يُعدّ الأرق من اضطرابات النوم الشائعة التي قد تؤثر في جودة الحياة والصحة العامة، إذ لا يقتصر تأثيره على الشعور بالتعب في اليوم التالي، بل قد ينعكس أيضاً على التركيز والمزاج ومستويات الطاقة. وفي كثير من الأحيان، لا ترتبط صعوبة النوم بالتوتر أو الضغوط النفسية وحدها، بل قد تساهم بعض العادات اليومية التي نمارسها قبل التوجّه إلى السرير في زيادة المشكلة، من استخدام الهاتف لفترات طويلة إلى تناول العصائر الغنية بالكافيين أو الذهاب إلى النوم في أوقات غير منتظمة. لذلك، فإن التعرّف إلى هذه العادات وتجنّبها قد يساعدان على تهيئة الجسم للاسترخاء وتحسين جودة النوم. فما الأشياء التي يُفضّل الابتعاد عنها قبل النوم إذا كنتِ تعانين من الأرق؟
هناك أبحاث جيدة حول هذا الموضوع؛ فقد تناولت دراسة أُجريت عام 2024 ونُشرت في دورية "SLEEP" عادات النوم لدى ما يقرب من 50 ألف شخص، ووجدت أن أولئك الذين ينامون بوجود تلفاز يعمل، يحظون بفترة نوم أقصر، كما أن أوقات نومهم واستيقاظهم تكون أقل انتظاماً. وبالطبع، يمكنكِ تقليل وقت استخدام الشاشات من خلال ممارسة أنشطة أخرى قبل النوم. ويقترح أطباء النوم -مثل الدكتور روجر واشنطن، المدير الطبي ومؤسس مؤسسة "Sleep To Live Well"- أنشطة مثل القراءة، أو تدوين الملاحظات في مذكراتكِ، أو أخذ حمام دافئ. قد لا تكون النظارات الواقية من الضوء الأزرق هي الحل الأمثل أيضاً؛ فقد أجريت دراسة صغيرة عام 2021 ونُشرت في دورية "Sleep Health" على بالغين أصحاء، طُلب منهم ارتداء نظارات تحجب الضوء الأزرق أو نظارات عادية (شفافة) لمدة أسبوع، بدءاً من الساعة السادسة مساءً وحتى موعد النوم. وخلصت الدراسة إلى أن النظارات التي تحجب الضوء الأزرق لم تُحدث تحسّناً ملموساً في مدة النوم أو جودته كما جاء في موقع Women’s Health. ما رأيكِ باكتشاف اسباب الارق عند النساء.. هل تتعلق بالهرمونات؟
تقول الدكتورة مونيكا ماثور، طبيبة الأعصاب والمتخصّصة في طب النوم في مؤسسة "كايزر بيرماننتي" بجنوب كاليفورنيا، أن "الانفعالات العاطفية ترفع معدل ضربات القلب وتبقي شبكة الانتباه (salience network) في الدماغ نشطة، مما يؤخر الدخول في النوم. وببساطة، يعني هذا أن دماغكِ يظل نشطاً ومتيقظاً بدلاً من أن يهدأ ويستعد للنوم. ومع ذلك، إذا كنتِ مضطرة لاستخدام شاشة ما قبل النوم، فمن الأفضل اختيار محتوى يبعث على الهدوء. فعلى سبيل المثال يفضل مشاهدة مقاطع عن الفيلة عبر قناة "ناشونال جيوغرافيك".
يحتاج جسمكِ إلى أن تنخفض درجة حرارته ليتمكن من النوم، بينما تؤدي ممارسة التمارين الرياضية إلى رفع درجة حرارة الجسم. ينصح الاطباء أنه للحصول على نوم مثالي، يُفضل ممارسة التمارين الرياضية في الصباح؛ إذ يمنح ذلك جسمكِ وقتًا كافيًا لتنظيم درجة حرارته. كما أن بعض أنواع التمارين قد تكون أكثر تأثيرًا سلبًا على النوم مقارنة بغيرها. بالاضافة الى أن التمارين عالية الكثافة -مثل تدريبات الفترات عالية الكثافة (HIIT)، والركض السريع المتقطع، وتمارين المقاومة الثقيلة- تدفع الجسم نحو وضع الأداء؛ لأنها ترفع معدل ضربات القلب وتُنشط نظام اليقظة في الجسم. لذا، قد تفضلين تخصيص هذا النوع من التمارين للفترات الصباحية أو بعد الظهر، أو اختيار نشاط أكثر هدوءاً -مثل اليوغا- في المساء. هذه الأنشطة قد تحفز إفراز مواد كيميائية تولد شعوراً بالأمان واللين والاسترخاء. أما إذا كنتِ مضطرة لممارسة التمارين بعد انتهاء العمل، فاحرصي على ألا يكون ذلك قبل موعد النوم بأقل من ساعتين. وفي الواقع، تشير الأبحاث إلى أنه من الأفضل ممارسة التمارين قبل أربع ساعات أو أكثر من موعد النوم.
من المهم الاطلاع الى طرق طبيعية لعلاج الأرق المزمن.
يوضح الاطباء أن الكافيين الموجود في القهوة يحجب إشارات الحاجة إلى النوم عن طريق تثبيط مادة الأدينوزين -وهي مادة كيميائية في الدماغ تساعد على الشعور بالنعاس- كما أنه يؤثر على جودة النوم وعلى مستوى الأداء في اليوم التالي. ونتيجة لذلك، قد لا تشعرين بالنعاس، مما يزيد من احتمالية بقائكِ مستيقظة لوقت متأخر. كما أن قدرتكِ على النوم الجيد تتأثر بالكافيين، حتى وإن كنتِ تعتقدين أنكِ لا تشعرين بتأثيره. بالإضافة إلى ذلك، تناولت مراجعة أُجريت عام 2023 ونُشرت في دورية "سليب ميديسين ريفيوز" (Sleep Medicine Reviews) دراساتٍ حول العلاقة بين الكافيين والنوم. وقد خلصت المراجعة إلى أن استهلاك الكافيين قبل موعد النوم بأقل من 8.8 ساعة يؤدي إلى تقليل إجمالي وقت النوم بمقدار 45 دقيقة، وخفض كفاءة النوم بنسبة 7%.
يُعدّ التوتر المزمن سبباً رئيسياً لسوء النوم، مما يخلق حلقة مفرغة؛ حيث تؤدي مستويات الكورتيزول المرتفعة إلى اضطراب النوم، بينما يؤدي نقص النوم إلى زيادة التوتر. إن ارتفاع مستويات الكورتيزول يعيق قدرتك على الدخول في النوم، كما يمنعكِ من استكمال مراحل النوم المختلفة طوال الليل.
إذا كنتِ تشعرين بالتوتر عند وقت النوم، يمكنكِ تدوين ما يقلقكِ في مفكرة؛ كي لا تضطرين للتفكير فيه أثناء نومكِ، على أن تتعاملي معه في اليوم التالي. كما ينصح الاطباء بتجربة التنفس العميق والبطيء، إذ يساعد ذلك على الاسترخاء والهدوء قبل الخلود إلى الفراش. وإذا وجدتِ أنكِ غير قادرة على النوم بعد مرور 20 دقيقة، يوصي الاطباء بمغادرة السرير وممارسة نشاط مريح في إضاءة خافتة - مثل قراءة كتاب، أو مواصلة الكتابة في مفكرتك، أو التلوين - حتى تشعرين بالنعاس.
من الأفضل تجنّب تناول أي شيء، وخاصة الوجبات الكبيرة، قبل ساعتين إلى ثلاث ساعات من موعد النوم. يتطلب هضم الوجبات الثقيلة قدراً كبيراً من الطاقة، مما قد يرفع درجة حرارة جسمكِ ويمنعكِ من الوصول إلى مراحل النوم العميق والمُجدد للجسم. كما يساعد تجنب الأكل قبل النوم في الوقاية من ارتجاع الحمض، الذي قد يؤدي بدوره إلى سوء جودة النوم.
قد يكون من المغري رفع درجة حرارة التدفئة عندما يكون الطقس بارداً في الخارج، لكن جسمكِ يحتاج إلى درجة حرارة منخفضة ليتمكن من النوم؛ فوفقاً لمراجعة علمية نُشرت في دورية "Journal of Physiological Anthropology"، يزيد التعرّض للحرارة من احتمالية الاستيقاظ أثناء الليل. كما يمكن للحرارة أن تقلّل من فترات النوم العميق (مرحلة الموجات البطيئة) ونوم حركة العين السريعة.
إن محاولة النوم وأنتِ في حالة غضب لا تؤثر سلباً على علاقاتكِ فحسب، بل تعيق أيضاً الحصول على نوم مريح ومجدد للطاقة. الذهاب إلى الفراش وأنتِ غاضبة يبقي الدماغ في حالة من اليقظة والانشغال بمحاولة حل المشكلات. فقد يؤدي الغضب إلى تحفيز مواد كيميائية -تشبه الأدرينالين- تبقيكِ في حالة من التأهب والاستعداد والانتباه، مما يجعل من الصعب عليكِ الدخول في النوم أو الاستمرار فيه. إذا كنتِ ترغبين في تعديل عادات نومكِ أملاً في الحصول على قسط أفضل من الراحة، فابدئي بتطبيق تغيير أو تغيرين فقط من هذه النصائح، ولاحظي كيف تشعرين. يمكنكِ دائماً إجراء المزيد من التعديلات تدريجياً. في انتظاركِ نومٌ أفضل! ينصح بمتابعة لماذا أشعر بالكسل رغم أنني نمتُ جيداً؟.. تنبّهي للتوتر والضغوط النفسية. * ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، يجب استشارة طبيب مختص.
المصدر: عفت شهاب الدين