Loading...

قريبا من حسن أُورِيد

|
27 أكتوبر 2026, 01:00
Featured image
حجم الخط

رجلٌ من كتبٍ وأسئلة

أريد أن أكتب عن رفاقٍ يعبرون إلى الاستنارة من بابها الأصيل؛ أولئك الذين لا يستعيرون نورهم من رفوف الكتب وحدها، ولا يكتفون بترويض اللغة على مقاس الأفكار، وإنما يهبون الإنسانية معناها اليومي، ويجعلون من صلتهم بالأرض والإنسان ضربًا من الوفاء العميق لصيرورة الحياة وتحولاتها. إنهم ممن ينبت الفكر في تربتهم كما تنبت الشجرة في ذاكرة الأرض؛ جذورٌ ضاربة في التجربة، وأغصانٌ مفتوحة على احتمالات الوجود.

هؤلاء لا تستقيم مقارنتهم بالشخصيات الروائية والفلسفية التي ألفناها في ريعان الشباب، ولا بمن سكنوا مخيلتنا طويلًا، وأخضعونا لسحر معمارهم الفكري، أو لفتنة أدواتهم الباهرة في هندسة الوعي وترويض الذهن. فثمة مسافة شاسعة بين أن نعيش داخل أفكار الآخرين، مهما بلغت قدرتها على الإغواء، وأن نصادف إنسانًا يصير، في حضوره وسيرته وطريقة إصغائه للعالم، نصًّا مفتوحًا على حكمة لا تستنفذها القراءة، ولا تحيط بها المفاهيم.

وثمة، فوق ذلك، من يجمعون إلى هذه الثقافة العميقة ألقًا آخر؛ ألق الذين تصالح فيهم الفكر والوجدان، والتجربة والمعرفة، والذاكرة واستشراف المستقبل. كأنهم يأتون إلى العالم في الموعد الذي تحتاج فيه حركة الفكر إلى من يردّها من تجريدها البارد إلى حرارة الإنسان، ومن ضجيج المفاهيم إلى خفقة الحياة. لا يضيفون إلى الثقافة معلومات جديدة فحسب، وإنما يردّون إليها شيئًا من روحها التي كادت تتوارى تحت ركام التصنيفات، ويمنحون المعرفة فرصة نادرة كي تستعيد وجهها البشري.

وربما، أقول ربما، ستخالطني عصبية خفيفة وأنا أقترب من هذه الرؤية؛ عصبية من يحاول أن يستدعي من غبار الوثائق القديمة وفرادات الكتب أسماءً وأرواحًا لم تكن المعرفة عندها زينة للمجالس، وإنما كانت هيئةً للوجود، وطرائق في النظر، ومغامرة في اكتشاف الإنسان.

أولئك الذين يوقظون في الذاكرة أصداء العقد الفريد والأغاني والحيوان، وما يجاورها من خزائن العقل العربي التي كانت المجالس فيها مختبراتٍ للفكر، ومرايا للطبائع، ومسارح تتجاور فوق خشبتها الحكمة والطرافة، والجد والهزل، والنباهة ودهشة الاكتشاف. لم يكن الموسوعي عندهم من يكدّس المعارف في ذاكرته، وإنما من يفتح بينها الممرات، ويجعل من اختلافها وحدةً نابضة، ومن تناقضاتها بابًا إلى فهم أكثر رحابة للإنسان.

هنا، في مراكش، لا تحتاج دائمًا إلى أن تطرق أبواب المكتبات كي تعثر على بعض تلك الأبهاء؛ فقد تنفتح لك المعرفة في مجلس، وتطل عليك من ملامح رجل، وتستيقظ في حوار عابر حتى يخيل إليك أن الكتب القديمة قد غادرت أغلفتها، واختارت لنفسها هيئة بشرية، وجلست إلى جوارك تصغي وتجادل وتبتسم. ثمة أعاجيب سخية لا تُعرض في المتاحف، ولا تُقاس بعدد المؤلفات أو اتساع الفهارس؛ أعاجيب تسكن الأشخاص الذين استطاعوا أن يجعلوا من الثقافة خبرةً حية، ومن الاختلاف خصوبةً للعقل، ومن الألفة شكلًا راقيًا من أشكال المعرفة.

ولعل أجمل ما في الأمر أن تجلس إلى مجلس يضم قامة موسوعية من طينة المفكر والمبدع الأستاذ حسن أوريد، فتكتشف أن بعض الرجال لا يشبهون الكتب التي قرؤوها بقدر ما يشبهون المكتبة حين تستيقظ فيها الحياة؛ لا يكررون أصوات الذين سبقوهم، وإنما يتركون في الكلام أثرًا من تجاربهم، وفي الأفكار رائحة الأرض التي أنبتتهم، وفي الذاكرة فسحةً لدهشة لا يطالها التقادم.

هناك، تحديدًا، أفهم أن الاستنارة الحقيقية لا تُقاس بما نعرفه عن العالم، وإنما بما يضيفه حضورنا إلى إمكانات فهمه؛ وأن بعض الرفاق لا يعبرون إلى المعرفة كي يسكنوا أبراجها، وإنما يعبرون إليها كي يفتحوا نوافذها على الناس. هؤلاء لا يحتاجون إلى أن يتحولوا إلى شخصيات في رواية أو أطروحة فلسفية؛ فالحياة نفسها كتبتهم على مهل، ومنحتهم من أسرارها ما يجعل الجلوس إليهم ضربًا من القراءة التي لا تنتهي بانفضاض المجلس.

إنه ذلك العقل الفعّال، أو “واهب الصور” كما استقرّ في بعض صيغ الفلسفة الفارابية، حين يغدو الفكر طاقةً على تجاوز قصوره، وتصبح المعرفة حركةً تتخطى حدود المعطى نحو إمكانات لم تستنفذها التجربة بعد. ولعل استعارة هذا العقل في مقاربة قامة موسوعية من طينة الأستاذ حسن اوريد تتيح لنا أن نذهب أبعد من وصف سعة الاطلاع أو تعدد الاهتمامات؛ إذ يتعلق الأمر بملكة نادرة على تحريك المعرفة من داخلها، وإعادة توزيع الأسئلة على خرائط الفكر المستيقظ، ذلك الذي لا يستسلم لإغراء المادة حين تتحول إلى قيد، ولا يطمئن إلى السلطة حين تتخفّى في هيئة حقيقة مكتملة، أو تستعير من اليقين حصانته المزعومة.

إننا، في حضرة هذا النمط من العقول، لا نكون إزاء مكتبة تمشي على قدمين، وإنما إزاء مختبر تتفاعل فيه التجارب والأفكار والوقائع، وتتبادل فيه الرواية والتاريخ والفلسفة والسياسة أسرارها، حتى يغدو كل حقل معرفي نافذةً على الحقول الأخرى. وهنا تتجاوز الثقافة وظيفة الحفظ والاستعادة، وتستعيد قدرتها على إنتاج العلاقات بين ما يبدو متباعدًا؛ فالمعرفة، في معناها الأخصب، لا تقيم في عدد ما نقرأ، وإنما في نوع الروابط التي نستطيع اكتشافها بين الأشياء، وفي قدرتنا على مساءلة ما تواضع الناس على اعتباره بديهيًّا. ولعل هذا ما يجعل الحوار مع عقل موسوعي تجربةً تتجاوز تبادل الأفكار إلى اختبار حدودنا الخاصة في الفهم؛ إذ تجد نفسك، في الغالب، منصتًا لا لأنك فقدت القدرة على الكلام، وإنما لأن الإصغاء نفسه يصبح تمرينًا على إعادة بناء النظر.

يحضرني في هذا المقام أرسطو، الذي جعل التمييز بين القوة والفعل مدخلًا لفهم تحولات الموجود، وأستحضر أيضا الفارابي وهو يمنح العقل موقعًا مركزيًّا في انتظام المعرفة وارتقائها، ثم كانط وهو يذكّرنا بأن التجربة، على غناها، لا تكفي وحدها لإنتاج المعرفة ما لم تتدخل ملكات العقل في تنظيمها. غير أن المسألة، في مجلس كهذا، لا تقف عند حدود استدعاء الأنساق الفلسفية؛ إنها تتصل بتلك الملكة التي تعيننا على التمييز بين الأشياء المتحركة والساكنة، بين ما يفيض عن الحاجة وما ينقص عنها، بين أفق يتسع له العقل وأرض يلامسها الواقع من دون أن يكشف عن جميع طبقاته. كم من حقيقة تبدو مستقرة لأنها لم تتعرض بعد لامتحان السؤال، وكم من فكرة تكتسب بريقها من عجزنا عن ردّها إلى شروط نشأتها ومصالح تداولها؟

