قال مصدر أممي مطلع إن المسودة الصفرية لمشاريع قرارات مجلس الأمن تعكس عادة، بدرجة كبيرة، الموقف الرسمي والتصور الأولي للدولة حاملة القلم بشأن النزاع الذي تتولى صياغة مشروع القرار الخاص به، قبل إخضاع النص لمشاورات وملاحظات أعضاء المجلس الدولي.
وأوضح المصدر، في تصريح خص به جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الولايات المتحدة الأمريكية عبّرت بوضوح في المسودة الأولية بشأن الصحراء عن رؤيتها الخاصة لمسار التسوية؛ من خلال وضع مقترح المغرب للحكم الذاتي في صلب العملية السياسية، وربطه بمسار المفاوضات المباشرة التي جرت برعاية وتيسير أمريكيين”.
وأضاف المتحدث، الذي آثر عدم ذكر اسمه، أن المسودة الأولى جاءت كترجمة حرفية لتوجه الإدارة الأمريكية نحو جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي الإطار المركزي للتفاوض؛ وهو ما ظهر في الصياغات التي منحت المقترح موقعا متقدما في تصور واشنطن للحل، إلى جانب الابتعاد عن إعادة طرح مبدأ الاستفتاء باعتباره آلية عملية لتسوية النزاع.
اعتراضات المجلس
لفت المصدر الأممي إلى أن مشروع القرار واجه اعتراضات نسبية من بعض أعضاء مجلس الأمن، دون أن يسمّيهم، مشيرا إلى أن جوهر هذه التحفظات ارتبط، في جانب منه، بمخاوف من أن تؤدي بعض الصياغات إلى تقليص الدور الأممي في إدارة المسار السياسي، أو إلى منح الولايات المتحدة هامشا أوسع من اللازم في حصرية تيسير المفاوضات والبحث عن تسوية للنزاع.
وسجل أن هذا النقاش أفضى إلى إعادة النظر في عدد من المقتضيات، خصوصا تلك المرتبطة بموقع الأمم المتحدة ودور الأمين العام ومبعوثه الشخصي، بما يحافظ على الطابع الأممي للعملية السياسية ويمنع تحويلها إلى مسار تقوده جهة واحدة خارج الإطار الأممي.
وأكد المصدر ذاته أن النقطة الأكثر حساسية في هذا الجانب تمثلت في دور الأمين العام للأمم المتحدة في العملية السياسية، موضحا أن المسودة الصفرية أظهرت بصورة أكثر وضوحا الدور الذي أرادت واشنطن الاضطلاع به في جمع الأطراف وتيسير المفاوضات، مقابل حضور أقل بروزا للدور القيادي للأمم المتحدة.
وتابع قائلا: إن النسخة المنقحة عالجت هذا الجانب من خلال إعادة إبراز مسؤولية الأمين العام ومبعوثه الشخصي، والتأكيد صراحة على استمرار الدور القيادي للأمم المتحدة في العملية السياسية، إلى جانب الإبقاء على الولايات المتحدة في موقع الميسّر.
هيكلة “المينورسو”
بخصوص بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، أوضح المصدر أن هناك توافقا داخل مجلس الأمن على أن البعثة، بصيغتها الحالية، أصبحت تفرض كلفة بشرية ومالية كبيرة على الأمم المتحدة، وأن مسألة مراجعة مواردها وهيكلتها باتت مطروحة بقوة.
وأشار المصدر الأممي المطلع إلى أن هذا النقاش ينسجم مع التوجه الأمريكي الأوسع بشأن إصلاح عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وترشيد الموارد وتقييم جدوى البعثات التي طال أمدها، موردا أن الخلاف لم يعد يتمحور بالضرورة حول مبدأ إعادة هيكلة “المينورسو”، وإنما حول “كيفية تنفيذ هذه العملية وتوقيتها والجهة التي تملك قرار تحديد مآلاتها”.
وفي هذا الصدد، صرح المسؤول الأممي أن النسخة المنقحة تراجعت عن الصيغة التي كانت تفرض انتقالا آليا للبعثة إلى مهمة سياسية خاصة وفق موعد محدد، وأحالت مستقبلها إلى تقييم لاحق يستند إلى مقترحات الأمين العام والتقدم المحرز في العملية السياسية.
كما جرى، وفق المصدر عينه، التراجع عن تحديد نسبة مسبقة لخفض عديد الأفراد النظاميين، مع ترك مسألة تقليص الموارد البشرية وإغلاق أو دمج المواقع لتوصيات الأمين العام؛ وهو ما يمثل انتقالا من صيغة أمريكية أكثر مباشرة إلى مقاربة تتيح للمجلس اتخاذ القرار بناء على تقييم أممي صرف.
الحكم الذاتي وتقرير المصير
بشأن الحل السياسي، أفاد مصدر هسبريس بأن النسخة الجديدة ستُبقي الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية في صلب تصور التسوية مهما كان أسلوب الصياغة، مع إدراجه صراحة ضمن الإطار الذي يناقش من خلاله مبدأ تقرير المصير.
واستدرك قائلا: إن الإبقاء على عبارة “تقرير المصير” لا يعني العودة إلى طرح الاستفتاء كخيار تفاوضي، خصوصا أن المشروع المنقح لا يعيد إحياء هذا الخيار ضمن الآليات المقترحة لتسوية النزاع؛ بل يربط تقرير المصير بالحل السياسي الذي يجري التفاوض بشأنه على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي.
وسجل المصدر أن التطور الأهم يكمن في أن المشروع ينتقل من صياغة أكثر حصرية كانت تصف الحكم الذاتي بأنه “الحل الوحيد القابل للتطبيق”، إلى صياغة تعتبره “الحل الأكثر جدوى”؛ غير أن ذلك لا يغير، في المقابل، حقيقة أن “مقترح المغرب الموسع والمحدث يظل الأساس الوحيد لمواصلة المفاوضات” وفق النص المنقح.
وأضاف أن هذا التمييز مهم لفهم طبيعة التعديلات، فالتغيير طال توصيف الحل النهائي؛ لكنه لم يلحق موقع المقترح المغربي داخل طاولة التفاوض، حيث ظل هو الإطار الذي يفترض أن تقدم الأطراف مواقفها وردودها على أساسه.
توسيع دائرة المشاورات
وفي سياق متصل، توقف المصدر عند المقتضى الجديد المتعلق بتوسيع دائرة المشاورات التي يجريها المبعوث الشخصي للأمين العام، لافتا إلى أن هذه الخطوة تعكس رغبة في الاستماع إلى أصوات وفاعلين يتجاوزون الأطراف الرسمية المتفاوضة.
وأوضح أن النص يطلب من دي ميستورا التشاور مع طائفة واسعة من الفئات والمحاورين الصحراويين، بمن فيهم الموجودون خارج الأطراف التقليدية، سواء في المنطقة أو مخيمات اللاجئين أو في الشتات، على أن تنعكس نتائج هذه المشاورات في تقارير الأمين العام.
وأشار إلى أن هذا الانفتاح يتيح توسيع قاعدة الاستماع إلى مختلف المعنيين بالمسار السياسي، بما يشمل أصواتا وفاعلين موجودين في المنطقة وفي محيطها، إلى جانب امتدادات الجالية والشتات؛ وهو ما يمكن أن يشمل، حسب طبيعة المشاورات التي سيجريها المبعوث الشخصي، محاورين من دول الجوار والفضاء الإقليمي، مثل موريتانيا، ومن الشركاء الأوروبيين ذوي الصلة بالملف، مثل إسبانيا.
الوضع الإنساني
أفاد المصدر الأممي المطلع بأن النسخة المنقحة لم تغفل الوضع الإنساني في مخيمات تندوف، حيث شددت على ضرورة استكمال تسجيل اللاجئين خلال ستة أشهر، وفقا للقانون الدولي للاجئين ومعايير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ودون تدخل من أي جهة.
واعتبر المصدر ذاته أن هذا المقتضى يكتسي أهمية خاصة؛ بالنظر إلى ارتباطه بمبدأ الوصول الإنساني وحرية التنقل، وبضرورة توفير معطيات أممية أكثر دقة حول الوضع الإنساني والديمغرافي في المخيمات، للسماح بتقييم الخيارات المرتبطة بالحلول الدائمة.
إدانة هجوم السمارة
سجل مصدر الجريدة أن النسخة المنقحة تتضمن إدانة صريحة للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في 5 ماي 2026، في سياق التشديد على ضرورة الالتزام بوقف الأعمال العدائية والامتناع عن أي خطوات يمكن أن تهدد العملية السياسية.
وأورد المصدر أن إدراج هذه الإدانة في مشروع القرار يندرج ضمن توجه أوسع يرمي إلى ربط المسار السياسي بالتزام جبهة “البوليساريو” ببنود وقف إطلاق النار، وعدم السماح بتطورات أمنية جديدة بتقويض الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات.
وخلص المصدر الأممي إلى أن التعديلات التي أدخلتها الولايات المتحدة على مشروع القرار تروم توسيع قاعدة التأييد داخل مجلس الأمن، والاستجابة للتحفظات التي أبدتها بعض الأطراف التي لم يذكرها خلال المشاورات، تفاديا لتكرار سيناريو القرار 2797، الذي اعتُمد في أكتوبر 2025 بأغلبية 11 صوتا، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت. وأضاف أن “واشنطن ستضع، عقب اجتماع الخميس، النسخة الزرقاء (Draft Blue) من المشروع، تمهيدا لعرضه على التصويت مساء الجمعة، في مسعى إلى حشد أكبر دعم ممكن وتفادي أي امتناع جديد”.
المصدر: هسبريس ـ أحمد الساسي