب الاسم يقر بأن هذا البناء يمثل موقفاً يستطيع حمل تبعاته. عندما تتكاثر الوسائط بين الباحث والنص، لا يصبح التوقيع بلا معنى، بل يصبح محتاجاً إلى شروط أوضح: ما الذي يوقع عليه الباحث تحديداً؟ أهو على سلامة اللغة فقط، أم على صحة المعلومات، أم على المعقولية الحجاجية، أم على كل ذلك معاً؟
حين كتب فوكو عن وظيفة المؤلف، كان يلفت النظر إلى أن الاسم لا يعمل كاسم شخص فحسب، بل كأداة لتنظيم الخطاب: به تتجمع نصوص، وتُقبل نسبتها أو تُرفض، وتُرتب قيمتها، ويُضبط تداولها. وهو يبين أن وظيفة المؤلف مرتبطة، تاريخياً، بنظم الملكية والعقاب والمسؤولية. وتكتسب هذه الفكرة، في زمن الذكاء الاصطناعي، طاقة تفسيرية جديدة. فالجامعة لا تسأل فقط: «من أنت؟» بل تسأل: «بأي حق ينسب هذا العمل إليك؟». ولا تتحدد النسبة هنا بمسألة أسلوب شخصي؛ إنها علاقة بين اسم ومجموعة من الأفعال القابلة للتحقق: جمع مادة، تحليلها، صياغة فرضية، اختبارها، قبول اعتراضات، تعديل استنتاجات.
لا تكمن المشكلة، من هذه الزاوية، في أن الآلة «شاركت» في الكتابة، لأن المشاركة مفهوم واسع. ويكمن السؤال في ما إذا ظل اسم الباحث يؤدي وظيفة صادقة. إذا تحول الاسم إلى غطاء مؤسسي لعمل لم يعد صاحبه قادراً على تفسيره، وقع الانفصال بين التوقيع والمسؤولية. ويمكن أن يكون النص جديداً تماماً من ناحية التشابه اللفظي، ومع ذلك يكون التوقيع عليه مضللاً. ولا تتحدد النزاهة العلمية فقط بنفي السرقة، بل بصدق النسبة: أن تكون العلاقة المعلنة بين الفاعل والعمل علاقة حقيقية.
لا يمنح بارت نفسه، حين يصف النص بأنه نسيج من اقتباسات آتية من مراكز ثقافية متعددة، الكاتب ترخيصاً لعدم المسؤولية؛ بل يهدم ادعاء الأصل المطلق. ويظل الفرق جوهرياً. ولا يحتاج الباحث إلى أن يكون خالق كل فكرة لكي يكون مؤلفاً؛ يحتاج إلى أن يكون هو الذي يختار لماذا تستدعى فكرة هنا، ويعرف مصدرها، ويدرك أثرها في بنية الحجة. ويظل التناص البشري عملية مثقلة بالذاكرة والتاريخ والاختيار، أما التجميع الخوارزمي فيعمل وفق حسابات احتمالية لا تتحمل بذاتها مسؤولية الانتقاء. ولهذا لا يمكن أن نساوي بين «كل كتابة هي إعادة كتابة» و«كل تفويض للنموذج مقبول»؛ فالعبارتان تنتميان إلى مستويين مختلفين.
تبلغ المفارقة ذروتها في الصفحة الأخيرة من نص فوكو تقريباً، حيث يتخيل ثقافة يمكن أن يدور فيها الخطاب من دون الحاجة إلى سؤال «من هو المؤلف الحقيقي؟»، وأن تحل محل ذلك أسئلة عن أنماط وجود الخطاب، وأماكن تداوله، والجهات التي تسيطر عليه. وقد يبدو الذكاء الاصطناعي تحقيقاً تقنياً لهذا الأفق: نصوص بلا أصل فردي واضح، تتولد من أنظمة تستوعب تراثاً خطابياً واسعاً. غير أن الجامعة لا تستطيع ببساطة تبني هذا اللاتعيين، لأن الدرجة الأكاديمية ليست جائزة للنص بوصفه كائناً حراً؛ إنها اعتراف بقدرة شخص. ما تستطيع النظرية أن تحرره من المؤلف في مجال التأويل، تعيده المؤسسة في مجال التقويم.
يكشف الذكاء الاصطناعي أن الجامعة اعتمدت زمناً مفهوماً مركباً للمؤلف. فهي تعلم أن الباحث يستعين بأشخاص وأدوات، لكنها تنسب إليه في النهاية مسؤولية العمل وإمكان مساءلته عنه. وكان هذا الجمع مستقراً ما دام إنتاج نص متماسك يتطلب عادة المرور بجزء كبير من تجربة البحث. أما اليوم، فقد ينفصل النص المصقول عن تلك التجربة. لذلك تحتاج المؤسسة إلى التصريح بمعيار النسبة الذي كانت تفترضه ضمنياً.
نقترح ربط متطلبات الإفصاح والتحقق بطبيعة المهمة المسندة إلى النظام. يظل التصحيح الإملائي تدخلاً تحريرياً محدوداً، في حين يؤثر توليد مراجعة الأدبيات أو تفسير البيانات مباشرة في الكفايات التي تقيسها الأطروحة. ولهذا يحتاج الاستخدام الثاني إلى توثيق أوضح وإلى إمكان مناقشته مع الباحث. يسمح هذا التدرج بوضع قاعدة قابلة للتطبيق من غير البحث في نيات المستخدمين.
الأداء اللغوي وحدود الفهم
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً لأن النماذج اللغوية الكبيرة تنتج «أداءً لغوياً» قد يوهم بالفهم. واقترح لوتشيانو فلوريدي وصف هذه الأنظمة باعتبارها شكلاً من الوكالة من دون ذكاء بالمعنى الإنساني: تستطيع إنجاز مهام بنجاح من غير أن يكون نجاحها مطابقاً لامتلاك وعي أو فهم أو قصد. وتكمن خطورة هذا التمييز في المجال الجامعي في أن الشكل الظاهر للنص العلمي ــ التعريف، التقسيم، الانتقال، الاستشهاد، الخلاصة ــ يمكن محاكاته بدرجة عالية، بينما لا يوجد خلفه بالضرورة ذلك النوع من العلاقة بالعالم والمصدر الذي نسميه معرفة.
نبّه فلوريدي وماسيمو كيريتي، في تحليلهما لـGPT-3، إلى ضرورة الفصل بين النجاح اللغوي والقدرة البشرية على الفهم. وقد ازدادت أهمية هذا التنبيه مع تحسن الصياغة في النماذج اللاحقة؛ إذ تمنح البنية الأكاديمية والنبرة الواثقة الجواب سلطة قد لا تسندها مراجع صحيحة. تظهر هنا مسألة جمالية تخص صورة المعرفة: يمكن للنص أن يعرض علامات الفهم من ترتيب واتساق قبل استيفاء شروطه المرجعية. ولهذا لم تعد جودة العبارة دليلاً كافياً على نضج البحث، وإن ظلت جزءاً من تقييمه.
استخدمت إميلي بندر وزميلاتها وصف «الببغاوات العشوائية» للتنبيه إلى أن توليد اللغة من انتظامات إحصائية لا يمنح النظام قصداً تواصلياً أو تجربة بالعالم. وفي الأطروحة يتجاوز الخطر اختلاق مرجع؛ فقد يتلقى الباحث تفسيراً مكتمل الصياغة قبل أن يختبر مقاومة النصوص له. والقراءة العلمية لا تسير دائماً في خط مستقيم، إذ قد تفرض مقارنة طبعتين، أو مراجعة فرضية، أو قبول بقاء خلاف تأويلي من دون حسم سريع.
ولهذا شددت إرشادات اليونسكو على أن المخرجات النصية قد تبدو بشرية ومقنعة مع أن النظام لا يفهم ما يولده، وأن على الباحثين والمتعلمين التعامل معها نقدياً لا بوصفها حقيقة جاهزة. ويبدل هذا المبدأ تصورنا للاستعمال المشروع. ولا يُقاس الاستعمال المشروع بما تسمح به الأداة تقنياً، بل بما يبقي سلطة الحكم في يد الباحث. فإذا كان المستخدم لا يستطيع التمييز بين اقتراح صحيح وآخر زائف إلا بالعودة إلى مصادر مستقلة، فإن الاستعمال المسؤول يبدأ من الاعتراف بأن النموذج ليس مرجعاً، وأن نصه ليس دليلاً، وأن اتساقه لا يرفع عنه عبء الإثبات.
التوقيع وقابلية تتبع مسار الكتابة
يعلمنا دريدا أن الكتابة تعمل لأنها تنفصل عن لحظة إنتاجها وعن حضور صاحبها، وأن العلامة يمكن أن تتكرر في سياقات لم يكن المنشئ قادراً على ضبطها. ويشكل هذا الانفصال شرط الكتابة لا حادثتها. وتغادر الأطروحة المنشورة بدورها صاحبها، ويقرأها أشخاص لا يعرفهم، ويقتبسونها في سياقات جديدة. لكن هذه الاستقلالية النصية لم تمنع المجتمعات العلمية من ربطها بتوقيع. والسبب أن التوقيع لا يضمن المعنى النهائي؛ إنه يثبت موضعاً للمساءلة داخل حركة المعنى.
تزيد النماذج التوليدية صعوبة تعقب نشأة العبارة. فقد تجتمع في فقرة واحدة صياغة أولية للباحث، وإجابة مولدة، وتعديلات لاحقة، ومعلومات تحقق منها في مصادر مستقلة. لا تستطيع المؤسسة إعادة بناء أصل كل كلمة، ولا تحتاج إلى ذلك. يكفيها أن تحدد مواضع القرار: صاحب الدعوى، وطريقة التحقق منها، وسبب إدراجها، والشخص القادر على الدفاع عنها. وهنا يمكن أن تكون المسؤولية محددة حتى عندما يظل أصل الصياغة مركباً.
تظهر هنا أهمية مفهوم «القابلية للتتبع». في البحث التجريبي نطلب عادة سجلاً للبيانات والخطوات والمنهج. فلماذا كانت الكتابة النظرية، زمناً طويلاً، أقل احتفاظاً بأثر مسارها؟ لقد سمحت لنا ثقافة الورقة النهائية بأن نتعامل مع النص المصقول كأنه يكفي وحده لإثبات العمل. ويقوض الذكاء الاصطناعي هذا الافتراض، وقد يكون في تقويضه فائدة: يدفعنا إلى استعادة المسودات، دفاتر القراءة، خرائط المفاهيم، سجل المراجع، الملاحظات على المصادر، وأسباب تعديل الفرضية باعتبارها جزءاً من الدليل على التكوين البحثي.
يمكن للتقنية نفسها هنا أن تخدم النزاهة بدل أن تهددها. ليس المقصود مراقبة الباحث مراقبة شاملة، ولا تحويل كل كتابة إلى ملف أمني. ونقصد بناء «أثر كافٍ» يجعل المسار قابلاً للشرح. إذا استُعمل نموذج لغوي لتوليد بدائل عنوان أو لاختبار اعتراضات على حجة، يمكن حفظ هذا الاستخدام في ملحق منهجي مختصر. وإذا استُعمل في تلخيص أولي، ينبغي أن يستطيع الباحث إظهار أنه عاد إلى المصدر الأصلي ولم يعامل الملخص بديلاً. ولا تمثل الشفافية اعترافاً بالذنب، بل تقنية لإبقاء التوقيع متصلاً بالفعل.
ينبغي أن يصف الإفصاح وظيفة الأداة في البحث، لا أن يكتفي بعبارة عامة مثل «استُخدم ChatGPT في إعداد هذا العمل». ويشمل الوصف اسم الأداة ومرحلة الاستخدام وطبيعة المهمة ومقدار الاعتماد على المخرج وطريقة التحقق منه. ويوافق ذلك الاتجاه الذي يميز الاستخدام التحريري المحدود من الاستخدام المؤثر في الأدلة أو التحليل أو المناقشة. بهذه الصيغة يصبح الإفصاح جزءاً من المنهج الذي يتيح مراجعة العمل.
تربط معايير اللجنة الدولية لمحرري المجلات الطبية صفة المؤلف بالمساهمة الفكرية والمراجعة النقدية والموافقة على النسخة النهائية وقبول المساءلة عن سلامة العمل. وفي تحديث يناير 2026، أكدت اللجنة أن الأدوات التوليدية لا تُسجل مؤلفاً لأنها لا تتحمل مسؤولية الدقة والنزاهة والأصالة، وطلبت من المؤلفين بيان استخدامها ووظيفتها. وعلى الرغم من أن هذه المعايير وُضعت للنشر الطبي، فإنها تفيد النقاش الجامعي لأنها تجعل المؤلف شخصاً يراجع المادة ويوافق عليها ويستطيع الإجابة عنها.
ثانياً الأطروحة ومسؤولية الباحث عن مسار التكوين
صحة النص وسلامة مسار البحث
للنص العلمي صورة مألوفة تتكون من ترتيب العناوين، وتعريف المصطلحات، وطريقة الانتقال بين المقدمات والنتائج. وقد تعلمت النماذج اللغوية محاكاة هذه الصورة بكفاءة. لذلك يمكن أن يبدو النص ثمرة تحليل متأنٍّ مع أنه يختصر خلافاً فلسفياً في ثنائية مريحة أو ينسب إلى المصدر ما لا يقوله. ويجب، عند التقويم، فحص علاقة العبارة بالمادة التي تستند إليها بدلاً من الاكتفاء بسلامة بنائها.
صحة الجمل النهائية لا تكشف وحدها سلامة المسار الذي أُنتجت فيه. فالجامعة تمنح الدرجة لأنها ترى في الأطروحة دليلاً على اكتساب قدرة بحثية، وليس لأن صفحاتها خالية من الأخطاء بعد المراجعة. ومن هذه الزاوية يختلف التفويض الخوارزمي المفرط عن الانتحال: قد يخلو النص من النقل الحرفي، ومع ذلك لا يثبت أن صاحبه مارس القراءة والتحليل اللذين يُفترض أن الدرجة تشهد عليهما. وتدخل صعوبة المصدر وتعارض البيانات ومراجعة الفرضية في تكوين الحكم، ولا تعد زمناً ضائعاً يمكن تجاوزُه دائماً.
تنبّه بندر وزميلاتها إلى أن أحجام بيانات التدريب لا تلغي المشكلات المتعلقة بالتحيز والتمثيل، وأن تكبير النماذج يمكن أن يعيد إنتاج علاقات القوة الموجودة في المادة التي تعلمت منها. وهذه النقطة جوهرية في العلوم الإنسانية. ولا يعمل الباحث فقط على «معلومة»، بل على صراع تأويلات وأصوات مهمشة وطبقات تاريخية. إذا كانت الأداة تميل إلى الأكثر شيوعاً في بياناتها، فإنها قد تقدم الإجماع الظاهر بوصفه الحقيقة، وتدفع أطرافاً أقل حضوراً إلى خارج المشهد. وهنا تصبح المهمة النقدية للباحث مزدوجة: نقد المصدر ونقد الآلة التي رتبت له المصادر.
وتربط اليونسكو نفسها المقاربة المتمحورة حول الإنسان بالحفاظ على الوكالة البشرية والشفافية والمساءلة العامة. ويمكن ترجمة هذا المبدأ داخل الأطروحة إلى قاعدة عملية: لا يجوز أن تكون الآلة هي الموضع الأخير للحكم في أي دعوى قابلة للنزاع. تستطيع أن تقترح، لكن لا أن تحسم؛ أن تنبه، لكن لا أن توثق؛ أن تولد احتمالاً، لكن لا أن تحل محل العودة إلى المصدر. إن الفرق بين الاقتراح والبرهان هو الحد الأخلاقي الأهم في الاستخدام الأكاديمي.
تحتاج العلاقة بين الصقل الأسلوبي والقيمة العلمية إلى مراجعة. فقد تنتج النماذج لغة شديدة السلاسة، ذات انتقالات منتظمة وفقرات متوازنة، من غير أن يكون وراءها تحقق كافٍ. لا تصلح هذه السمات دليلاً على استعمال الذكاء الاصطناعي، لأن الكاتب البشري قد يختار الأسلوب نفسه. لكنها تذكّر بأن جودة الصياغة لا تعوض دقة الإحالة أو وضوح حدود الدعوى. وقد تكون العبارة المتحفظة أدق من تقرير جازم إذا كان المصدر لا يسمح بالحسم.
مهام البحث التي يجب أن يتولاها الباحث
الأطروحة كتاب ومرحلة تكوين في آن واحد. فالنسخة النهائية تختصر عملاً بدأ باختيار الموضوع، ومر بمراجعة المعرفة السابقة وبناء المتن وتعلم المنهج وتعديل الأسئلة بعد فشل بعض الفرضيات. كما يشمل هذا العمل مناقشة المشرف والقدرة على تفسير الاختيارات أمام اللجنة. وإذا انحصر التقويم في جودة المجلد النهائي، صار من الممكن أن يحل نص مولد محل جزء من الخبرة التي يُفترض أن تكشفها الدكتوراه.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مساعداً ممتازاً في أجزاء من هذه السيرة. قد يساعد على استكشاف مفردات بحث، أو تحويل ملاحظات متناثرة إلى أسئلة اختبارية، أو محاكاة اعتراضات، أو تحسين لغة باحث يكتب بغير لغته الأولى. وقد أوصت اليونسكو بالفعل بتطوير استعمالات خلاقة ومسؤولة للذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث، مقرونة بالتدريب والنقد والتحقق. ولا تكمن المشكلة، إذن، في المساعدة ذاتها، بل في أن تصبح النتيجة أقصر طريق يتجاوز ما كان يفترض أن يتعلمه الباحث.
نقترح وصف بعض مهام الأطروحة بأنها غير قابلة للتفويض الكامل. وتشمل هذه المهام تحديد السؤال، وتقرير ما يصلح دليلاً، وتفسير المادة وبناء الاستنتاج والرد على الاعتراض. يمكن للباحث أن يستعين بأداة أثناء أي منها، لكن عليه أن يحتفظ بمنطق القرار وأن يقدر على إعادة بنائه من المصادر والملاحظات. فإذا لم يستطع تفسير سبب قبول الناتج أو تعديله، فقد تحولت المساعدة إلى إحلال في الوظيفة التي يقيسها التكوين.
ويتيح لنا هذا المعيار تجنب قوائم المنع الجامدة. فمن الصعب أن نقول إن «التلخيص» مسموح أو ممنوع بإطلاق. إذا لخص النموذج مقالة كي يساعد باحثاً على تحديد ما إذا كانت تستحق القراءة، ثم عاد الباحث إلى النص، فالاستعمال محدود. أما إذا بُني فصل المراجعة الأدبية على ملخصات لم تُقرأ أصولها، فالوظيفة تغيرت: لم تعد الأداة مرشحاً أولياً بل أصبحت بديلاً عن القراءة. ويتبع الحكم الأخلاقي موقع الفعل في بنية البحث لا اسمه التقني.
قد يعترض أحد بأن البشر أنفسهم يعتمدون على مراجعات ثانوية، وأن لا أحد يقرأ كل شيء. وهذا صحيح. لكن العلم لم يقم قط على ادعاء القراءة الكلية؛ قام على الصدق في درجات الوساطة. حين نستشهد بمصدر ثانوي نقول ذلك، وحين ننقل عن ترجمة نحددها، وحين لم نطلع على أصل نملك تقاليد للإحالة غير المباشرة. ويضيف الذكاء الاصطناعي وسيطاً جديداً، والخطأ أن نخفيه فيبدو كلامه كأنه نتيجة قراءة مباشرة. ولا نطلب مثالية مستحيلة، بل نطلب قابلية التمييز بين ما عرفناه من المصدر وما تلقيناه من وسيط.
يستعيد الدفاع الشفوي أهميته في هذا السياق بوصفه وسيلة للتحقق من علاقة الباحث بعمله. يمكن للجنة أن تطلب منه بيان سبب اختيار مرجع، أو إعادة بناء حجة، أو شرح التعديل الذي أحدثته قراءة معينة في موقفه. وتختبر هذه الأسئلة فهماً لا تقيسه كواشف النصوص. ولا ينبغي أن تتحول المناقشة إلى فخ، وإنما إلى وسيلة للتأكد من أن الدرجة ستُنسب إلى الشخص الذي اكتسب الكفاية المعلنة.
وتزداد أهمية هذا المعيار في الأطروحة لأن الكتابة نفسها جزء من تشكل الهوية المعرفية للباحث. وقد أظهرت دراسة حديثة للكتابة الدكتورالية في الإنجليزية لغةً أجنبية أن انتشار الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقترن بتحولات في مؤشرات الموقف الحجاجي، من قبيل تقليل التحوط وزيادة بعض صيغ الحسم والهوية المؤلفية الضمنية. ولا تسمح هذه النتائج بإسناد كل تغير لغوي إلى أداة بعينها، لكنها تدعم ضرورة ألا تتعامل الجامعة مع «الصوت» بوصفه مجرد بصمة أسلوبية؛ الأهم هو قدرة الباحث على تفسير موقعه الحجاجي، وأسباب اختياراته، وحدود دعواه.
تدعم الدراسات الحديثة الانتقال من العقاب اللاحق إلى إعادة تصميم بيئة التقييم. ويمكن للمؤسسة متابعة المسودات ومناقشة القرارات المنهجية دورياً، كما يمكنها اعتماد مهام ترتبط بمتن خاص أو بمادة محلية، وإضافة دفاعات قصيرة خلال مراحل البحث. ويتيح ملف الإنجاز رؤية تطور التفكير بدلاً من اختزاله في النسخة النهائية. كلما توفرت هذه القرائن، تراجع الاعتماد على التخمين الأسلوبي في الحكم على المؤلفية.
متطلبات المسؤولية بحسب نوع الاستخدام
المسؤولية العلمية علاقة يمكن إسنادها إلى أشخاص محددين. فعند نشر نتيجة، يجب أن يكون ممكناً معرفة من اتخذ القرار المنهجي ومن راجع البيانات والنص. ويؤدي الذكاء الاصطناعي أعمالاً تشبه بعض الأعمال البشرية من دون أن يصبح طرفاً أخلاقياً في المؤسسة. لذلك يظل توزيع المهام محتاجاً إلى تحديد مسؤول بشري، وتزداد هذه الحاجة عندما تدخل في المسار أدوات لا يمكن مساءلتها.
تؤكد معايير النشر الدولية هذا الاتجاه حين تبقي المسؤولية النهائية على المؤلفين البشر حتى في حال استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي. وليس ذلك مجرد محافظة مؤسساتية. فالمسؤولية تتطلب إمكان الاعتذار والتصحيح وتقديم الأدلة وقبول العقوبة عند اللزوم. ولا يملك النظام الخوارزمي سمعة أكاديمية بالمعنى نفسه، ولا درجة يمكن سحبها، ولا التزاماً ذاتياً بالحقيقة. لذلك لا يمكن أن يكون «شريكاً» أخلاقياً حتى لو كان شريكاً تقنياً في الإنتاج.
لكن إبقاء المسؤولية على الإنسان لا يكفي إذا لم نمنحه شروط ممارستها. هنا تظهر مشكلة الواجهة. كثير من الأنظمة تقدم الإجابة من دون أن تكشف بوضوح مصادر كل دعوى أو مسار توليدها. وإذا قبلت الجامعة استعمالها في مهام حساسة، فعليها أن تعلم الباحث أن «عدم القدرة على التحقق» ليس عذراً، بل سبباً لعدم الاعتماد. ولا تمثل المسؤولية جملة تكتب بعد النهاية؛ إنها طريقة استعمال تبدأ قبل الضغط على زر الإرسال.
تختلف متطلبات المسؤولية باختلاف أثر الاستخدام. فالتدخل اللغوي المحدود لا يحتاج إلى مقدار التوثيق المطلوب عندما يسهم النظام في التحليل أو التصنيف أو بناء الحجة. وإذا استُخدم نموذج في تحليل بيانات نوعية، ينبغي الاحتفاظ بالأوامر الأساسية ومعايير التصنيف وعينة من المقارنات البشرية، مع بيان المواضع التي عُدّلت فيها المخرجات. يعكس هذا التوثيق وزن الأداة الفعلي في النتيجة.
لا تقع مسؤولية تنظيم الاستخدام على الطالب وحده. فالقواعد الغامضة التي تُطبَّق بأثر رجعي تضعف العدالة، كما أن مطالبة الطلبة بمعيار «نقاء بشري» غير محدد تتعارض مع استعمال المؤسسة الأدوات نفسها في أعمالها. تحتاج الجامعة إلى سياسة معلنة تشرح الاستخدام المسموح والمشروط والمرفوض، وتقدم تدريباً وأمثلة ومساراً للاستشارة قبل وقوع المخالفة.
وتقع على المشرف أيضاً مسؤولية. إذا كان الإشراف يقتصر على قراءة النسخة النهائية، فإن قدرة المشرف على تمييز نمو الباحث تصبح ضعيفة. أما إذا كان يتابع كيف ظهرت الإشكالية، وما الذي تغير بين المسودات، وكيف بُنيت قائمة المصادر، فإن الذكاء الاصطناعي لا يصبح «لغزاً» كبيراً. وتصبح العلاقة التربوية نفسها أداة نزاهة أقوى من كثير من البرمجيات. إن أزمة الذكاء الاصطناعي تكشف، في جانب منها، أزمة المسافة داخل الجامعة: كلما انفصل المدرس عن مسار الطالب، زادت سلطة النص النهائي.
المراجع والتفاوتات المعرفية
يدخل الذكاء الاصطناعي الجامعة في سياق اجتماعي ولغوي غير متكافئ. فالوصول إلى بعض النماذج الأقوى مدفوع، والخبرة في استخدامها موزعة بصورة متفاوتة، كما تختلف جودة النتائج بين اللغات بحسب حضورها في بيانات التدريب. وقد يمنح هذا الوضع بعض الباحثين أفضلية لا ترتبط بكفايتهم العلمية وحدها. ومن ثم يجب أن تدخل العدالة في تقويم السياسات، إلى جانب النزاهة والدقة.
لقد بينت الانتقادات التقنية للنماذج الكبيرة أن بياناتها ليست مرآة محايدة للعالم، وأن ما يتكرر بكثرة يملك فرصاً أكبر في الظهور، بينما يمكن أن تُهمش أصوات أقل تمثيلاً. في العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث قد يكون هدف البحث بالضبط استعادة صوت محلي أو خطاب هامشي، يصبح هذا الأمر بالغ الحساسية. وقد يتلقى الباحث الذي يطلب من النموذج «ما أهم المراجع؟» خريطة للمركز لا للمجال كله. وبذلك لا تكون المشكلة خطأً فردياً فقط، بل إعادة إنتاج صامتة لهرمية المعرفة.
يحتاج الباحث إلى فحص القوائم الببليوغرافية التي تقترحها النماذج من زاويتين: صحة المرجع، وحدود الخريطة المعرفية التي تعرضها القائمة. وقد يكون المرجع موجوداً، لكنه يمثل لغة أو مدرسة مهيمنة ويخفي أعمالاً أقل تداولاً. ولذلك ينبغي مقارنة الاقتراح بقواعد بيانات وفهارس متعددة، ومراجعة اللغات والمدارس الغائبة. فالسرعة في الوصول إلى قائمة أولية لا تضمن تنوعها أو ملاءمتها للسؤال.
ويزداد الأمر دقة في الجامعات التي تعمل بلغات متعددة. يستطيع الباحث أن يكتب بالعربية ويستعين بنموذج مدرب بقوة على الإنجليزية والفرنسية، فيدخل إلى نصه ترتيب مفاهيم آتٍ من تقاليد أخرى من دون أن يلاحظ. ليست الترجمة هنا نقلاً محايداً؛ إنها إعادة توزيع للدلالة. ولذلك يجب أن تصبح معرفة حدود الترجمة الآلية جزءاً من التكوين البحثي، خصوصاً في الفلسفة والعلوم الإنسانية حيث تحمل المصطلحات تاريخاً ولا تساوي ببساطة مقابلاتها المعجمية.
ويفرض الذكاء الاصطناعي أيضاً اقتصاداً زمنياً خاصاً. يستطيع من يعرف استخدامه أن ينجز مراجعة أولية أو تنظيم ملاحظات أسرع. وهذا قد يكون مكسباً، لكن المؤسسة يجب أن تحدد ما الذي تريد من الطالب أن يوفر فيه الوقت وما الذي لا ينبغي اختصاره. إذا كان الهدف تعلم لغة أجنبية، فإن تفويض الصياغة بالكامل يهزم الهدف. وإذا كان الهدف تحليل متن، فقد يكون تنظيف البيانات آلياً مقبولاً. الأخلاق هنا مرتبطة بغاية التكوين، لا بعقيدة عامة في البطء أو السرعة.
لا ينبغي أن تصبح السرعة معيار الجامعة الوحيد. يحتاج فهم مفهوم فلسفي أو أرشيف أو تجربة إلى إعادة قراءة ومراجعة، ولا تحدد الأداة تلقائياً أفضل استعمال للوقت الذي توفره. فقد يخصصه الباحث للتحقق وتوسيع المتن، وقد يحوله إلى زيادة عدد الصفحات المنتجة. ويعود الحكم هنا إلى أهداف التكوين ونظام الحوافز الذي تعتمده المؤسسة.
ثالثاً تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الجامعة
قصور الكواشف وإعادة تصميم التقييم
اتجهت الاستجابة الأولى إلى البحث عن برنامج يميز النص المولد. غير أن الكشف الإحصائي يقدم احتمالاً مبنياً على سمات لغوية، ولا يثبت المؤلفية بالمعنى الفلسفي أو القانوني. وتتغير دقته مع تطور النماذج ومع إعادة الصياغة البشرية. كما قد يصنف نصاً بشرياً على أنه مولد لأن أسلوبه يوافق نمطاً إحصائياً معيناً. لذلك لا يجوز أن يتحول تقرير الكاشف إلى حكم نهائي على الطالب.
دعت الأدبيات المبكرة حول ChatGPT والنزاهة الأكاديمية إلى توضيح السياسات ومراجعة أساليب التقييم، بدلاً من حصر الجهد في اكتشاف المخالفة بعد وقوعها. فإذا استطاع نظام عام إنجاز واجب خلال ثوان، ينبغي للجامعة أن تسأل عن الكفاية التي يقيسها هذا الواجب. لا تفقد المهمة قيمتها لمجرد أن الآلة تستطيع أداءها، لكن طريقة التقويم تحتاج إلى إظهار ما تعلمه الطالب بالفعل.
يمكن مثلاً أن ينتقل جزء من التقويم من «اكتب خمس صفحات عن…» إلى مهام تطلب مقارنة مسودتين، نقد إجابة مولدة، توثيق تعديلات، تفسير مصدر أولي، أو الدفاع عن قرار أمام أسئلة غير متوقعة. بهذه الطريقة لا يصبح الذكاء الاصطناعي شيئاً خارجياً نحاول طرده، بل موضوعاً للممارسة النقدية. ويبرهن الطالب الذي يعرف كيف يكشف خطأ النموذج، ويبين لماذا عدله، على كفاية أعلى من الطالب الذي ينسخ إجابة بشرية محفوظة.
تسجل الدراسات التعليمية فوائد للنماذج اللغوية في التعلم الفردي والتغذية الراجعة، إلى جانب مخاطر المعلومات غير الدقيقة والتحيز والاعتماد المفرط. وقد تضعف بعض مهارات التفكير عندما تستخدم الأداة من دون تصميم تربوي واضح. لذلك تتوقف قيمة الاستخدام على بنية المهمة ومعرفة المستخدم وسياسة المؤسسة. وينصب الاعتراض هنا على إحلال الناتج محل التكوين، لا على التقنية في ذاتها.
تعرض دراسات الحالة استعمالات نافعة لـChatGPT ومشكلات تتعلق بالصدق والخصوصية والغش والمعلومات المضللة. ولا يوجد تناقض في اجتماع هذه النتائج؛ إذ يمكن أن تساعد الأداة على التعلم في مهمة، وأن تخفي غياب الكفاية في مهمة أخرى. ويقتضي الحكم الأخلاقي مقارنة الاستخدام بهدف التقويم: هل أتاح للطالب إظهار القدرة المطلوبة أم أدى المهمة نيابة عنه؟
لا يصلح الحظر الشامل سياسة دائمة، لأنه يدفع الاستخدام إلى الخفاء ويتقادم مع تغير الأدوات. كما أن الإباحة غير المشروطة تلغي الفروق بين المساعدة والإحلال. والأقرب إلى أهداف التعليم أن يعلن المدرس، لكل مهمة، مستوى الاستخدام المسموح وسببه، وأن يطلب توثيق الاستخدام المؤثر مع الاحتفاظ بإمكان التحقق الشفوي. يعامل هذا التنظيم الطالب كباحث ناشئ مسؤول عن اختياراته.
وتذهب اليونسكو إلى أن المؤسسات ينبغي أن تطور استراتيجيات أخلاقية، وتدرب المستخدمين، وأن تعيد التفكير على المدى البعيد في تصميم الواجبات بحيث تركز على ما لا ينبغي أن يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل القدرات البشرية. وتكتسب هذه الإشارة أهمية بالغة لأنها تنقل النقاش من أداة الكشف إلى هندسة التعليم. إذا كانت الجامعة مؤسسة لتكوين الحكم، فإن عليها أن تقيس الحكم نفسه، لا أن تكتفي بفحص السطح اللغوي الذي يتركه.
مبادئ المؤلفية الأكاديمية
تحتاج الجامعة إلى تحديد معنى وضع الباحث اسمه على عمل أُنجز بمساعدة نظام توليدي. ونقترح في هذه المقالة ميثاقاً عملياً لا يشترط كتابة كل كلمة يدوياً، وإنما يربط صفة المؤلف باحتفاظ الباحث بالقرارات المعرفية الجوهرية. وتظهر هذه الصفة في قدرته على تفسير الطريق الذي أوصله إلى الدعوى، وبيان المصادر التي اعتمدها، والدفاع عن التعديلات التي أجراها.
ينقل الميثاق الاهتمام من مجرد إثبات وجود الأداة إلى فحص وظيفتها في البحث. فالتقييم يسأل عن المهمة التي تولتها، والقرارات التي بقيت بيد الباحث، وأثر الاستخدام في الكفاية التي يفترض أن العمل يثبتها. ويوافق ذلك المعايير التي تطلب إفصاحاً يتناسب مع أثر الأداة وتبقي المسؤولية على المؤلفين البشر.
الأصالة بوصفها امتلاكاً لأسباب الاختيار
لا تختزل الأصالة في صياغة لم تظهر من قبل أو في موضوع لم يتناوله أحد بالطريقة نفسها. فالعمل العلمي ينطلق دائماً من نصوص وأسئلة سابقة، وتظهر إضافته في طبيعة السؤال أو المادة أو طريقة تركيب الحجة أو النتيجة التي يعدل بها معرفة قائمة. ومن ثم لا يقيس اختبار التشابه الأصالة كاملة، كما لا يضمن مولد النص إنتاج مساهمة جديدة لمجرد أنه كوّن عبارات غير مطابقة لنص سابق.
نقل بارت مركز المعنى من أصل فردي واحد إلى فضاء القراءة عندما ربط ميلاد القارئ بموت المؤلف. ويمكن الإفادة من هذا التصور من غير إلغاء مسؤولية الباحث الجامعي. فأصالته لا تقوم على امتلاك الكلمات، وإنما على الموقع النقدي الذي يشغله داخل شبكة النصوص. وإذا اقترح النظام صياغة أو تفسيراً، يبقى على الباحث أن يبين سبب قبوله وأن يقارنه بالبدائل الممكنة.
تسمح تاريخية وظيفة المؤلف عند فوكو للجامعة بمراجعة معايير النسبة كلما تغيرت تقنيات الكتابة. ولا يستلزم ذلك العودة إلى تصور يجعل الكاتب أصل كل معنى، أو إعلان انتهاء المؤلفية. يمكن تعريف المؤلف الجامعي بأنه الشخص الذي يتحمل سلسلة القرارات المعرفية التي قادت إلى النص، بصرف النظر عمن كتب كل حرف فيه.
تعني القدرة على الدفاع عن الدعوى امتلاك أسبابها، ولا تعني ضمان صحتها. فقد يخطئ الباحث مع احتفاظه بإمكان شرح المصدر والمنهج اللذين قاداه إلى الخطأ، ثم يراجعهما عندما تظهر حجة أقوى. أما امتلاك نسخة نهائية لا يستطيع صاحبها إعادة بناء منطقها فلا يحقق هذا الشرط. ومن ثم تختبر المناقشة علاقة الباحث بالحجة أكثر مما تختبر ذاكرته.
لا ينبغي اتخاذ «الصوت الشخصي» أداة لكشف الذكاء الاصطناعي. فقد يختار الباحث أسلوباً محايداً، وقد يستعين من يكتب بغير لغته الأولى بمراجعة لغوية واسعة. الأدق هو فحص المسار الاستدلالي: دقة الإحالات، والقدرة على تعليل الاختيارات، ومعرفة حدود النتيجة، وبيان ما تغير بين المسودات. هذه قرائن على ممارسة البحث، لا بصمة لغوية سرية.
أثر الذكاء الاصطناعي في زمن البحث والتعلم
خفض الذكاء الاصطناعي الزمن اللازم لإنتاج نص مقبول من حيث الشكل. ويضع هذا التحول الجامعة أمام سؤال عملي عن القيمة التي يضيفها التعليم. فإذا كان المطلوب تسليم عدد محدد من الكلمات فحسب، تستطيع الأداة إنجاز جزء كبير من المهمة. أما تكوين القدرة على التمييز بين الحجة والزخرف، والتحقق من المصادر، وتقدير قوة الدليل، فيحتاج إلى تدريب وتقويم لا توفرهما سرعة التوليد.
ساهمت بعض ممارسات الجامعة في تقديم المنتج على التعلم، من خلال التركيز على عدد الصفحات والمقالات ومؤشرات النشر. وتناسب الأدوات التوليدية هذا النظام لأنها تزيد حجم الإنتاج بسرعة. لذلك لا يمكن معالجة آثارها السلبية بمراقبة الطالب وحده؛ إذ ينبغي أيضاً مراجعة الحوافز التي تكافئ الكم حتى عندما يتجاوز قدرة القراء والمحكمين على التقييم.
تحذر أدبيات الذكاء الاصطناعي من أثر الإنتاج النصي واسع النطاق في بيئة المعلومات، لا من الأخطاء الفردية وحدها. وفي الجامعة قد يؤدي ذلك إلى ازدياد المواد منخفضة القيمة وإلى رفع العبء على المحكمين. وقد تلجأ المؤسسات بعد ذلك إلى أدوات آلية لفرز نصوص أنتجتها أدوات أخرى، فتبتعد القراءة البشرية عن عملية التقويم في الوقت الذي تتكاثر فيه المواد المنشورة.
تحتاج المؤسسة في هذا الوضع إلى حماية وقت القراءة والتحقق. فزيادة الصفحات ليست قيمة في ذاتها، وقد يكون النص الأقصر المدعوم بمصادر واضحة أكثر فائدة من عرض طويل يخفي مسار الاستدلال. كما ينبغي أن تحظى الملاحظات والبيانات وخريطة الحجة بمكان في التقويم. عندما يصبح إنتاج العبارة سريعاً، يزداد وزن الاختيار والتحرير والتحقق.
يسمح هذا التحول بإعادة الاعتبار إلى العمل المباشر على المصادر. ففي درس الفلسفة، يمكن استبدال السؤال العام عن رأي كانط في الجمال بتحليل فقرة محددة، أو مقارنة ترجمتين، أو تفسير مفهوم في سياقه. ترتبط الإجابة عندئذ بمادة ينبغي للطالب قراءتها، ويصعب تعويضها بملخص عام. وبهذا يتجه التقييم إلى الفعل الفكري المطلوب بدلاً من قياس القدرة على إنتاج صياغة مألوفة.
لا يفيد بناء السياسة الجامعية على الخوف من كل استعمال، لأن ذلك يوسع المسافة بين الممارسة المعلنة وما يجري فعلاً. وفي الوقت نفسه لا يجعل انتشار التقنية استخدامها مشروعاً في كل مهمة. المطلوب إدراجها ضمن الثقافة المنهجية للباحث: فهم تقريبي لطريقة عملها، ومعرفة أسباب الهلوسة والتحيز، والانتباه إلى الخصوصية وحقوق التأليف، والتمييز بين الناتج المحتمل والمصدر القابل للتحقق.
تدعو اليونسكو إلى تدريب الباحثين والمعلمين على استخدام الأدوات التوليدية وعلى تقويم مخرجاتها أخلاقياً ومعرفياً. ويجب أن يدخل هذا التدريب في صلب التكوين ما دامت الأداة قد أصبحت جزءاً من البحث والكتابة. فمن يعتمد إجابة النموذج كمصدر من غير فهم حدودها يشبه من يستخدم اختباراً إحصائياً من غير معرفة شروطه.
يشمل التكوين أيضاً تعلم صياغة الأسئلة، لكن مهارة كتابة الأوامر لا تعوض المعرفة التخصصية. قد يحسن الأمر الدقيق ملاءمة الجواب، غير أنه لا يزود المستخدم بمعيار للحكم على صحته. لذلك تظل الخبرة بالمجال شرطاً سابقاً للاستفادة من الأداة. وكلما ضعف هذا الشرط، ازدادت قدرة الخطأ المصوغ جيداً على الإقناع.
يمكن استخدام النموذج لتدريب الحكم النقدي عندما تُبنى المهمة لهذا الغرض. فقد يقارن الطالب إجابات مولدة بمصادر محددة، أو يكشف مشكلات ملخص آلي، أو يتحقق من قائمة مراجع اقترحتها الأداة. في هذه التمارين يصبح الخطأ مادة للفحص، ويُقوَّم الطالب على طريقة التحقق والتصحيح.
يتعامل كثير من الطلبة مع الذكاء الاصطناعي خارج القاعة، ولذلك يفقد المنهج فرصة تربوية عندما يتصرف كأن الأداة غير موجودة. ولا تعني مناقشتها في الدرس قبول كل استخدام. فوظيفة التعليم أن يكوّن قدرة على اتخاذ القرار في الحالات التي لا تقدم فيها اللائحة جواباً جاهزاً، وأن يوضح الأسباب التي تجعل الاستخدام مناسباً في مهمة ومضراً في أخرى.
حدود الدراسة
لدراستنا حدود ينبغي التصريح بها. فنحن نقدم تحليلاً فلسفياً ومعيارياً ولا نقيس معدلات استعمال الأدوات أو فاعلية السياسات تجريبياً. كما نركز على الأطروحة الدكتورالية، مع أن المهام التي لا تقبل التفويض الكامل تختلف بحسب التخصص وهدف التدريب. وقد يكون تنظيف البيانات إجراءً مساعداً في بحث، بينما يصبح إحلالاً إذا كانت عملية التحليل نفسها موضوع التقويم. كذلك تتغير الأدوات والسياسات بسرعة؛ ولهذا ينظم ميثاقنا الحكم وفق الوظيفة ودرجة التفويض بدلاً من أسماء المنتجات. وتحتاج المبادئ التي نقترحها إلى دراسات مؤسسية مقارنة تفحص أثرها في العدالة والخصوصية وعبء الإشراف وجودة التكوين في تخصصات ولغات متعددة.
خاتمة
لم يعد فعل «الكتابة» وحده كافياً لتحديد مؤلف الأطروحة. فقد يولد النظام ألفاظاً، بينما يختار الباحث بعضها ويتحقق من مصادرها ويقرر إدراجها في نتيجة يوقع عليها. وتسمح هذه المشاركة التقنية بتوزيع مهام الصياغة، لكن الدرجة الجامعية تظل محتاجة إلى شخص يتحمل القرارات المعرفية. ويظهر هذا التحمل في قدرته على تفسير وجود الدعوى في النص، ودليلها، وحدودها، وما قد يدفعه إلى تعديلها.
بهذا التحديد لا يعود الباحث خالقاً منفرداً للنص، وإنما يصبح مسؤولاً عن مسار معرفي. فقد زعزع بارت وهم الأصل الفردي، وأبرز فوكو تاريخية وظيفة المؤلف، وشرح دريدا انفصال الكتابة عن حضور صاحبها. غير أن الجامعة تواجه سؤالاً إضافياً يتعلق بالشخص الذي تمنحه الدرجة وبالقدرة التي تشهد له باكتسابها. لذلك يعود المؤلف في هذا السياق بوصفه من يملك أسباب الاختيار ويقبل مساءلته عنها.
لا يستهدف هذا التصور البحث عن كتابة بشرية خالصة، فالعمل الأكاديمي يستعين بالكتب والأشخاص والبرامج، وسيستعين بالنماذج التوليدية أيضاً. ويتحدد الحد الفاصل عند انتقال الحكم نفسه إلى الأداة. تساعد الاستعانة الباحث على توسيع قدرته مع احتفاظه بالقرار، في حين يظهر الإحلال عندما يقبل الناتج من غير امتلاك أسباب قبوله.
لذلك لا نقترح منع الذكاء الاصطناعي من الأطروحة. ونقترح بدلاً من ذلك إظهار مسار البحث في الإشراف والتوثيق والمناقشة، حتى تبقى النسخة النهائية مرتبطة بتجربة صاحبها. وعند توافر هذا المسار يصبح السؤال المؤسسي متعلقاً بقدرة الباحث على تحمل مسؤولية العمل، لا بنسبة الكلمات التي كتبها من دون مساعدة.
لن تحسم برامج الكشف هذه المسؤولية. وتستطيع الجامعة التحقق منها عندما تربط النص بمصادره، وتتابع تطور الحجة، وتناقش الباحث في قراراته، وتحدد الكفاية التي تمنح الدرجة دليلاً عليها. ومع سهولة إنتاج اللغة، تصبح قيمة الكتابة الأكاديمية مرتبطة بما يبقى تحت حكم الباحث: فحص الدليل، ومراجعة الاستنتاج، وتحمل تبعات القول.
-أستاذ باحث في الجماليات والفلسفة المعاصرة – باحث في علوم الصحة والعلوم العصبية السريرية
-كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة مولاي إسماعيل – الرشيدية
-مدير المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بالرشيدية
المصدر: محمد حجاوي