ولعل ميزة العقل الذي خبر الحياة والسلطة معًا أنه لا يكتفي بالنظر إلى الوقائع من واجهتها المرئية؛ إنه يحاول النفاذ إلى البنية التي تمنحها معناها، وإلى المصالح التي تحرس استمرارها، وإلى الشقوق التي تسمح بتحولها. وربما تلوح لي فائدة ميشيل فوكو في مساءلة العلاقة بين المعرفة والسلطة، لا لأن كل معرفة مؤامرة سلطوية، وإنما لأن إنتاج الحقيقة وتداولها يجريان داخل مؤسسات وخطابات وقواعد تحدد ما يمكن قوله، ومن يملك حق قوله، وما الذي يُستبعد قبل أن يدخل مجال التفكير. وتلوح لي في المقابل، أهمية حنة آرنت وهي تميز بين التفكير بوصفه نشاطًا يوقظ الحكم، وبين الامتثال الذي يعفي الذات من مسؤولية الفحص. فالاستنارة، بهذا المعنى، لا تكتمل بتراكم المعارف؛ إنها تحتاج إلى شجاعة عقلية تتيح للمرء أن يعيد النظر في أدواته، وأن يختبر المسلّمات التي ربما أسهمت تلك الأدوات نفسها في ترسيخها.

وأحيانًا، وأنا أتابع خيوط هذا الحوار، يساورني سؤال أكثر التباسًا: هل يكون العقل الهيولاني، في تعدد احتمالاته واستعداده لتلقي الصور، متوترًا بطبيعته أمام الأسئلة التي لا تكف عن التوالد؟ أم أن توتره هو العلامة التي تكشف عن حيويته، وعن رفضه أن يتحول إلى صيغة نهائية مغلقة؟ إنني أجدني أختبئ، في كثير من أسئلتي، تحت عمامة الشك؛ لا رغبةً في إرباك المتحدث أو امتحان قدرته على الجواب، وإنما خشية أن يستولي العنوان على الموضوع، وأن تحجب فتنة العبارة اتساع الرؤية التي أبحث عنها. فالسؤال، حين يكون جادًّا، لا يطلب من صاحبه أن يربح سجالًا؛ إنه يطالبه بأن يقترب من تخوم ما لا يعرف، وأن يعترف بأن المعرفة قد تبدأ من اللحظة التي يتعذر فيها الاطمئنان إلى الجواب الأول.

ومع ذلك، فإن الشك لا يكتسب قيمته من قدرته على هدم اليقين فحسب، وإنما من قدرته على التمييز بين يقين يستند إلى الحجة ويقين يستمد قوته من التكرار. وفي هذا الصدد أشير إلى نظرية غاستون باشلار، بما يتيحه مفهوم القطيعة المعرفية من فهم للعقبات التي تنشأ داخل الفكر نفسه؛ فالعقل لا يتقدم دائمًا بإضافة معرفة جديدة إلى معرفة قديمة، وإنما قد يحتاج إلى تفكيك ما استقر في داخله من عادات ذهنية وصور جاهزة. على أن بول ريكور، من جهة أخرى، يذهب في فكرته عن التأويل بوصفه عبورًا بين ظاهر النص وعمق دلالاته؛ إلى أن المؤلَّف يستنفد معناه في موضوعه المعلن، ولا تُختزل تجربة الكاتب في العنوان الذي يضعه على غلاف كتابه. وثمة حياة أخرى تتشكل في المسافة بين ما يكتبه المؤلف وما تكشفه كتابته، بين ما يقوله صراحةً وما تتركه لغته مفتوحًا على احتمالات القراءة.

وفق كل ذلك، لا يعود اقترابي من حسن اوريد انشغالًا بتعداد منجزاته أو تصنيف كتبه ضمن أجناسها المتعددة؛ إنما هو محاولة لقراءة ذلك الخيط الذي قد يصل بين الرواية والفكر والتاريخ والسياسة، ويمنح هذا التنوع شيئًا من وحدته العميقة. كيف تتجاور الذاكرة التاريخية مع المخيلة الروائية؟ كيف يتسلل السؤال الفلسفي إلى قراءة الحدث السياسي؟ وأي أثر تتركه التجربة الشخصية في بناء رؤية للعالم لا تستسلم لحدود التخصص، ولا تنفصل عن تحولات المجتمع الذي تنشأ فيه؟ إن هذه الأسئلة لا تفترض مسبقًا وجود وحدة مكتملة في المشروع، وإنما تقترح البحث عنها، واختبارها في النصوص، وتتبع ما يربط بينها وما يفصل بعضها عن بعض.

فالمؤلف، كما يمكن أن نستشف من تأملات ميخائيل باختين في تعدد الأصوات، لا يسكن دائمًا صوتًا واحدًا؛ قد تتجاور في أعماله لغات اجتماعية متعارضة، ووجهات نظر لا تنصاع بسهولة إلى مركز تأويلي واحد. وفي الرواية تحديدًا، يمكن لهذا التعدد أن يصبح طريقةً في معرفة العالم، لا مجرد تقنية سردية. أما الكتابة التاريخية والسياسية، فتضع صاحبها أمام مسؤولية أخرى: كيف يوازن بين الوقائع وتأويلها، وبين ذاكرة الأفراد وشروط الجماعة، وبين إغراء الحكم السريع وضرورة التحقق؟ هكذا يصبح تعدد الأجناس امتحانًا لقدرة الفكر على الانتقال بين مناهج مختلفة من دون أن يفقد حساسيته تجاه خصوصية كل مجال.

وربما لهذا السبب أجدني، في حضرة بعض العقول، أقل رغبةً في إطلاق الأحكام وأكثر ميلًا إلى تتبع المسارات التي صنعتها. فما يهمني ليس أن أعرف أين يقف صاحب الفكر فحسب، وإنما أن أكتشف كيف وصل إلى موقعه، وما الذي راكمه من مراجعات وانكسارات واستدراكات، وأي مناطق من العالم اضطرته إلى تغيير زاوية النظر.

إن الكتابة الفكرية التي تستحق الإصغاء لا تقدم لنا صورةً مكتملة عن صاحبها؛ إنها تكشف، على نحو تدريجي، عن صراعه مع أسئلته، وعن المسافة التي تفصل بين ما أراد قوله وما استطاع أن يبلغه، وعن ذلك الفائض الذي تتركه التجربة في اللغة من دون أن تتمكن اللغة من احتوائه كله.

ولعل أجمل ما يمنحه هذا النوع من المجالس أنه يعيد الاعتبار إلى المعرفة بوصفها علاقةً إنسانية قبل أن تكون رصيدًا رمزيًّا، وإلى الحوار بوصفه مشاركةً في إنتاج المعنى لا استعراضًا للقدرة على امتلاكه. ففي زمن تُقاس فيه المكانة بسرعة الاستجابة، وبوفرة الآراء، وبالقدرة على اختزال العالم في أحكام جاهزة، يصبح الإصغاء فعل مقاومة معرفية؛ ويغدو التمهل شرطًا لاستعادة الفروق التي تمحوها السرعة، واسترداد التفاصيل التي يبتلعها الضجيج، والإنصات إلى ما تقوله التجارب حين تتحرر من ضغط الشعارات.

ذلك أن العقل الذي يستحق وصف الفاعلية لا يُقاس بما يضعه من نهايات للأسئلة، وإنما بما يفتحه أمامها من مسالك؛ ولا بقدرته على إخضاع العالم لصورة واحدة، وإنما باستعداده لمعاينة تناقضاته من غير أن يختزلها في تسوية مريحة. ولعلني، وأنا أقترب من تجربة الأستاذ اوريد، لا أبحث عن عقل يهبني أجوبةً جاهزة بقدر ما أبحث عن ذلك الضوء الذي يجعل السؤال أكثر دقة، والشك أكثر مسؤولية، والمعرفة أقل ادعاءً بالاكتمال. فثمّة عقول لا تمنحك ما تفكر فيه فحسب؛ إنها تغيّر، بهدوء، الطريقة التي تفكر بها.

المصدر: مصطفى غَلمان

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز