Loading...

احتجاجات أوروبا الشبابية

|
26 أكتوبر 2026, 03:00
Featured image
حجم الخط

حين كتب ألكسيس دو توكفيل عن الديمقراطية، لم يرها مجرد آليات إجرائية وتقنية لإدارة صناديق الاقتراع، بل نمطَ عيش متكاملا للمجتمع، وعقدا أخلاقيا يؤسس للمساواة التداولية بين الحاكم والمحكوم. غير أن المشهد الأوروبي المعاصر، بما يحمله من موجات احتقان شبابي عابر للحدود وإضرابات متتالية تتجاوز المطلبية الآنية، يضع الفكر السياسي الغربي أمام معضلة كبرى: كيف تواجه ديمقراطيات الغرب، وفي طليعتها النموذج الفرنسي الذي نظر إليه كأسمى تجل لديمقراطية الأنوار، حالة انسداد هيكلية تجعل أدوات استقرارها التاريخية مصدرا لتوتراتها الحاضرة؟

ولعل من الضروري، في البداية، توضيح أن هذه القراءة لا تنصرف إلى تفكيك الأسباب المباشرة التي فجرت موجات الاحتجاج، مهما بلغت أهميتها أو بدت حاسمة في توقيتها؛ فتلك الأسباب قد لا تكون، في نهاية المطاف سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، أو الشرارة التي أضرمت نارا ظلت تتراكم تحت رماد الاختلالات الصامتة. ما يشغلنا هنا هو مستوى آخر من التحليل، أعمق من الحدث الآني وأبعد من مطلبه المباشر، إنه البحث في الشروط البنيوية والمؤسساتية التي راكمت الاحتقان، ووسعت فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وأضعفت قدرة آليات الوساطة والتفاوض على امتصاص التوترات وتسويتها. ومن هنا يبدو السؤال الجوهري ملحا، ليس فقط لماذا خرج الشباب إلى الشارع في هذه اللحظة بالذات، بل كيف بلغت العلاقة بين المؤسسات والمجتمع من الاختلال حدا جعل حادثا عابرا، أو مطلبا جزئيا، قادرا على استدعاء كل هذا المخزون من الغضب والاحتجاج.

إن تفكيك هذه الأزمة يستلزم قراءة في التحولات المجتمعية في ظل قالب مؤسساتي معين؛ حيث تعلمنا تجارب التاريخ أن المؤسسات والقواعد التي تنجح بامتياز في تنظيم مجتمع وتأمين استقراره في حقبة تاريخية وظرفية معينة، قد تواجه أزمة ملاءمة بنيوية عندما تتغير الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحاضنة لها؛ ليتحول استمرار تلك المؤسسات بالشكل والروح ذاتهما من أداة توازن إلى بؤرة دائمة لإنتاج الأزمات. وتبرز فرنسا هنا كمختبر مكثف ومثال كاشف لأبعاد هذا المأزق الأوروبي المشترك.

تحول البيئة الاستراتيجية وانحسار هوامش المناورة

ثمة أزمة مؤسساتية داخلية تتفاقم في ظل تحولات عميقة تعرفها البيئة داخليا وخارجيا في آن واحد؛ فرغم أن الضغوط المالية للدولة الفرنسية تنبع أساسا من عوامل هيكلية داخلية تخص الإنفاق العام ونموذج التوزيع، إلا أنه لا يمكن فصل هذا المأزق عن التحولات الجيو-سياسية التي تعيد تشكيل الموقع الاستراتيجي لفرنسا بوجه خاص، وفي مقدمتها تراجع نفوذها التاريخي في القارة السمراء.

فعلى مدى عقود، منح الحضور التاريخي لباريس في الفضاء الإفريقي موقعا جيو-اقتصاديا وفر لها شروط تبادل ميسرة، ومنافذ استراتيجية للطاقة والموارد، وهامش مناورة رمزيا وماديا عزز مكانتها الدولية وساعد توازناتها الكلية. ومع تنامي الوعي السيادي لدى الشعوب الإفريقية ومطالبتها بإعادة تعريف الشراكات النقدية والاقتصادية، انحسرت تلك الهوامش الخارجية غير المباشرة. وإن لم يكن هذا التحول الجيو-سياسي سببا منشئا للعجز المالي بحد ذاته، إلا أنه شكل عنصرا ضاغطا بإسقاطه امتيازات تاريخية معتادة، ووضع صانع القرار في مواجهة مباشرة مع إكراهات الواقع الاقتصادي الداخلي دون أي وسائد امتصاص خارجية.

تناقضات دولة الرفاه وتفكك “العصبية” الجمهورية

في خضم هذه المعادلة، يصطدم النموذج الفرنسي بأحد أعمق تناقضاته الداخلية التي تعكس مأزق الرفاه الأوروبي برمته؛ فقد قامت “دولة الرعاية” في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية على عقد تأسيسي واعد: كفالة الحماية الاجتماعية الشاملة، وتأمين كرامة الإنسان في التقاعد، وتوزيع ثمار النمو. لكن هذا النموذج أضحى، بمفارقة لافتة، ضحية لنجاحه الذاتي؛ فمع ارتفاع أمد الحياة، والشيخوخة الديمغرافية، وتباطؤ الإنتاجية النسبية، اتسعت الهوة بين مقتضيات العدالة الاجتماعية المستحقة وشروط الاستدامة المالية الحتمية.

يجدر بنا هنا استحضار قاعدة ابن خلدون “الظلم مؤذن بخراب العمران” في سياقها الشمولي وبأفق مؤسساتي؛ فالخلل لا يكمن في وجود ضغوط الموازنة أو إكراهات الإصلاح بحد ذاتها، بل في الإحساس المجتمعي باختلال العدالة التوزيعية في تحمل كلفة التأقلم مع التحديات الراهنة. فحين تلجأ السلطة إلى معالجة العجز عبر منطق محاسباتي تكنوقراطي يفرض تضحيات مباشرة على الفئات العمالية والأجيال الشابة، بالتوازي مع تقديم إعفاءات ضريبية لقطاعات الأعمال بدعوى تحفيز الاستثمار، يترجم ذلك في الوعي الجمعي كخلل في الإنصاف وتخل عن الوعود التأسيسية. بذلك تتصدع “العصبية” التضامنية للجمهورية، وتتحول الاحتجاجات إلى دفاع عن معنى العقد الاجتماعي ذاته.

سوسيولوجيا الترف والمؤسسات غير الرسمية: مفارقة الرفاه والصلابة

يتشابك هذا التوتر المؤسساتي مع معطى سيكوسوسيولوجي بالغ التعقيد يجمع بين أطروحة ابن خلدون ونظرية دوغلاس نورث حول المؤسسات غير الرسمية (Institutions informelles)؛ حيث نشأت الأجيال الجديدة في أوروبا الغربية في كنف وفرة استمرت لعقود، فتكونت لديها نماذج ذهنية وتوقعات مجتمعية مستقرة، ترى في مكتسبات دولة الرفاه حقوقا مطلقة وحتمية لا تقبل المساومة أو المراجعة.

وكما بيّن ابن خلدون في تشريحه لأطوار العمران، فإن الاستغراق الطويل في النعيم وكفالة الدولة يخلق دعة نفسية تصعب على المجتمعات تقبل شظف المراحل الانتقالية أو تقديم تضحيات شبيهة بما بذله جيل البناء وإعادة الإعمار. يضاف إلى ذلك أن الشارع المحتج اليوم ليس صوتا طبقيا نقيا وموحدا؛ بل يعكس أيضا استقطابات سياسية وهوياتية (polarisation politique et identitaire) حادة تتقاطع فيها مخاوف الهجرة وصعوبة الاندماج بصعود نجم اليمين المتطرف، وتعززها وسائط التواصل الرقمي التي تمنح الغضب الأفقي سرعة تعبئة استثنائية. فالاصطدام بين هذه “المؤسسات غير الرسمية” الراسخة وبين واقع التراجع الاقتصادي فاقم من حدة الصدمة المجتمعية، وحول الاحتجاج إلى رفض مزدوج، رفض لسياسات غير عادلة، وعجز عن التكيف في ظل إكراهات مرحلة الانكماش.

التصلب الدستوري: حين تصبح أدوات الاستقرار عبئا

إذا كانت المؤسسات غير الرسمية للمجتمع قد تحولت نحو الأفقية والمساءلة الفورية، فإن المؤسسات الرسمية للدولة في فرنسا لا تزال محكومة بما أسماه دوغلاس نورث “التبعية للمسار” (Dépendance au sentier). فقد كرّس دستور الجمهورية الخامسة عام 1958 بنية تنفيذية عمودية شبه رئاسية (“الملكية الجمهورية”) صممت خصيصا لوضع حد لعدم الاستقرار البرلماني الذي طبع الجمهوريتين الثالثة والرابعة. وبمجرد ترسيخ هذه البنية، أصبحت ذاتية التعزيز، فصار من الصعب تعديلها حتى بعد أن تغيرت الشروط الاجتماعية والسياسية التي بررت وجودها أصلا.

لا شك أن هذه البنية التنفيذية القوية قد نجحت في مرحلة تاريخية محددة، كانت تتطلب مركزية القرار وإعادة البناء. غير أن بقاءها بالشكل نفسه في مجتمع شبكي متطلب ولد اغترابا سياسيا؛ فالمؤسسات بطبعها لا تتجدد تلقائيا؛ إذ سرعان ما تحيط نفسها بأعراف ومصالح وموازين قوة تجعل أي محاولة للتغيير تبدو محفوفة بالمخاطر لمن يمسكون بزمامها. وهكذا، تتحول نجاحات الأمس إلى حائط صد اليوم يحول دون التفاعل المرن مع التحولات الشعبية، وبالتالي ما كان صمام أمان للدولة في منتصف القرن العشرين أضحى في القرن الحادي والعشرين عائقا، لأن قدرة المؤسسات على التعلم والحوار باتت أبطأ بكثير من تطلعات الشارع. وبذلك يصبح السؤال الحقيقي: هل تملك هذه المؤسسات الشجاعة لإعادة تشكيل قواعدها واستيعاب الأجيال الجديدة، أم ستترك الغضب يتراكم حتى تصبح الاحتجاجات لغة التفاوض الوحيدة؟

المادة 49.3: المأزق الإجرائي وبدائل التوافق

إن اللجوء المتكرر للفقرة الثالثة من المادة 49 من الدستور (49.3) قد أدى إلى بروز أزمة التصلب المؤسساتي(rigidité institutionnelle) ؛ فهذه الأداة الاستثنائية، التي وضعت أصلا ضمن منطق “العقلنة البرلمانية” لمنع الشلل الحكومي وتفادي مساومات الأحزاب الهدامة، كشفت ممارستها العملية عن مأزق ديمقراطي مركب، يتجلى من جهة في استسهال التمرير بديلا عن التوافق؛ إذ لا تكمن المشكلة في عدم دستورية المادة، فهي قانونية تماما، بل في تحولها من إجراء استثنائي لحماية الدولة من الانهيار إلى بديل تشريعي متكرر يعفي السلطة التنفيذية من سجالات سياسية ضرورية لبناء تسويات برلمانية وتوافقات مجتمعية واسعة حول إصلاحات كبرى. ومن جهة أخرى، يبقي الحكومة بمنأى عن حجب الثقة؛ إذ إن اشتراط الأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان لحجب الثقة يجعل أصوات الممتنعين لا تحتسب ضمن الأصوات المؤيدة لملتمس حجب الثقة، ما يسمح بإقرار تشريعات جوهرية دون أن تحظى بأغلبية مؤيدة فعليا، اعتمادا فقط على عجز المعارضة المشتتة عن التوافق على إسقاط الحكومة؛ كما أن الفجوة بين المشروعية والشرعية تتسع بشكل كبير، حين يمرر إصلاح ذو أثر اجتماعي عميق بقوة المسطرة الإجرائية وفي ظل رفض مجتمعي واسع، لتصبح “المشروعية الشكلية” عاجزة عن إنتاج “شرعية سياسية وأخلاقية”، مما يفرغ الديمقراطية من روحها التداولية ويؤجل الصراع بدل حله.

نظرية كوز وارتفاع كلفة الحوار

بالرجوع إلى نظرية رونالد كوز، ترتبط كفاءة أي نظام (من منظور اقتصادي أو سياسي) بقدرته على خفض تكاليف المعاملات (Coûts de transaction) لتسهيل التفاوض والوصول إلى توازنات مستقرة. تاريخيا، قامت الجمهورية الفرنسية على مؤسسات وسيطة متماسكة (النقابات العمالية، المنظمات الحقوقية، الأحزاب التقليدية، والبلديات) بوصفها قنوات تضمن التفاوض منخفض الكلفة. غير أن ميل النخب في السنوات الأخيرة إلى تهميش هذه الوسائط، بدافع تسريع وتيرة القرار وتفادي الإبطاء المؤسساتي، أدى إلى إغلاق مساحات التسوية المرنة. والنتيجة المباشرة لتجريف قنوات الوساطة، حسب منطق كوز الوجيه، هي رفع تكلفة المعاملة السياسية إلى أقصاها؛ فالشارع قد يتحول إلى فضاء تفاوض مواز أو بديل عندما تتراجع قدرة القنوات المؤسساتية على استيعاب المطالب وإنتاج تسويات مقنعة، وتتحول تكلفة تمرير السياسات من تنازلات تفاوضية داخل الغرف المغلقة إلى إضرابات مفتوحة، وشلل اقتصادي، ومواجهات أمنية باهظة الكلفة على الدولة والمجتمع معا.

فرنسا كمرآة مكبرة: أزمة الرفاه الأوروبي وخصوصية الصدام

لا ينبغي النظر إلى الغليان الفرنسي كاستثناء معزول، بل كمرآة مكبرة ومختبر مكثف لأزمة هيكلية تجتاح القارة الأوروبية برمتها. فمن إضرابات قطاعات النقل والصحة في بريطانيا وألمانيا، إلى احتجاجات المزارعين والشباب التي عبرت عواصم الاتحاد الأوروبي، تعيش الديمقراطيات الغربية المشهد نفسه، صدمة التوفيق الصعب بين شيخوخة سكانية تستنزف صناديق الرعاية، وتآكل في التنافسية والإنتاجية أمام المارد الصيني، وارتفاع كلفة المعيشة، يقابلها صعود أجيال شابة تواجه انسدادا في أفق التملك والاستقرار الوظيفي؛ غير أن الفارق الجوهري الذي يجعل الحالة الفرنسية تأخذ طابعا حادا يكمن في طبيعة الهندسة المؤسساتية لإدارة النزاع؛ فبينما تمتلك دول شمال أوروبا وألمانيا تقاليد عريقة في “الديمقراطية التوافقية” والشراكة الاجتماعية التي تخفف حدة الصدام عبر التفاوض الماراتوني والتنازلات المتبادلة، ظلت فرنسا أسيرة نموذجها المركزي الذي يختزل القرار في هرمية السلطة التنفيذية.

إن ما يعتمل في باريس ليس إلا النسخة الأكثر حدة لاختبار تاريخي تواجهه أوروبا بأسرها، مفاده: كيف يمكن الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية للقرن العشرين داخل بيئة اقتصادية وجيو-سياسية لم تعد تمنح القارة القديمة امتيازاتها التاريخية السابقة؟

أفق الملاءمة المفتوح: أسئلة المستقبل

ختاما، إن ما تشهده فرنسا اليوم (وبعض دول أوروبا) ليس حدثا معزولا ولا انهيارا تاما للديمقراطية، بل هو تعبير درامي عن لحظة انفصال بين شكل المؤسسات وجوهر التحولات المجتمعية في أوروبا الغربية؛ فالنظام يواجه معضلة مزدوجة شديدة التعقيد، يتجلى في صعوبة التوفيق بين استدامة مالية تفرضها حقائق المؤشرات والبيئة الدولية، وبين عدالة اجتماعية يقتضيها التماسك الداخلي ومبادئ حقوق الإنسان، وعجزا ذاتيا للمؤسسات الدستورية الحالية عن إنتاج التوافقات في ظل مجتمع شديد الانقسام والاستقطاب.

والسؤال الأعمق الذي تفتحه هذه الاحتجاجات لا يتعلق بوصفة سياسية محددة أو الحاجة إلى تغيير شكلي للأشخاص، بل يمس جوهر التجربة الديمقراطية ذاتها: هل تملك المؤسسات الديمقراطية القائمة في فرنسا (وفي أوروبا عموما) القدرة على ابتكار صيغ مؤسسية قادرة على الجمع بين فعالية القرار، والعدالة في توزيع أعباء التحول، والمساءلة السياسية، بما يستوعب الشروط الاجتماعية والجيلية الجديدة؟ أم إنها ستظل متمسكة بأدوات الاستقرار القديمة وقواعد القرن الماضي إلى الحد الذي تصبح فيه كلفة الحفاظ على الجمود أعلى بكثير من كلفة التغيير والتجدد؟

-باحث في الاقتصاد السياسي والسياسات العمومية

المصدر: عبد الإله الخضري

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز