حققت الأحزاب العربية تقدما لافتا في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي جرت الثلاثاء، بعدما أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع إمكانية حصولها على ما بين 17 و18 مقعدا في الكنيست، مقابل عشرة مقاعد في الانتخابات السابقة، في نتائج أولية تمنحها موقعا مؤثرا في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة، خصوصا مع تقارب معسكري المعارضة ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، وعجز أي منهما عن تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة للحكم.
وتعززت أهمية هذا التقدم مع إعلان منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة “راعم”، استعداده للانضمام إلى حكومة يقودها غادي آيزنكوت، مرشح المعارضة، في وقت أكد فيه الأخير أن “الشعب اختار التغيير”، معربا عن رغبته في تشكيل حكومة جديدة وتجنب العودة إلى انتخابات تشريعية ثانية.
وأظهرت التقديرات الأولى التي نشرتها القنوات الإسرائيلية 11 و12 و13 تقدم معسكر المعارضة بقيادة آيزنكوت بنحو 52 مقعدا من أصل 120، مقابل حوالي 50 مقعدا لتحالف اليمين واليمين المتطرف بقيادة نتانياهو، غير أن استطلاعا محدثا أجرته قناة “كان 11″، مساء الثلاثاء، أظهر تعادل الكتلتين، مع ارتفاع المقاعد المتوقعة لحزب “الليكود” إلى 27 مقعدا، ما يعكس استمرار تقلب التقديرات الأولية وصعوبة حسم موازين القوى قبل صدور النتائج الرسمية.
وتتطلب الأغلبية البرلمانية الحصول على دعم 61 نائبا على الأقل، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بمواقف الأحزاب العربية، التي قد تصبح طرفا مؤثرا في المفاوضات المرتقبة لتشكيل ائتلاف حكومي، سواء من خلال المشاركة المباشرة فيه أو تقديم دعم برلماني من خارجه.
وبحسب استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع، يتجه حزب “راعم” بقيادة منصور عباس إلى الحصول على سبعة مقاعد، فيما يرجح فوز القائمة العربية الأخرى بأحد عشر مقعدا، ليصل مجموع التمثيل العربي إلى 18 مقعدا وفق بعض التقديرات، في ارتفاع ملحوظ مقارنة بالانتخابات السابقة التي حصلت خلالها القائمتان على عشرة مقاعد.
وفي تصريحات للقناة الإسرائيلية الثانية عشرة، كشف عباس عن وجود اتصالات مع شخصيات من المعسكرين المتنافسين، مؤكدا أن التواصل لا يقتصر على القوى المعارضة لنتانياهو، وقال: “الجميع يتحدثون معنا، وليس فقط معسكر التغيير”، في إشارة إلى الموقع الذي بات يحتله حزبه ضمن الحسابات السياسية التي أعقبت إغلاق صناديق الاقتراع.

وأبدى رئيس “راعم” استعداده للانضمام إلى حكومة يترأسها آيزنكوت، لكنه شدد على ضرورة التأكد من إمكانية قيام مثل هذا الائتلاف، مقرا بأن الأرقام المتاحة لا تسمح، في الوقت الراهن، بتأمين الأغلبية المطلوبة، وفق التصريحات التي نقلتها القناة الإسرائيلية.
وتوضح الحسابات المبنية على التقديرات الأولى حجم التعقيدات التي تواجه هذا الخيار، إذ إن حصول معسكر المعارضة على 52 مقعدا، وإضافة المقاعد السبعة المتوقعة لحزب “راعم”، يرفع المجموع إلى 59 مقعدا، أي أقل بمقعدين من الأغلبية اللازمة، غير أن هذا الحساب يظل مرتبطا بالاستطلاعات الأولية، خصوصا بعد التحديث الذي أظهر تعادل المعسكرين في تقديرات قناة “كان 11″.
أما التعاون مع القائمتين العربيتين معا، فيمكن أن يمنح المعارضة أغلبية عددية وفقا لبعض التقديرات الأولية، غير أن تحقيق هذا الاحتمال يصطدم بتحفظات داخل معسكر آيزنكوت، الذي يضم أحزابا وشخصيات سياسية أعلنت خلال الحملة الانتخابية رفضها المشاركة في حكومة تضم تشكيلات عربية.
