لم تكن مداخلة نائب رئيس مجلس النواب، عادل البيطار، بمناسبة مناقشة البرنامج الحكومي مجرد تصريح عابر داخل المؤسسة التشريعية المغربية، بل تجاوز صداها الحدود لتثير اهتمام عدد من المنابر الإعلامية الإسبانية، التي توقفت عند تأكيده ضرورة مواصلة العمل الوطني والدبلوماسي من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة، والدفاع عن حقوقها المشروعة في استرجاع سبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة.
يبدو أن ما أثار حساسية بعض هذه المنابر ليس مضمون المداخلة فحسب، بل إعادة طرح ملف تفضل بعض الأوساط الإسبانية إبقاءه بعيدا عن النقاش العمومي، وكأن مرور الزمن كفيل بتحويل الوقائع التاريخية إلى حقائق نهائية لا يجوز مساءلتها.
والحقيقة أن عادل البيطار لم يأت بجديد في الموقف المغربي، ولم يخرج عن الثوابت الوطنية، بل عبّر عن قضية راسخة في الوعي الوطني، تتجاوز الحسابات الحزبية والاعتبارات الظرفية. فاستكمال الوحدة الترابية يظل من القضايا التي تحظى بمكانة خاصة في النقاش السياسي، ومطالبة المغرب باسترجاع سبتة ومليلية والجزر المحتلة ليست موقفا وليد اللحظة، بل ملف تاريخي وسياسي ودبلوماسي ظل حاضرا في الذاكرة الوطنية.
لهذا، فإن التصفيق الحار الذي رافق المداخلة داخل مجلس النواب يعكس التفاعل مع مضمونها الوطني، ويؤكد أن إثارة هذه القضية لا يمكن اختزالها في مبادرة فردية أو مناورة سياسية عابرة.
والأكثر دلالة أن البيطار ربط الدفاع عن الحقوق المغربية بالشرعية التاريخية والقانونية، وشدد على اعتماد الحوار والوسائل السلمية. فأين يكمن التصعيد في موقف يدعو صراحة إلى الحلول السلمية؟ وأي مبرر لتحويل مطالبة مسؤول مغربي بالدفاع عن حقوق بلاده إلى مادة للتوجس والتهويل؟
إن التركيز الإعلامي على عبارة “الحقوق المشروعة” يوحي بأن مجرد استحضار هذا الملف بات يثير الانزعاج لدى بعض الأوساط الإسبانية. والحال أن العلاقات بين الدول لا تقوم على مطالبة أحد الأطراف بالصمت عن قضاياه الوطنية، بل على احترام حق كل طرف في التعبير عن مواقفه، مع الالتزام بقواعد الحوار والدبلوماسية.
ومعلوم أن هذا الملف ليس وليد المرحلة الراهنة، فقد سبق للملك الراحل الحسن الثاني، خلال ثمانينيات القرن الماضي، أن دعا إلى التفكير في مستقبل سبتة ومليلية والجزر المحتلة، في مبادرة عكست توجها نحو البحث عن معالجة سياسية ودبلوماسية لقضية ظلت عالقة بين البلدين.
يؤكد هذا المعطى، أن المغرب لم يتعامل مع الملف بمنطق ردود الفعل العابرة، بل ظل يعتبره قضية تحتاج إلى النفس الطويل والحكمة السياسية والقدرة على التفاوض. ومن ثم، فإن مداخلة البيطار تندرج ضمن استمرارية الموقف المغربي، الذي يجمع بين التشبث بالحقوق الوطنية والانفتاح على الحلول السلمية.
إن ما يستحق الاستغراب في ردود فعل بعض المنابر الإسبانية هو التعامل مع الموقف المغربي كما لو أنه تهديد للعلاقات الثنائية، رغم أن مضمونه لا يتضمن دعوة إلى المواجهة، بل تأكيدا على الحوار والشرعية القانونية والتاريخية. ومن هنا نتساءل: هل أصبحت المطالبة بالحقوق الوطنية أمرا غير مقبول لمجرد أنها لا تنسجم مع التصورات الإسبانية بشأن هذا الملف؟ وهل ينبغي للمغرب أن يتجنب إثارة قضاياه الترابية حتى لا يزعج شريكا اقتصاديا أو سياسيا؟
إن مثل هذا المنطق لا يخدم الثقة المتبادلة، بل يكرس تصورا غير متوازن للعلاقات الثنائية، يجعل مصالح أحد الطرفين ومخاوفه محددا لما يجوز للطرف الآخر قوله أو المطالبة به.
ولا خلاف في أن إسبانيا شريك استراتيجي للمغرب، وأن العلاقات بين البلدين تقوم على مصالح متشابكة تشمل التجارة والاستثمار والأمن والهجرة والبيئة والتنمية. كما أن تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، بشأن أهمية التعاون مع المغرب في تدبير تدفقات الهجرة والحفاظ على علاقات بناءة معه، تعكس حجم الترابط بين مصالح البلدين. لكن اعتقد هذه الشراكة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتجنب الملفات الخلافية أو إسكات النقاش بشأنها. فالعلاقات الناضجة لا تعني التطابق في المواقف، وإنما القدرة على تدبير الاختلاف باحترام متبادل، دون أن يتحول الدفاع عن المصالح الوطنية إلى تهمة أو مصدر للتوتر المفتعل.
إن مداخلة عادل البيطار تطرح سؤالا جوهريا: لماذا يُنظر إلى الحديث المغربي عن سبتة ومليلية والجزر المحتلة باعتباره مصدر قلق، بينما يفترض أن يشكل فرصة لإعادة التفكير في ملف تاريخي عالق؟
إن المغرب، وهو يحرص على تطوير علاقاته مع إسبانيا، لا يمكنه أن يتعامل مع قضاياه الوطنية بمنطق الحرج أو الرقابة الذاتية، لأن الشراكة الاقتصادية والأمنية لا تعني التنازل عن حق التعبير، والتعاون في قضايا الهجرة والاستقرار لا يفرض الصمت عن الملفات الترابية. كما أن احترام العلاقات الثنائية يقتضي احترام حق المغرب في عرض مواقفه، تماما كما يقتضي احترام حق إسبانيا في التعبير عن موقفها.
لقد قال عادل البيطار ما ينسجم مع موقف شعبي ووطني معروف، ودافع عن الحقوق المغربية بلغة تؤكد الحوار والوسائل السلمية. أما تحويل هذا الموقف إلى مادة للتصعيد الإعلامي، فلن يغير من حقيقة أن ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة يظل حاضرا في الذاكرة السياسية المغربية.
الشراكة مع إسبانيا خيار استراتيجي، لكن الصمت عن القضايا الوطنية ليس شرطا لها؛ والحوار لا يعني التنازل، والتمسك بالحقوق لا يعني العداء. وبين هذا وذاك، يظل المطلوب بناء علاقة مغربية إسبانية متوازنة، قوامها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والقدرة على مواجهة الملفات العالقة بشجاعة سياسية ومسؤولية دبلوماسية.
المصدر: مصطفى عنترة