أصدر الباحث المغربي محمد بوشيخي كتابا جديدا بعنوان “طوبى التمكين في الفقه السياسي للتنظيمات الجهادية.. داعش نموذجا”.
الكتاب صدر عن “مركز تريندز للبحوث والاستشارات” بأبوظبي ضمن العدد 25 من سلسلة “اتجاهات حول الإسلام السياسي”، أواخر غشت الماضي. ويقع الكتاب في أكثر من 120 صفحة وموزع بين قسمين وتسعة محاور، دافع عبرها المؤلف عن رؤيته لمفهوم التمكين الذي تحول من مفهوم شرعي أصيل إلى “طوبى” في الفقه السياسي للتنظيمات الجهادية وفي القلب منها تنظيم “داعش”.
يعتبر بوشيخي، الباحث الرئيسي مدير مركز تريندز بالمغرب، أن مفهوم “التمكين” من المفاهيم الشرعية الأصيلة التي انبعثت خلال زمننا المعاصر من ركام الكتب التراثية بعد أن ظلت لقرون طويلة طي الهجر والنسيان، بفعل سعي حركات الإسلام السياسي خصوصا إلى إعداد خلفيتها الفكرية ورؤيتها السياسية وفق منطلقات شرعية توفر المصداقية لمنهجها الحركي في التغيير وتزكي احتذاءها بالتجربة النبوية في إقامة “دولة المدينة” التي كانت إيذانا بولوج الجماعة المسلمة الأولى مرحلة “التمكين” وتجاوز مرحلة “الاستضعاف”.
وبالتالي صار “التمكين” من المفاهيم الشرعية التي نالت حظا معتبرا من التوظيف السياسي في خطابات التنظيمات الإسلامية، وخاصة منها الجهادية، بل شكل حجر الزاوية في مشروعها التغييري كونه يشكل، حسب أدبياتها، ليس فقط الغاية الأسمى من نشاطها الدعوي والسياسي، إنما أيضا وخصوصا مبرر وجودها ومصير مآلها.

بيد أن التمكين، حسب الاتجاه السائد في الفقه الإسلامي، لا يشكل غاية في حد ذاته، إنما وعد من الله تعالى وتتويج لسننه في الخلق. وبالتالي، فإن الجماعة المسلمة ليست ملزمة بتحقيقه مادام يندرج ضمن إرادة الخالق، إنما لها أن تجعله خلفية دافعة لنشاطها ومحفزة لفكرها للخروج من مرحلة “الاستضعاف”، وهذا يفترض الاستجابة لمقتضياته والأخذ بأسبابه والتوسل بوسائله من حيث إخلاص العبادة وتحصيل المعرفة والتزام الخُلق الكريم؛ أي لا بد من استجماع مسببات القوة الروحية والعلمية والأخلاقية أيضا ليتحقق تمكين النفوس بحقيقة الإسلام قبل تمكينها بحكم الأوطان.
وبهذا يخلص بوشيخي إلى أن الجماعة المسلمة تصبح ممكنة حين تحقق التقدير لمشروعها المجتمعي والجاذبية لنموذجها التنموي، فتفرض احترامها على من خالفها والهيبة على من عاداها. وهذا تماما ما تختلف بشأنه الطروحات “المستحدثة” القائمة على ربط معنى التمكين بتملك سلطان الدولة من جهة، وجعله مطلبا شرعيا من جهة أخرى.
وبهذا أصبح تحقيق التمكين مقرونا بإفراغ الجهد لاكتساب السلطة، عبر أدوات الصراع والتمرد، باعتبار ذلك استكمالا للعبادة وتكليلا لوعد الله بنصر المؤمنين. وفي هذا الشأن، أوضح المؤلف أن هذا المفهوم “المستحدث” للتمكين هو الذي انتعش في خطاب السلفية الجهادية وأطر تمثلاتها للجهاد، ومنها تنظيم “داعش” الذي جعل التمكين مطية لإعلان الدولة ثم الخلافة وما واكب ذلك من جدل ومعارك فقهية وإيديولوجية كشفت عن هفوات وشروخ في فقهه السياسي.
غير أن “تدمير” دولة “داعش” وانهيارها التام في مارس 2019 بمغادرة جنودها بلدة الباغوز السورية، أعاد التنظيم إلى مرحلة ما قبل التمكين وما قبل إقامة الدولة، وبالتالي صار تعريف الماوردي للإمامة بأنها “موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا” لا ينطبق على الخلافة الداعشية التي أضحت تشكل، بعد انهيارها، حالة ملتبسة وغير قابلة للانتظام ضمن نسق الفقه السياسي الإسلامي. ففي الحالات التاريخية السابقة كان يتم التنظير للدولة بوجود الخليفة بل حتى لحالة غياب الخليفة مع بقاء الدولة وأركانها، أما في حالة “داعش” بقي الخليفة لكن زالت الدولة ومؤسساتها.
ورغم هذا التراجع الميداني للتنظيم، بل غياب سيطرته على الأرض، الشرط الأول والأساسي للتمكين، فإن الآلة الإيديولوجية للتنظيم أعادت تدوير المفهوم بدل إعادة تدوير نمط تمثلها هي للمفهوم. فوفرت للتنظيم مسوغات جديدة لشعار “باقية وتتمدد”، وبهذا لم يعترف التنظيم بزوال تمكنه وأفول دولته مستمرا في الاصطدام الكلي بمنطوق الشرع ومنطق الواقع.
فأصبحت النتيجة، حسب بوشيخي، وهو أيضا أستاذ زائر بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، تحول مفهوم “التمكين” مع تنظيم “داعش”إلى مفهوم مطاطي بفعل عوامل الأدلجة والتوظيف السياسي فانحرف به عن منطوق الشرع، قبل أن يحوله إلى “طوبى” لا يستقيم تمثلها إلا في “عقل غير عقلاني” فحاد به عن منطق الواقع أيضا؛ وبهذا أمسى “التمكين” في منظومة الفكر الجهادي مصادما لمنطوق الشرع ومنطق الواقع معا. الشيء الذي يفضح، بحسب الباحث، “طوباوية” العقل الجهادي في مقاربته لقضايا المجتمع المعاصر وتهافت أدواته النظرية في تناول مواضيع الحكم والسلطة والسياسة الشرعية.
المصدر: هسبريس من الرباط