قد يكفي نجاح عمل سينمائي أو تلفزيوني واحد لتغيير وجهة سياحية إلى الأبد. ففي عالم السياحة، نجح فيلم أو مسلسل تلفزيوني واحد في كثير من الأحيان في تحويل بلدات هادئة وجزر نائية وشوارع تاريخية إلى محطات بارزة على قائمة الوجهات التي يحلم المسافرون بزيارتها حول العالم. وتكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة؛ إذ لم تعد السياحة المستوحاة من الأفلام والمسلسلات اتجاهاً محدود الانتشار، بل أصبحت موضع اهتمام هيئات السياحة والمسؤولين المحليين ومحللي قطاع السفر، الذين يتابعون بانتظام كيف يمكن لعمل ناجح أن يستقطب موجات من الزوار، وينعش الأنشطة التجارية المحلية، ويعيد تشكيل هوية الوجهة السياحية لسنوات طويلة.
كانت مدينة دوبروفنيك معروفة أصلاً بأسوارها العائدة إلى العصور الوسطى وإطلالاتها الساحرة على البحر الأدرياتيكي، لكن مسلسل صراع العروش Game of Thrones منحها شهرة عالمية أوسع بكثير. فقد أصبحت المدينة التجسيد الواقعي لعاصمة كينغز لاندينغ الخيالية، وبدأت أعداد كبيرة من عشاق المسلسل بالتوافد إليها بعد انطلاق نجاحه. وسرعان ما طوّرت شركات السياحة المحلية جولات سيراً على الأقدام تشمل مواقع التصوير، مثل حصن لوفرييناك وبوابات المدينة القديمة. ووفقاً لتقارير السياحة الكرواتية خلال سنوات ذروة عرض المسلسل، شهد المرشدون السياحيون والفنادق والمطاعم ارتفاعاً في الطلب ارتبط مباشرةً بشعبيته. وقد حققت هذه الطفرة فوائد اقتصادية مهمة، لكنها فرضت ضغوطاً إضافية أيضاً. ففي وقت لاحق، اتخذت السلطات المحلية تدابير للحدّ من الازدحام في المركز التاريخي للمدينة، المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. ويُظهر ذلك كيف يمكن للشهرة السينمائية أن تعزّز جاذبية الوجهة السياحية، لكنها قد تفرض عليها في الوقت نفسه تحديات تتطلب إدارة السياحة المفرطة وتداعياتها. يمكنك قراءة أيضاً: اكتشفوا طرابزون على خطى أبطال مسلسل هذا البحر سوف يفيض
لطالما اشتهرت جزيرة سكيلّيغ مايكل الصخرية، الواقعة قبالة الساحل الجنوبي الغربي لأيرلندا، في المقام الأول بين المؤرخين ومراقبي الطيور. لكن هذا الواقع تغيّر عندما ظهرت الجزيرة بوصفها الملاذ النائي للوك سكاي ووكر في فيلم Star Wars: The Force Awakens عام 2015. وسرعان ما أصبحت درجاتها الحجرية شديدة الانحدار وموقعها الدرامي المطل على المحيط الأطلسي مشاهد مألوفة لملايين المشاهدين حول العالم. واستفادت هيئة السياحة الأيرلندية من هذا الاهتمام المتزايد، فيما أفاد منظّمو الرحلات السياحية المحليون في مقاطعة كيري بارتفاع اهتمام المسافرين الدوليين الراغبين في زيارة موقع التصوير. ونظراً إلى أن سكيلّيغ مايكل مُدرجة أيضاً على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وتتميّز ببيئة طبيعية هشّة، ظلّ الوصول إليها خاضعاً لقيود صارمة. وقد أصبح تحقيق التوازن بين الطلب السياحي المتزايد والحفاظ على البيئة مثالاً بارزاً على قدرة فيلم ضخم واحد على تعزيز شهرة وجهة سياحية في غضون فترة وجيزة للغاية.
لم تكن بلدة فوركس الصغيرة الواقعة في شبه الجزيرة الأولمبية بولاية واشنطن الأميركية، وجهة سياحية بارزة قبل ظهور سلسلة الشفق Twilight. لكن قصة الكاتبة ستيفاني ماير والاقتباسات السينمائية المستوحاة منها حوّلت البلدة إلى وجهة يقصدها عشاق السلسلة، رغم أن معظم مشاهد الأفلام صُوّرت في أماكن أخرى. وقد احتفت البلدة بهذا الاهتمام من خلال تنظيم فعاليات مستوحاة من السلسلة، ووضع لافتات تذكارية، وبيع منتجات مرتبطة بها، وتوفير تجارب سياحية تتمحور حول شخصيتي بيلا سوان وعائلة كولن. واستفادت الأنشطة التجارية المحلية من التدفق المستمر للمعجبين، ولا سيما في السنوات التي أعقبت صدور الفيلم الأول عام 2008. وأصبحت السياحة في فوركس مثالاً لافتاً على السفر المستوحى من الأعمال الخيالية؛ حيث لا تقتصر جاذبية الوجهة على مواقع التصوير الفعلية، بل تمتد لتشمل القصة نفسها. فبالنسبة إلى كثير من الزوار، مثّلت البلدة الأجواء العاطفية والعالم الخيالي الذي تدور فيه أحداث السلسلة، وكان ذلك كافياً لوضعها على خريطة الوجهات السياحية المعروفة. يمكنك قراءة أيضاً: من رومانيا إلى أيرلندا.. جولة في قلاع وقصور مسلسل Wednesday
كانت نيوزيلندا تروّج لمناظرها الطبيعية قبل وقت طويل من إطلاق ثلاثية سيد الخواتم The Lord of the Rings للمخرج بيتر جاكسون، لكن الأفلام نقلت شهرة هذه المناظر إلى مستوى مختلف تماماً. فبعد صدور الجزء الأول عام 2001، ارتبط اسم البلاد عالمياً بعالم الأرض الوسطى الخيالي في وقت قياسي. واعتمدت هيئة السياحة النيوزيلندية على الأفلام بشكل مكثّف في حملاتها التسويقية الدولية، فيما أشار المسؤولون مراراً إلى دور الثلاثية في تعزيز الصورة السياحية للبلاد. وتحولت أماكن مثل ماتاماتا، التي تحتضن موقع تصوير قرية هوبيتون، إلى معالم سياحية دائمة تستقطب الزوار، بدلاً من أن تبقى مجرد مواقع تصوير مؤقتة. ولم تقتصر النتائج على تنظيم الجولات المخصصة لعشاق الأفلام، بل أسهمت هذه الأعمال في ترسيخ مكانة نيوزيلندا بوصفها وجهة تتميز بمناظر طبيعية خلابة، وتجارب المغامرات، وصناعة الأفلام. وهكذا، أصبحت البلاد واحدة من أبرز وأنجح النماذج المسجّلة للسياحة المستوحاة من الأعمال السينمائية.
كان خليج مايا، الواقع في جزيرة في في ليه التايلاندية، يتمتع بجمال أخّاذ قبل أن تكتشفه هوليوود، لكن فيلم الشاطئ The Beach، الذي صدر عام 2000 من بطولة ليوناردو دي كابريو، دفع به إلى دائرة الشهرة العالمية. وأسهمت المشاهد التي ظهرت في الفيلم في تحويل الخليج إلى وجهة سياحية لا بدّ من زيارتها بالنسبة إلى المسافرين من مختلف أنحاء العالم. وارتفعت أعداد الزوار بشكل ملحوظ في السنوات التالية؛ إذ أخذت القوارب التقليدية طويلة الذيل والقوارب السريعة تنقل الحشود إلى الخليج الذي كان هادئاً في السابق. وفي وقت لاحق، حذّر مسؤولون تايلانديون وخبراء في الحفاظ على البيئة من الأضرار التي لحقت بالشعاب المرجانية والحياة البحرية نتيجة الأعداد الهائلة من السياح. وفي نهاية المطاف، أغلقت السلطات خليج مايا مؤقتاً لإتاحة الفرصة أمام نظامه البيئي للتعافي، قبل إعادة فتحه وفق ضوابط أكثر صرامة.
المصدر: ماغي شما