Loading...

حكاية مثل لا ترمِ الناس بالحجارة وبيتك من زجاج

|
29 أكتوبر 2026, 12:00
Featured image
حجم الخط

تُمثِّل الأمثال والحكايات الشعبية والموروثات القصصية التي تتناقلها الأجيال المتعاقبة مرآةً حية لروح الشعوب، وجسراً يربط حاضرنا بهُوِيَّة الأوائل الحافلة بالتجارب والعمق الإنساني. إن هذه القصص المأثورة ليست مجرد تسلية عابرة أو خيالات نسجتها الأيام، بل هي مستودعٌ للأصالة وحصيلة ذكية من العِبر والمواعظ التي تُهذِّب السلوك البشري. ومن خلال هذه السير البسيطة والعميقة في آنٍ واحد، نتعلم كيف نواجه تقلبات الحياة، وكيف نستمد الحكمة والحلول لمعضلاتنا المعاصرة من تجارب من ساروا على الأرض قبلنا؛ فكل مثل شعبي أو حكاية قديمة دائماً ما يحمل في طياته بوصلة أخلاقية ترشدنا نحو الفضيلة، التسامح، والذكاء الاجتماعي والعملي. وبناءً على هذه القيمة الفريدة، يصبح لزاماً علينا اليوم، بوصفنا أفراداً ومجتمعات، أن نتحمل مسؤولية تاريخية كبرى في حفظ هذا التراث الثمين من الاندثار في عصر العولمة والتسارع الرقمي، فتبقى هذه الجذور الأصيلة حيةً تُغذِّي وعي الأجيال القادمة وتصون هُوِيَّتها. "سيدتي" تعرفك اليوم حكاية مثل جديد وهو :"لا ترمِ الناس بالحجارة وبيتك من زجاج".

تؤكد فاطمة عبد الوهاب السيروطي -باحث بقسم الأنثروبولوجيا في كلية الآداب- لـ"سيدتي" في بداية الحديث أن الانشغال برصد عثرات الآخرين وتتبع عيوبهم يُعَدُّ مرضاً اجتماعياً مفسداً للود، ولاسيما حين يتصدر لهذا النقد من يمتلك في سلوكه العيوب ذاتها أو ما يفوقها سوءاً. إن هذه الازدواجية الأخلاقية تعكس رغبة دفينة في الهروب من مواجهة الذات، وتُحيل المجتمعات إلى ساحات من اللوم الذي لا يورث إلا البغضاء وتفكك الروابط الإنسانية؛ فمن كا ن يرى عيوب الناس بعين دقيقة، يجدر به أن يُسلط هذا المنظار الفاحص على نفسه أولاً؛ ليعمل على إصلاح خللها وتقويم زللها بدلاً من الانشغال بتشريح هفوات من حوله. تقول فاطمة: إن جودة الحياة تبدأ حين ينصرف كل فرد إلى شأنه الخاص، مركزاً طاقته وفكره فيما يعنيه ويفيده، ومستثيراً جهده في البناء والتطوير الذاتي. وعندما يدرك المجتمع قيمة التغافل والاشتغال بالإصلاح الشخصي، تحل الطمأنينة وينتشر السلام البديل للمشاحنات؛ لتصبح العلاقات مبنية على الستر والدعم بدلاً من الهدم والترصد. فالحكمة تقتضي منا جميعاً أن ندع الخلق للخالق؛ فهو وحده المطلع على السرائر والمتكفل بالحساب، وليس من شأن البشر أن ينصبوا أنفسهم قضاةً على ضمائر غيرهم وسلوكياتهم ومن ثم يتجلى عمق المثل العربي الخالد في توبيخ هذا السلوك: "من كان بيته من زجاج؛ فلا يرمي الناس بالحجارة"، كتحذير صارم لكل من يتتبع عثرات الآخرين متناسياً هوان جدرانه وهشاشة بنيانه. قد ترغبين في التعرف إلى: قصة عبارة بين المطرقة والسندان؟

تقول فاطمة: يجسد المثل العربي القديم قيمة أخلاقية سامية تدعو الفرد إلى ضرورة الكف المطبق عن تقصي نقائص الآخرين وتجريح مواقفهم، ولا سيما حين تحيط به الهشاشة من كل جانب ويسهل رد الصاع له أضعافاً مضاعفة. إن هذا القول المأثور يمثل قانوناً وقائياً ينظم التفاعلات الإنسانية ويزجر كل من تسوِّل له نفسه الاندفاع نحو مهاجمة غيره بنظرة استعلائية فاحصة، متغافلاً عن جوانب القصور الكامنة في حياته التي قد تعصف بسلامه الشخصي إن هتك الآخرون سترها. وتنبثق العبرة من تصوير الضعف الإنساني في هيئة بناء واهن لا يقوى على الصمود أمام أدنى هجوم؛ ما يحتم على العاقل تبني منهج المداراة والترفع عن الخوض في سرائر رفقائه في المجتمع. كما يعلمنا هذا التوجيه البليغ أن الحصانة الحقيقية لا تكمن في قذف التهم يمنة ويسرة، وإنما في الانكفاء نحو تقويم المسار الفردي وتهذيب الأخلاق والترفع عن الضغائن. وحين يعي كل فرد في الجماعة حجم تبعات الكلمة المندفعة وما قد تجره عليه من ويلات الكشف والمحاسبة، يسود مبدأ التغاضي المتبادل وينأى الجميع عن الخصومات العقيمة؛ ليتحول الوعي بمواطن الضعف الذاتي إلى رادع داخلي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو مستنقعات التشاحن ويصون الروابط من التصدع والانهيار.

تروي الذاكرة الشعبية أن أحد الأثرياء المتغطرسين، مدفوعاً بزهوه الشديد وتعاظمه، قرر تشييد قصرٍ باذخٍ من الزجاج الخالص فوق قمة تل مرتفع، ناظراً إلى أهل قريته البسيطة من عليائه باعتبارهم أقل شأناً وأدنى منزلة منه. وعندما اكتمل هذا البناء الذي أراده صاحبه رمزاً لرفعتِه وتفوقه الطبقي، جاء موسم هجرة الطيور المحملة بالحصى الصغير لبناء أعشاشها في المرتفعات. وبسبب كثافة الطيور، بدأت الحجارة الدقيقة تتساقط تلقائياً من مناقيرها على السقف الشفاف حتى هشمته تماماً وصيرته ركاماً، فلم يحتاج الأمر إلى قوة عاتية أو جيوش جرارة لهدم واجهة القصر الفارهة. ومن وسط هذا الحطام انطلقت حكمة الناس لتسخر من كبرياء ذلك الوجيه؛ إذ تبين أن من يعيش في وهم التعالي وبنيانه مكشوف وهش، قد تأتيه الهزيمة من أضعف جنود الأرض، فكيف له بعد ذلك أن يتصدر لتجريح الآخرين وهو يعجز عن حماية نفسه من حصى صغير؟!

يُحكى أن ملكاً في سالف العصر والزمان شيد قصراً مهيباً من الزجاج فوق قمة جبلية شاهقة تطل على قرية ريفية مستقرة بأمان. وفي أثناء عمليات التأسيس والتهيئة، واجه البناؤون كميات هائلة من الصخور المتراكمة التي قطعوها من الجبل فأصدر الحاكم أمراً مباشراً بالتخلص منها عبر قذفها من أعلى التل، دون اكتراث بمصير التجمع السكاني القابع في الأسفل. تسببت تلك الكتل المتساقطة في أضرار بالغة ببيوت الأهالي البسطاء، وأثارت الرعب والهلع بين الأطفال والنساء دون أي مجيب لشكواهم من قبل أعوان السلطة. وأمام هذا التغوُّل، اجتمع كبار البلدة للبحث عن مخرج؛ فتقدم أحد الحكماء بفكرة ذكية تخاطب وعي الجمع قاطبة، حيث قال: "إن من يؤذينا يقطن صرحاً وهِناً من الزجاج، فإذا تجرأ عماله مجدداً على استهدافنا؛ فلنرد عليهم بقوة الحجر التي تملك القدرة على تهشيم واجهته الفارهة". انتشرت هذه المقولة كالنار في الهشيم حتى بلغت أسماع القصر، فأدرك الملك حينها أن استمراره في الغي سيكلفه انهيار عرشه المشيد على الهشاشة والضعف. ومنذ ذلك الوقت، غدت الحادثة مثلاً سائراً يُضرب لكف الأذى تذكيراً بأن من يملك ثغرات واضحة لا ينبغي له أن يبتدئ الآخرين بالعداء. ويمكنك إذا تابعت الرابط التالي التعرف إلى: أصل مقولة إن غداً لناظره قريب وقصتها الدرامية

تزخر الثقافة العربية بالعديد من الحِكم والأمثال التي تحذر من السلوك نفسه (انتقاد الآخرين مع وجود العيوب نفسها)، ومن أبرزها:

ونحو المزيد يمكنك التعرف إلى القصة الطريفة وراء المثل العربي "من شابه أباه فما ظلم"

المصدر: سامر سليمان

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز