تكتسي الممارسة السياسية قيمتها من خلال الوعد الذي تقيد به نفسها، والمتمثل في تحقيق الرفاه والسلم الاجتماعيين، وجعل المواطن مقتنعًا بأنه حين يفوض لبعض السياسيين ممارسة بعض الصلاحيات واتخاذ القرارات نيابة عنه، فإنه بالمقابل يحصل على حياة مستقرة، وأفق أفضل، يتيح له العيش الكريم والطموح المشروع في غد أفضل.
ولا يكتمل هذا الاطمئنان للفعل السياسي إلا من خلال تمتع الممارسين للسياسة بالنزاهة، والقدرة على خدمة الصالح العام عبر امتلاك الكفاءة، التي تؤهلهم لاقتراح وتنفيذ برامج سياسية، تحقق للمواطن ما يجعله مطمئنًا على حاضره ومستقبله.
ولعل المستجدات الأخيرة تجعلنا في صلب النقاش حول القيم الفضلى التي يجب أن يتمتع بها الفاعل السياسي، والتي تناول النقاش بعضها من خلال واقعة السيدة الوزيرة التي تم إعفاؤها بسبب قضية قديمة تجاوزت 22 سنة، أُدينت فيها بجنحة التزوير وانتحال صفة والنصب والاحتيال، واستعمال شهادة طبية للإفلات من العقاب.
إن هذه الواقعة، التي ارتاح لها الجميع، يمكن أن تكون فرصة سانحة لتخليق الحياة العامة، وتنقية الجسم السياسي من العوالق التي يبدو أنها تكاثرت وتناسلت في غفلة الجميع. فإرجاع المصداقية للعمل السياسي، والقضاء على ظاهرة عزوف الشباب عن السياسة، ومقاطعة الانتخابات، تستوجب غربلة المشهد السياسي، وإزالة كل ما من شأنه الإساءة إلى السياسة، ورد الاعتبار إليها وإلى المنخرطين في دهاليزها، باعتبارها عملًا نبيلًا يتغيا خدمة الصالح العام. ولعل الانطلاق من الحكومة عبر نفسها سيعطي للمواطن انطباعًا جيدًا بأن البلد يتطور سياسيًا ويقطع مع الممارسات السابقة التي تسيء إلينا جميعًا.
وأظن أن التمحيص الجيد لسير المستوزرين ضرورة ملحة، فلا نكتفي بالوزيرة سالفة الذكر، التي كان الفضل لوسائل التواصل الاجتماعي في الإطاحة بها، حتى لا يعتبرها البعض كبش فداء، أو بيضة الديك.
فما يروج مثلًا حول بعض الوزيرات والوزراء يتطلب من الجهات المسؤولة النظر إليه بكثير من الجدية، لأن مصداقية العمل السياسي على المحك. وإذا تجاهلت الحكومة ما يتداوله رواد الوسائل الاجتماعية من معطيات حول بعض وزرائها، فإنها حتمًا ستدفع الثمن غاليًا من سمعتها ومستقبلها، وبالتأكيد سيؤثر ذلك حتمًا على طريقة عملها. لذا يجب استغلال هذا الظرف المناسب، والجو العام السائد، الذي يتميز بالحماس والنقاش الصحي للشأن العام، وانخراط الجميع في ذلك، لتقديم توضيحات حول بعض الوزراء الذين تحوم حولهم بعض الشبهات. وإذا كانت المخالفات التي ارتكبوها جسيمة، فلا بد من إقالتهم، وتعويضهم بمن يستحقون التوزير من كفاءات يمتلئ بها الوطن، الذي يستحق منا جميعًا الاشتغال بنزاهة وإنكار الذات.
المصدر: مصطفى لغتيري