صدر حديثا للكاتب المغربي عبد العزيز كوكاس كتاب جديد بعنوان “تاريخ مختصر للعبث.. كوكب يتثاءب”، عن دار “خطوط وظلال” الأردنية وروائع الكتب السعودية، يقدم فيه مجموعة من النصوص الساخرة التي تتناول مفارقات السياسة والسلطة والبيروقراطية والسلوك الإنساني، من خلال عالم تخييلي تتداخل فيه الوقائع اليومية مع أحداث تجري في المجرات والكواكب البعيدة، في محاولة لقراءة تناقضات العالم المعاصر بأسلوب يجمع بين الكوميديا السوداء والتأمل النقدي.
وينطلق الكتاب من فرضية ساخرة تتصور العالم نتيجة خطأ إداري قديم وقع في أحد مكاتب المجرة، قبل أن تتولى بيروقراطية كونية الإبقاء عليه وتحويله إلى نظام دائم، وهي الفكرة التي يبني عليها المؤلف عددا من نصوصه، مستعينا بمؤسسات ولجان وتقارير وبلاغات متخيلة، تعيد إنتاج صور مألوفة من الحياة السياسية والإدارية في سياقات غير متوقعة، حيث تتحول الأخطاء البشرية إلى ملفات رسمية، وتصبح الفوضى موضوعا لاجتماعات ومحاضر وقرارات متلاحقة.
وفي هذا العالم المتخيل، يبتكر كوكاس مؤسسة يسميها “وزارة الصدفة الكونية”، تتفرع عنها مصالح ولجان وأجهزة تتولى تدبير شؤون الفوضى، بما يمنح المفارقة الساخرة طابعا مؤسساتيا، ويتيح للمؤلف تناول العلاقة بين القرارات ونتائجها، وبين اللغة الإدارية والوقائع التي تسعى إلى تفسيرها أو تنظيمها، مستثمرا التناقض بين جدية الخطاب الرسمي والطبيعة العبثية للأحداث التي يتناولها.
ويتضمن الإصدار نصوصا تحمل عناوين من قبيل “الاجتماع التأسيسي للفوضى” و”دليل إدارة الفوضى الأرضية” و”مؤتمر الأمم المتحدة للمجرات” و”فتوى في سرعة الضوء”، إلى جانب تقارير استخباراتية متخيلة قادمة من المريخ، ويوميات للكواكب المنسية، واعترافات مثقف يجد نفسه عالقا في بيروقراطية الأفكار، وهي عناوين تعكس تنوع الموضوعات التي يتناولها العمل، وتكشف طبيعة السخرية التي يستند إليها في الجمع بين الخيال العلمي وقضايا السياسة والثقافة والمجتمع.
ويستعين الكاتب بأشكال تعبيرية متعددة، تشمل البيان الرسمي والمحضر الإداري والخبر العاجل والتقرير الاستخباراتي والحكاية الساخرة، حيث يعيد توظيف هذه القوالب في مواقف تخييلية تجعل اللغة نفسها جزءا من المفارقة، فالصياغات التي اعتاد القارئ استقبالها باعتبارها تعبيرا عن الجدية والتنظيم تتحول إلى وسيلة للكشف عن التناقض بين المظاهر والنتائج، وما يمكن أن تنطوي عليه الإجراءات المعقدة من مفارقات تستدعي الضحك والتأمل.
وتحضر السياسة في الكتاب عبر صور ساخرة للمؤتمرات والخطابات والقرارات والمفاوضات، فيما تتجسد البيروقراطية في مؤسسات تنتج الوثائق واللجان وتعيد ترتيب الملفات دون أن تنتهي بالضرورة إلى معالجة المشكلات التي أنشئت من أجلها، ويستثمر المؤلف هذه الصور في بناء مواقف تتداخل فيها المبالغة الأدبية مع وقائع مألوفة، مستفيدا من قدرة السخرية على كشف التفاوت بين ما تعلنه المؤسسات وما يتحقق فعليا في حياة الأفراد والمجتمعات.
ويمتد اهتمام كوكاس إلى موضوعات اقتصادية واجتماعية وثقافية، من خلال استحضار عالم ينشغل بحساب الأرباح والمؤشرات، بينما تتراجع فيه أحيانا الاعتبارات الإنسانية، ومشهد ثقافي يجد نفسه محاطا بالخطابات الجاهزة والتصورات المتكررة، إلى جانب مفارقات العلاقات الدولية التي تتجاور فيها الدعوات إلى السلام مع استمرار الحروب والنزاعات، وهي موضوعات يعيد الكتاب تقديمها من خلال مشاهد متخيلة تتيح النظر إلى الوقائع من مسافة ساخرة.
وتمنح المجرات والكواكب والثقوب السوداء هذه النصوص مجالا تخييليا واسعا، إذ ينتقل السرد بين الفضاء الكوني وتفاصيل الحياة الأرضية، فتبدو بعض الممارسات البشرية، عند النظر إليها من خارج سياقها المعتاد، أقرب إلى مشاهد كاريكاتورية تكشف تناقضاتها بصورة أوضح، ويستفيد الكاتب من هذا الانتقال في تقديم مواقف تتراوح بين الطرافة والقلق، دون أن يفقد ارتباطه بالقضايا الإنسانية التي تشكل موضوع العمل.
وتقوم هذه المعالجة على توظيف الخيال العلمي في بناء مفارقات أدبية، من خلال إدخال عناصر تنتمي إلى الحياة السياسية والاجتماعية في فضاءات كونية غير مألوفة، فالمؤتمرات تمتد إلى المجرات، والتقارير تأتي من المريخ، والفتاوى تتناول سرعة الضوء، بينما تحتفظ الشخصيات والمؤسسات المتخيلة بملامح من الواقع البشري، وهو ما يتيح للقارئ التعرف على طبيعة المواقف التي يسخر منها المؤلف رغم غرابة الأماكن والأحداث.
وتؤدي السخرية في هذا الإصدار وظيفة نقدية واضحة، إذ يعتمد كوكاس على تضخيم التناقضات وإعادة ترتيب عناصرها في مشاهد غير متوقعة، بما يكشف عن جوانب من السلوك الإنساني قد تمر دون انتباه في سياقها اليومي، وتبرز هذه المقاربة خصوصا في تناول الخطابات التي تتكرر دون نتائج، والاجتماعات التي تتوالد منها اجتماعات أخرى، والقرارات التي تحاول تنظيم واقع تزداد تفاصيله تعقيدا.
ويحضر المثقف بدوره ضمن الشخصيات التي تشملها سخرية الكتاب، من خلال صورة الإنسان المنشغل بالأفكار والمواقف داخل فضاء تحكمه إجراءات متشابكة، وهي صورة تسمح بتناول العلاقة بين الثقافة والواقع، ومدى قدرة التفكير النقدي على الاحتفاظ باستقلاليته أمام القوالب الجاهزة، كما تمنح النصوص بعدا يتصل بمكانة السؤال والمعرفة في عالم تتكاثر فيه المعلومات والخطابات.
ويكتسب العنوان الفرعي للكتاب، “كوكب يتثاءب”، دلالة تتصل بالتكرار الذي يطبع جانبا من الحياة المعاصرة، حيث يصبح التثاؤب صورة رمزية لعالم أنهكته الأزمات والوعود المؤجلة والمشاهد المتشابهة، فيما تعكس النصوص المتتابعة شعورا بأن كثيرا من الأحداث يعيد إنتاج نفسه بأسماء وأشكال مختلفة، من دون أن تفقد السخرية قدرتها على تحويل هذا التكرار إلى مادة للقراءة والتفكير.
ويبدو أن اختيار المؤلف صيغة “تاريخ مختصر” يحيل بدوره إلى محاكاة ساخرة للكتابة التاريخية التي تسعى إلى ترتيب الوقائع وتفسير أسبابها، غير أن موضوع هذا التاريخ المتخيل هو العبث نفسه، بما يحمله من أحداث غير متوقعة وقرارات متناقضة ومؤسسات تحاول إخضاع الفوضى لقواعد التنظيم، فتتحول الكتابة إلى سجل أدبي للمفارقات التي يصنعها الإنسان في علاقته بالعالم.
ومن خلال هذا البناء، يجمع كوكاس بين الحكاية القصيرة والتقرير الساخر والتأمل في الممارسات الإنسانية، معتمدا لغة تستفيد من المفارقة والمبالغة وتغيير السياقات، حيث تتولد الطرافة من وضع الأفكار والمواقف المألوفة في ظروف لا تنتمي إليها، بينما يتشكل البعد النقدي من المقارنة الضمنية بين العالم المتخيل والواقع الذي يعرفه القارئ.
ويختتم هذا التصور الأدبي بسؤال يستحضر العلاقة الملتبسة بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه، بعدما جعل المؤلف من المجرات فضاء لمراقبة مفارقات الحياة الأرضية، ومن الضحك وسيلة لإعادة النظر في بعض مظاهرها، وهو السؤال الذي يلخص روح الكتاب: “هل نحن نضحك على العالم أم أن العالم يضحك علينا؟”.
المصدر: هسبريس - أحمد والزهراء