شهدت مدن فرنسية عدة، السبت، موجة جديدة من الاحتجاجات على غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وسط تعبئة أمنية واسعة شملت نشر نحو 70 ألف شرطي ودركي، بزيادة تقارب 20 في المائة مقارنة بالأسبوع الماضي، تحسبا لتكرار أعمال العنف والنهب التي رافقت مظاهرات 17 أكتوبر الجاري.
وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف 135 شخصا بحلول الساعة الواحدة بعد الظهر، في وقت بلغ عدد المشاركين في الاحتجاجات نحو 35 ألف شخص، مقابل 60 ألفا خلال الفترة نفسها من السبت الماضي، وفق حصيلة أولية قدمها وزير الداخلية لوران نونيز، الذي أكد عدم تسجيل حوادث كبرى حتى ذلك التوقيت.
وأفاد وزير الداخلية بأن الأجهزة الأمنية رصدت 136 تحركا احتجاجيا في مختلف أنحاء البلاد، مقابل 264 تحركا قبل أسبوع، مشيرا إلى تعزيز إجراءات التفتيش والمراقبة في المدن الكبرى والمحاور الطرقية، إلى جانب تأمين المحلات التجارية والمرافق العامة.
وفي العاصمة باريس، شهدت ساحة الباستيل انتشارا أمنيا مكثفا بعدما قررت السلطات منع المسار الأصلي للمظاهرة، الذي كان مقررا أن ينطلق من الساحة، واقترحت مسارا بديلا من بوابة إيطاليا إلى بوابة فانسين، مرورا بالشوارع المحيطة بالعاصمة.
وجاء اعتماد المسار الجديد بعد رفض المحكمة الإدارية الطعن الذي تقدم به منظمو الاحتجاجات ضد قرار السلطات، فيما وافقت النقابات على تغيير نقطة الانطلاق تجنبا لتعريض المشاركين لمخاطر أمنية، رغم اعتراضها على تعديل مسار المظاهرة في اللحظات الأخيرة.
وفي مدينة ليون، جنوب شرق فرنسا، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق نحو 150 متظاهرا تجمعوا في منطقة محظورة على الاحتجاجات، بعدما حاولوا قطع الطريق بالقرب من مبنى جامعي ومركز للشرطة.
وشهدت مرسيليا بدورها انتشارا مكثفا لقوات مكافحة الشغب في محيط مديرية الشرطة والميناء القديم والمراكز التجارية الكبرى، مع الاستعانة بعربات مصفحة وصهريج للمياه، فيما فرضت السلطات قيودا على التظاهر في عدد من المدن، بينها ميلوز ونانسي وبزانسون.
ودفعت المخاوف من تكرار أعمال التخريب عددا من أصحاب المتاجر إلى تحصين واجهات محلاتهم بألواح خشبية، خصوصا في باريس ورين، بعدما شهدت احتجاجات الأسبوع الماضي عمليات نهب واعتداءات على ممتلكات تجارية، فضلا عن إضرام النار في مبنى بلدية ليموج.
وتشارك في التحركات الاحتجاجية نقابات عمالية وتنظيمات طلابية وتلاميذ الثانويات، إلى جانب ناشطين من حركة “السترات الصفراء”، الذين يطالبون بإجراءات لتحسين القدرة الشرائية وتعزيز الخدمات العمومية وتحقيق العدالة الضريبية والاجتماعية.
ودعا ممثلو الحركة إلى تنظيم يوم احتجاجي جديد في 31 أكتوبر الجاري، يتضمن اعتصامات أمام مقر الجمعية الوطنية ومقار البلديات بمختلف أنحاء فرنسا، احتجاجا على ما وصفوه بالتضييق على الحريات العامة والقيود المفروضة على حق التظاهر.
وفي مدينة أورليان، وسط البلاد، تزامنت الاحتجاجات الاجتماعية مع انعقاد مؤتمر لحزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبن، ما دفع نحو خمسين حزبا ونقابة وجمعية إلى الدعوة لتنظيم مظاهرة مناهضة للحزب، وسط إجراءات أمنية مشددة.
وقدرت السلطات المحلية عدد المشاركين في هذه المظاهرة بنحو 11 ألف شخص عند منتصف النهار، بينما رفع المنظمون العدد إلى 26 ألفا، في وقت فرض فيه رئيس بلدية أورليان حظر تجول ليليا على القاصرين الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما، يستمر حتى صباح الاثنين.
وشارك في المظاهرة عدد من مسؤولي الأحزاب اليسارية، من بينهم بالي باغاياكو، رئيس بلدية سان دوني المنتمي إلى حزب “فرنسا الأبية”، الذي وجه انتقادات إلى حزب التجمع الوطني، متهما إياه بتأجيج الخطاب العنصري والانقسامات الاجتماعية.
وتأتي الاحتجاجات قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في ظل استمرار التوترات الاجتماعية المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، وتنامي المطالب بتحسين الأجور والخدمات العمومية، بالتزامن مع استعداد البلاد لمناقشة مشروع ميزانية سنة 2027.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد استقبل، الجمعة، ممثلين عن التنظيمات الطلابية للمرة الأولى منذ انطلاق موجة الاحتجاجات، متعهدا باتخاذ إجراءات ملموسة بحلول الاثنين، فيما أرجأ زيارة كانت مقررة إلى نيجيريا والسنغال بين 28 و31 أكتوبر الجاري.
وتتزامن هذه التطورات مع ضغوط اقتصادية تواجه فرنسا بسبب ارتفاع الدين العمومي وتفاقم تحديات المالية العامة، في وقت أبقت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني على التصنيف السيادي للبلاد دون تغيير، مستندة إلى توقعات باعتماد ميزانية لسنة 2027 تتضمن إجراءات لتقليص العجز.
المصدر: البشير العلوي من باريس