ثمة سخرية عميقة ينسجها التاريخ أحياناً، لا يستطيع أعظم الروائيين ابتكارها. ففي الوقت الذي احتفلت فيه فرنسا بمائوية ميلاد الفيلسوف ميشيل فوكو، الذي رأى النور في الخامس عشر من أكتوبر 1926، انفجرت في شوارعها احتجاجات طلابية واسعة، تستعيد، على نحو أو آخر، شيئاً من روح ماي 1968، حين تحول التمرد على الجامعة إلى مساءلة شاملة للمجتمع والسلطة والقيم السائدة. كأن فرنسا، وهي تضع أكاليل الاعتراف على قبر أحد أكثر مفكريها إزعاجاً للمؤسسات، تكتشف أن الأسئلة التي طرحها لم تمت معه، وأن السلطة التي فكك آلياتها ما تزال تنتج أسباب الاعتراض عليها.
في الكوليج دو فرانس، حيث درّس فوكو بين سنتي 1970 و1984، يُحتفى بمساره الفكري من خلال معرض ينظم بالشراكة مع المكتبة الوطنية الفرنسية، افتُتح في 30 شتنبر 2026، ويستمر إلى 15 يناير 2027، إلى جانب ندوات ومحاضرات تستعيد مخطوطاته وأرشيفه وأسئلته الفلسفية. وفي الشوارع، وعلى مقربة من المؤسسات التي تحتفي به، يرفع جيل جديد صوته احتجاجاً على تدهور شروط التعليم، ونقص المدرسين، وتفاقم الفوارق الاجتماعية والعنف الأمني. وقد شارك عشرات الآلاف في مظاهرات الثامن من أكتوبر، بينما أعلنت الحكومة إجراءات استعجالية للاستجابة لبعض المطالب.
ليست المفارقة في تزامن الاحتفال والاحتجاج فحسب، وإنما في طبيعة العلاقة بينهما. فالسلطة تحتفي بفيلسوف جعل من نقد السلطة مشروع حياته، فيما يحتج الطلبة على مؤسسات كان فوكو من أكثر المفكرين جرأة في كشف وظائفها الخفية. إنها لحظة يلتقي فيها فوكو الذي صار تراثاً ثقافياً بفوكو الذي لم يتوقف عن كونه أداة للقلق الفكري والسياسي.
لقد غير فوكو الطريقة التي ننظر بها إلى السلطة. لم يعد السؤال عنده مقتصراً على من يحكم، ومن يصدر الأوامر، ومن يمتلك أجهزة الدولة، بقدر ما أصبح السؤال أكثر تعقيداً: كيف تُنتج السلطة الطاعة داخل التفاصيل اليومية للحياة؟ كيف تصنف الأفراد، وتراقب سلوكهم، وتحدد ما هو طبيعي وما هو منحرف، وما هو مقبول وما يستوجب العقاب؟
في كتابه الشهير “المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن”، الصادر سنة 1975، كشف فوكو أن المجتمعات الحديثة لم تتخلص من آليات الإخضاع حين انتقلت من العقوبات الجسدية العلنية إلى المؤسسات الإصلاحية، وإنما أعادت تنظيمها بصورة أكثر دقة وفعالية. فالسجن والمدرسة والثكنة والمستشفى مؤسسات غير متطابقة، لكنها تتقاطع في استعمال تقنيات المراقبة والتصنيف والتقويم وإنتاج الأجساد المنضبطة.
ومن هذه الزاوية، يتجاوز احتجاج التلاميذ والطلبة الاعتراض على نقص التجهيزات أو اضطراب البرامج الدراسية، على أهمية هذه المطالب وشرعيتها الاجتماعية، ليصبح مناسبة لطرح سؤال أعمق: أي نوع من المواطنين تريد المؤسسة التعليمية إنتاجه؟ هل تسعى إلى تكوين ذوات مستقلة قادرة على النقد والمساءلة، أم إلى إعداد أفراد يتكيفون مع النظام القائم، ويقبلون التفاوت باعتباره قدراً طبيعياً؟
لذلك تكتسب العودة إلى ماي 1968 دلالتها الخاصة. ففي تلك اللحظة الاستثنائية، كانت الجامعة الفرنسية المكان الذي انطلقت منه الاحتجاجات، وكانت أحد موضوعاتها الأساسية. لم يرفض الطلبة شروط الدراسة وحدها، وإنما اعترضوا على العلاقات الهرمية، والسلطة الأبوية، والمحافظة الأخلاقية، وعلى مجتمع صناعي استهلاكي بدا لهم أنه يعد بالرفاهية مقابل الامتثال.
لم تكن أحداث ماي 1968 ثورة طلابية معزولة، فسرعان ما التحمت بالحركة العمالية، ودخل ملايين العمال في إضرابات واسعة، حتى بدا النظام السياسي والاجتماعي الفرنسي أمام أزمة تتجاوز أسوار الجامعة. لقد كانت تلك اللحظة تمرداً على طريقة إدارة المجتمع. غير أن استعادة ماي 1968 اليوم تستوجب الحذر من غواية التشابه السهل. ففرنسا سنة 2026 ليست فرنسا الجنرال ديغول، والطلبة الذين ينظمون احتجاجاتهم عبر الهواتف ومنصات التواصل يعيشون في عالم مختلف عن عالم المنشورات السرية والاجتماعات الطلابية والمتاريس الباريسية. كما أن الحركة الحالية انطلقت أساساً من مطالب ملموسة تتعلق بأزمة المدرسة العمومية، قبل أن تتسع إلى أسئلة العدالة الاجتماعية والمستقبل السياسي.
ما يجمع اللحظتين يتجاوز الشعارات والرموز. إنه شعور أجيال شابة بأن المؤسسات التي يفترض أن تفتح أمامها أبواب المستقبل أصبحت عاجزة عن الوفاء بوعودها، وأن الخطاب الرسمي حول تكافؤ الفرص لا يجد دائماً ما يسنده في التجربة اليومية. وحين يصبح التعليم، الذي يُفترض أن يكون أداة للتحرر الاجتماعي، مرآة للفوارق الطبقية، يتحول الاحتجاج إلى اعتراض على صورة المجتمع نفسه.
ولعل أكثر ما يمنح هذه المصادفة التاريخية عمقها هو أن فوكو لم يكن قائداً لانتفاضة ماي 1968 في باريس، كما توحي بعض الاستعادات المبسطة لسيرته. فقد كان آنذاك يدرّس في تونس، حيث احتك بالحراك الطلابي والقمع السياسي، قبل أن يعود إلى فرنسا وينخرط في التجربة الجامعية الجديدة في فانسين، إحدى ثمار التحولات التي أطلقتها انتفاضة ماي. ثم تعزز حضوره النضالي بانخراطه في الدفاع عن السجناء والمهمشين، خصوصاً من خلال مجموعة الإعلام حول السجون سنة 1971.
لقد كان اهتمام فوكو موجهاً إلى أولئك الذين لا تسمع المؤسسات أصواتهم إلا حين يخالفون قواعدها: السجناء، والمرضى النفسيون، والمقصيون، وكل من تحوله أنظمة التصنيف إلى موضوع للمعرفة والضبط. لذلك لم يكن المثقف عنده مجرد صاحب نظرية كبرى يتحدث باسم المجتمع، بقدر ما كان فاعلاً يشتغل على مواقع محددة تتشابك فيها المعرفة بالسلطة.
وهنا نصل إلى مفارقة أخرى أكثر إحراجاً.. كيف تتحول الأفكار المتمردة، بعد رحيل أصحابها، إلى جزء من التراث الرسمي الذي تحتفي به المؤسسات ذاتها التي كانت موضع نقدها؟ إن تحويل الفيلسوف إلى مناسبة تذكارية لا يشكل في ذاته خيانة لفكره، فحفظ الأرشيف ونشر المحاضرات وإتاحة المخطوطات أعمال ضرورية لاستمرار المعرفة. لكن الخطر يبدأ حين يتحول الاحتفاء إلى نوع من تحييد القوة النقدية للأفكار، وحين يصبح المفكر المزعج اسماً مطمئناً في ذاكرة المؤسسة، منزوعاً من سياق الصراعات التي منحت كتاباته معناها.
ففوكو الذي نحتفي به اليوم صاحب مؤلفات أكاديمية تُدرّس في الجامعات، لكنه أيضاً صاحب السؤال الذي يزعج كل مؤسسة: ما الذي تخفيه اللغة التي تقدم بها نفسها؟ وما علاقات القوة التي تعمل خلف ادعاءاتها بالحياد والعقلانية والمصلحة العامة؟
من الإنصاف، مع ذلك، ألا نختزل فكر فوكو في إدانة شاملة للمؤسسات. فهو لم يعتبر السلطة شراً مطلقاً يمكن للمجتمع أن يتخلص منه نهائياً، وإنما حللها باعتبارها شبكة من العلاقات المتحركة التي تُنتج المعرفة والسلوك وتفتح، في الوقت نفسه، إمكانات للمقاومة. كما أن مطالب المحتجين تستدعي أحياناً تدخلاً عمومياً أقوى، ومدرسين أكثر، واستثماراً أكبر في المدرسة، لا انسحاب الدولة منها. وهذه المفارقة بالذات تجعل التحليل الفوكوي أكثر خصوبة من مجرد شعار ضد السلطة.
وتبدو فرنسا الراهنة أمام امتحان مزدوج: أن تحافظ على تقليدها الفكري القائم على النقد، وأن تثبت في ممارستها السياسية قدرتها على الإصغاء إلى من يمارسون هذا النقد خارج المؤسسات. فالديمقراطية لا تقاس فقط بحرية تكريم الفلاسفة بعد موتهم، وإنما أيضاً بقدرتها على احتمال الأسئلة المزعجة التي يطرحها الأحياء.
وقد يكون أخطر ما يصيب المجتمعات الحديثة هو أن تتقن الاحتفاء بتاريخ الاحتجاج إلى درجة تجعلها تنسى أسبابه. عندئذ يصبح ماي 1968 صورة قديمة تباع على البطاقات البريدية، ويغدو فوكو تمثالاً فكرياً في متحف الذاكرة، فيما تُترك الأسئلة التي فجرت تلك اللحظات معلقة بلا أجوبة.
ليست مائوية فوكو مناسبة لاستعادة الماضي، إنها مناسبة لامتحان الحاضر. وهي تدعونا إلى التساؤل عما إذا كانت المؤسسات قادرة على استيعاب النقد دون تدجينه، وعلى الاعتراف بالاختلاف دون تحويله إلى مجرد موضوع للدرس أو الفرجة.
فبين قاعات الكوليج دو فرانس التي تستعيد صوت الفيلسوف، والساحات الفرنسية التي يرتفع فيها صوت المحتجين، تتشكل صورة بليغة عن العلاقة المضطربة بين المعرفة والسلطة والحرية. وإذا كان ماي 1968 قد أثبت أن الجامعة قد تتحول من مؤسسة لإنتاج المعرفة إلى فضاء لإنتاج التمرد، فإن أكتوبر 2026 يذكرنا بأن الفلسفة تقاس بالأسئلة التي تظل قادرة على إيقاظها بعد رحيل أصحابها.
ولعل السخرية الأخيرة أن فرنسا تستطيع اليوم الاحتفال بفوكو كما تشاء، لكنها لا تستطيع أن تحتفل به حقاً دون أن تواجه السؤال الذي ظل يطارد مشروعه الفكري: من يملك سلطة تحديد ما ينبغي أن يقال، ومن يحق له أن يتكلم، ومن يُطلب منه دائماً أن يصمت؟
فقد مات فوكو، لكن أسئلته لم تدخل المقبرة. وما تزال فرنسا التي تضع اسمه على واجهة الاحتفال تسمع صدى تلك الأسئلة في الشوارع، حيث لا تحتاج الفلسفة إلى إذن من أحد كي تستعيد صوتها.
المصدر: عبد العزيز كوكاس