وكانت القائمة العربية الأخرى قد عرضت توفير ما وصفته بـ”شبكة أمان” لأي ائتلاف يتمكن من إنهاء حكم نتانياهو، وهو موقف يفتح الباب أمام إمكانية مساندة حكومة من خارجها، في مقابل استعداد منصور عباس للمشاركة المباشرة في ائتلاف يقوده آيزنكوت.
ويمنح هذا التباين القائمتين العربيتين خيارات مختلفة خلال المفاوضات المقبلة، إذ يمكن أن تتجه إحداهما إلى المشاركة الحكومية، فيما تختار الأخرى تقديم دعم برلماني مشروط، غير أن ترجمة هذه الاحتمالات إلى اتفاق سياسي تبقى مرتبطة بمواقف بقية الأحزاب ومدى استعدادها لتجاوز الخلافات التي برزت خلال الحملة الانتخابية.
ومن جهته، أكد آيزنكوت، مساء الثلاثاء، أنه يريد تشكيل حكومة جديدة ولا يرغب في إجراء انتخابات ثانية، معتبرا أن الشعب اختار التغيير، وذلك في أعقاب استطلاعات أظهرت تراجع معسكر نتانياهو مقارنة بالتوازنات البرلمانية السابقة.

وكان مرشح المعارضة قد وصف التقديرات الأولية بأنها تعكس رفضا لاستمرار الحكومة المنتهية ولايتها، فيما اعتبر حليفه يائير لابيد أن النتائج تمثل هزيمة قاسية لمعسكر نتانياهو، رغم أن تقدم المعارضة في بعض الاستطلاعات لا يضمن قدرتها على جمع العدد المطلوب من النواب لتشكيل الحكومة.
ويرتبط صعود الأحزاب العربية بارتفاع المشاركة الانتخابية في المدن والبلدات ذات الأغلبية العربية، ضمن اقتراع بلغت فيه نسبة التصويت العامة 77,7 في المائة، بحسب المعطيات الأولية التي أوردتها وكالة فرانس برس، وهي أعلى نسبة مشاركة منذ سنة 1999.
وساهم هذا الإقبال في تعزيز فرص القوائم العربية، التي استفادت من تعبئة واسعة في صفوف الناخبين، بعدما أصبحت الانتخابات بالنسبة إلى قطاعات من المواطنين العرب فرصة لزيادة تمثيلهم داخل الكنيست والتأثير في القرارات المرتبطة بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
ويشكل المواطنون العرب قرابة 20 في المائة من سكان إسرائيل، وتحتل قضايا العنف والجريمة والتمييز والسكن والتنمية الاقتصادية موقعا بارزا ضمن مطالبهم، إلى جانب الاعتراض على هدم المنازل والقرى في منطقة النقب، وهي ملفات حضرت في تصريحات قيادات الأحزاب العربية خلال الحملة الانتخابية.
وفي هذا السياق، أكد يوسف جبارين، في تصريحات نقلتها صحيفة “هآرتس” أن القوائم العربية أصبحت قوة سياسية لا يمكن تجاهلها في أي سيناريو حكومي، مشيرا إلى أن أولوياتها ترتبط بحماية المواطنين العرب من العنف والجريمة، ومواجهة التمييز، وتحسين ظروف السكن وتوفير فرص التنمية الاقتصادية.
وأوضح جبارين أن الأحزاب العربية تسعى إلى توفير حماية سياسية لناخبيها في مواجهة المشكلات التي تعاني منها مناطقهم، وفي مقدمتها هدم المنازل والقرى في النقب، ونقص المشاريع السكنية والمناطق الصناعية، فضلا عن الاعتداءات التي يتعرض لها شباب عرب.

ونقلت وكالة “فرانس برس” عن آسيا إغبارية، وهي طالبة حقوق تبلغ من العمر 23 سنة أدلت بصوتها في مدينة أم الفحم، قولها: “أريد التغيير، لا أريد أن أعامل بعد الآن كمواطنة من الدرجة الثانية أو الثالثة، أريد فقط أن أعيش في سلام وطمأنينة”، في تصريح يعكس جانبا من التطلعات التي رافقت ارتفاع المشاركة الانتخابية العربية.
وشهدت العملية الانتخابية شكاوى بشأن ظروف التصويت في بعض البلدات العربية، بعدما أفادت جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل بوجود تأخيرات طويلة داخل عدد من مراكز الاقتراع، فيما تحدث حزب “راعم” عن انقطاعات للكهرباء في بلدات بدوية يتمتع فيها بحضور انتخابي، وفق معطيات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية.
وكانت جمعية الحقوق المدنية قد نبهت اللجنة الانتخابية المركزية إلى بطء إجراءات التصويت في عدد من البلدات العربية، مشيرة، إلى حالات اضطر فيها ناخبون إلى الانتظار ساعات قبل الإدلاء بأصواتهم، في وقت شهدت فيه هذه المناطق تعبئة انتخابية واسعة.
وتزامنت هذه التطورات مع اتهامات وجهها نتانياهو إلى حزب “راعم” بشأن محاولة التأثير في نتائج الانتخابات، على خلفية توقيف ثلاثة أشخاص بحوزتهم مبالغ مالية نقدية، غير أن السلطات الانتخابية وصفت الواقعة بأنها حالة معزولة، فيما اتهم آيزنكوت رئيس الوزراء بالتمهيد للتشكيك في نتائج الاقتراع.
وجعل نتانياهو احتمال تعاون المعارضة مع الأحزاب العربية أحد محاور حملته الانتخابية، مقدما هذا الخيار بوصفه تحالفا بين “اليسار والإخوان المسلمين”، في محاولة لاستقطاب الناخبين الرافضين لمشاركة الأحزاب العربية في الحكومة، وهو موقف يعكس أحد أبرز العوائق السياسية أمام تشكيل ائتلاف يضم مختلف القوى المعارضة.

وفي المقابل، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن احتفالات المعارضة سابقة لأوانها، في إشارة إلى استمرار عدم اليقين بشأن النتائج النهائية، فيما تترقب الأحزاب إعلان التوزيع الرسمي للمقاعد قبل الدخول في مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي.
وتضع هذه التوازنات القوى السياسية أمام عدة احتمالات، يتقدمها توصل آيزنكوت إلى اتفاق مع الأحزاب العربية، أو استقطاب نواب من المعسكر المنافس، إلى جانب إمكانية تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم برلماني خارجي، بينما يبقى خيار حكومة الوحدة الوطنية مطروحا رغم صعوبته في ظل الانقسام السياسي.
وأظهر استطلاع للرأي نشر منتصف أكتوبر الجاري أن 55 في المائة من المستجوبين يفضلون تشكيل حكومة وحدة وطنية على العودة إلى انتخابات جديدة في حال عدم حصول أي معسكر على الأغلبية المطلوبة، غير أن تحقيق هذا السيناريو يواجه تحفظات داخل المعسكرين المتنافسين.
وسبق أن شهدت إسرائيل تجربة مشابهة سنة 2020، عندما توصل نتانياهو وبيني غانتس إلى اتفاق لتقاسم السلطة بعد ثلاث انتخابات في أقل من عام، قبل أن ينهار الائتلاف بعد نحو سنة، ما أدى إلى العودة مجددا إلى صناديق الاقتراع.
وبعد إعلان النتائج الرسمية، يتولى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تكليف الشخصية التي يراها الأقدر على تشكيل الحكومة، على أن تحصل على مهلة أولية مدتها 28 يوما، يمكن تمديدها 14 يوما إضافيا، قبل الانتقال إلى الإجراءات الدستورية الأخرى في حال تعثر تشكيل ائتلاف يحظى بثقة البرلمان.
وفي حال فشل المحاولات المتعاقبة، تبقى الدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة احتمالا قائما، بعدما شهدت إسرائيل أربع انتخابات بين أبريل 2019 ومارس 2021 نتيجة تعثر تشكيل ائتلافات مستقرة، فيما يستمر نتانياهو في تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة.
وفي انتظار النتائج الرسمية، يبقى التقدم الذي أحرزته الأحزاب العربية من أبرز معطيات الانتخابات، بعدما أصبحت مواقفها جزءا من حسابات تشكيل الحكومة، خاصة مع إعلان منصور عباس استعداده للانضمام إلى ائتلاف يقوده آيزنكوت، واستمرار الخلافات داخل المعارضة بشأن التعاون مع القوائم العربية، في مشهد ستحدد فيه المفاوضات المقبلة مدى قدرة هذا الصعود الانتخابي على التحول إلى تأثير فعلي في التوازنات السياسية الإسرائيلية.
المصدر: هسبريس - أحمد والزهراء