أصبح المجتمع المعاصر يعيش على إيقاع العصر الرقمي، بحيث هيمنت عليه شركات رقمية عالمية تمتلك بيانات ضخمة من مستعملي الهواتف الذكية والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. كما تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي على هندسة وتشكيل الرأي العام، باعتماد الهيمنة الناعمة قصد التحكم في المجتمعات وتوجيه المواطن وفق مصلحة الشركات الرقمية والدول المتقدمة. وهذا ما دفع كلًّا من مارك دوغان وكريستوف لابي في كتابهما المشترك “الإنسان المكشوف: الدكتاتورية الخفية للرقمية” إلى الحديث عن ديكتاتورية رقمية تخدم مصالح الشركات العالمية الجديدة، وتمارس سلطتها على المواطن الكوني بطريقة ناعمة، جعلت منه الخوارزميات الرقمية كائنًا مبرمجًا ومراقبًا في حياته الخاصة والعامة.
في هذا السياق، يشكل الفكر النقدي بوصلة فكرية استراتيجية لمواجهة الثقافة الرقمية السائلة، قصد التمييز بين ما هو إيجابي وما هو سلبي عند قراءة واستهلاك المنشورات والمحتويات الرقمية. وذلك قصد الحماية من الأخبار الكاذبة أمام التدفق الهائل للمعلومات التي تتطلب ضرورة التحقق من مصدرها وصحتها ومصداقيتها. هذا الواقع يتطلب التفكير في مقاربة تربوية وثقافية حتى تتمكن كل من الدولة والمجتمع من التدخل البناء والهادف، من أجل خلق وعي رقمي لحماية المواطن وحسن استعمال الفضاء الرقمي.
العصر الرقمي وهيمنة الخوارزميات
أصبحت الأدوات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان المعاصر، حيث ترافقه في البيت والعمل وخلال السفر، وذلك باستخدام الهواتف الذكية والحواسيب والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي. عملت على نشر الثقافة الرقمية التي تعتمد على القراءة والكتابة والصورة بأبعادها المعرفية والدلالية. وفي ظل ذلك، تلعب الخوارزميات دورًا رئيسيًا في توجيه الرأي العام من خلال استراتيجيات تواصلية تساهم بشكل كبير في تسريع التفاعل وتبادل الأفكار. وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي بمحتواها الرقمي المتنوع أداة محورية تساهم في صياغة وتوجيه الرأي العام، سواء للتأثير والضغط أو لممارسة النقد.
لكن في المقابل، ظهرت تحديات وسلبيات جراء الاستخدام غير المسؤول لهذه التكنولوجيا، مثل تصاعد مظاهر التنمر الإلكتروني والتشهير والنشر المكثف للأخبار الكاذبة دون التحقق من مصداقيتها. إضافة إلى ذلك، امتدت التأثيرات السلبية للوسائط الرقمية إلى الأبناء ومستواهم الدراسي بسبب سوء استخدامها، وما يصاحب ذلك من صعوبة في المراقبة ووضع ضوابط محكمة داخل البيت أو المؤسسة التعليمية. كما أدى الاعتماد المفرط على هذه الوسائط إلى عزلة المستهلك وتقليص التفاعل الاجتماعي بين الأفراد، مما انعكس سلبًا على الحياة الاجتماعية.
هذا الواقع يدفعنا للعودة إلى تأمل نقدي طرحه الفيلسوف الألماني هربرت ماركيوز في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد”، حيث انتقد المجتمع الصناعي والتكنولوجي الحديث، مبرزًا كيف استطاع التقدم التقني أن يفرض أنماطًا محددة من السلوك والمعيشة، إذ جعل الفرد خاضعًا لسيطرة النظام الرأسمالي. ومن خلال تحليل عميق للبنى الاجتماعية والنفسية، كشف ماركيوز كيف استغلت الطبقات الرأسمالية الحاكمة العقلانية الزائفة لخدمة مصالحها الذاتية وتحقيق الربح المستمر عبر تكريس نماذج استهلاكية. وهو ما قاد إلى استغلال الإنسان وتحويله إلى أداة مستلبة داخل مجتمع يسعى لتحقيق الوفرة والاستغلال بدلًا من السعادة والرفاهية. وتأتي الثقافة الرقمية من ضمن العناصر الفاعلة في هذا السياق، التي أصبحت أداة لتنميط الوعي البشري، وجعل الأفراد أسرى لنمط استهلاكي موجه يعتمد على الدعاية والإعلانات، بهدف خلق احتياجات مصطنعة لا تعكس الحاجة الحقيقية للمواطنين. كما أن التكنولوجيا الرقمية ساهمت في تحويل الإنتاج الثقافي إلى سلعة تجارية، مما أدى إلى طمس القدرة الفردية على التفكير النقدي وتحليل القضايا العامة بعمق واستقلالية.
2- الرأسمالية في معادلة العصر الرقمي
أفرزت الرأسمالية الرقمية مجتمعًا أحاديًا يتميز بسيطرة النزعة الاستهلاكية، حيث أصبح الإنسان أداة ضمن معادلة الإنتاج والاستهلاك. ويسعى هذا النظام إلى تشكيل إنسان مستَغل ومسلوب الإرادة من خلال توظيف وسائل الدعاية والإشهار عبر الوسائط الرقمية. يتم ذلك باستخدام التكنولوجيا المتقدمة كالخوارزميات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب استغلال الأدوار الإنسانية النبيلة للثقافة من الأدب والفن وتحويلها إلى أدوات تخدم واقعًا يكرس الانعزال الفردي ويفرغ الإنسان من قيمه العليا مثل الحرية والتضامن والتعاون والتعايش. ونتيجة لذلك، هيمنت الفردانية بشكل عميق في المجتمع، مما أدى إلى عزلة الإنسان وانطوائه داخل العوالم الرقمية بدلًا من انفتاحه على قضايا المواطنة والمشاركة الفعالة مع الآخرين، لمعالجة الشأن العام من منظور نقدي واعٍ، قادر على مواجهة الاستلاب الرأسمالي وزيفه.
لقد عمد المجتمع الرأسمالي إلى تحويل الثقافة الرقمية إلى سلعة في إطار مجتمع استهلاكي يُقاس فيه الإنسان بقدرته على الإنفاق واندماجه ضمن حشود المستهلكين. عندما تستحوذ آلة الدعاية الرقمية على الفرد، يتحول إلى كائن مستلب تستغل إمكاناته ضمن دائرة مفرغة من الإنتاج المستمر والاستهلاك اللامحدود. في ظل هذا الواقع، لم يعد الإنسان يبحث فقط عن تلبية حاجياته الضرورية، ولكن أصبح يعيش في دوامة الاقتراض المستمر لمواكبة الإيقاع الجنوني للاستهلاك الرأسمالي.
في نفس الوقت، هيمنت ثقافة التفاهة والتفكير السطحي عوض التفكير النقدي كبوصلة لحماية القيم الإنسانية النبيلة. ورسخت التفاهة نفسها في المجتمع بدون مقاومة فكرية حقيقية قادرة على تفكيك اختلالات هذا النسق المجتمعي أو مواجهة العيوب الكامنة فيه. هذا مع تصاعد الرداءة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والفنية، بتحويل المعرفة إلى سلعة تخضع لآليات السوق بدلًا من أن تكون رافدًا للوعي الإنساني. وبالرغم من الفوائد العديدة التي أتاحتها الرقمنة، فإن العالم الرقمي يواجه تحديات كبيرة، إذ يسهم في إضعاف الذوق والقيم الإنسانية تدريجيًا، ويعمل على تسطيح وعي الأفراد واهتماماتهم. ونتيجة لذلك، يعيد إنتاج الواقع الاستهلاكي بشكل دائم ومستمر، يجعل من الإنسان أسيرًا للهيمنة الرقمية.
3- الحاجة إلى البوصلة الفكرية والنقد البناء
تشهد الطفرة الرقمية التي يعيشها المجتمع المعاصر، اليوم، طرح العديد من التساؤلات العميقة على مختلف فئات المجتمع، من المثقفين والتربويين وصولًا إلى عامة المواطنين. يعود ذلك إلى التحولات الجذرية التي طرأت على وضعية الإنسان النفسية والاجتماعية والثقافية، نتيجة لتدخل التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياته اليومية، خاصة في ظل التأثيرات السلبية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها العالم. فقد أصبح الفرد محاصرًا بتأثير الخوارزميات الرقمية التي تتحكم في قراراته وأفعاله. كما أصبحت حياته تحت رقابة مكثفة غير مسبوقة عبر مختلف الأدوات الرقمية التي ترافقه بشكل دائم.
إلى جانب ذلك، تقوم المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والشركات الكبرى باستغلال بيانات الأفراد، حيث يتم تصنيفهم بناءً على اهتماماتهم وميولهم الثقافية والاجتماعية والسياسية. بهذا الشكل، يتم توجيه الرأي العام لتحقيق مصالح الشركات الكبرى، بما في ذلك شركات التكنولوجيا نفسها. وعلى الرغم من الإمكانات الإيجابية التي فرضتها الثقافة الرقمية في تسهيل حياة الإنسان وتعزيز فرصه العملية واليومية، إلا أن الاستخدام المفرط لهذه الوسائل والتفاعل المكثف معها، بما في ذلك مشاركة المستخدمين لبياناتهم الشخصية بصورة واسعة، جعل الأفراد عرضة للرصد والتحكم التكنولوجي، سواء بوعي منهم أم دون إدراك.
في نفس الوقت، دفعت هذه البيئة الرقمية بالإنسان إلى ممارسة نوع من الرقابة الذاتية لإدارة تعامله مع التكنولوجيا ومحاولة استيعاب تأثيرها الثقافي والاجتماعي على حساب حريته الذاتية. وبالرغم من توفر إمكانيات الاستفادة من الجوانب الإيجابية للثقافة الرقمية على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، إلا أن تزايد الاعتماد على هذه الوسائط أدى أيضًا إلى هشاشة جديدة في المجتمع. فقد أصبحت حياة الأفراد مرصودة في جميع أبعادها الواقعية والرقمية، مما جعل المجتمعات الرقمية تتسم بضعف ثقافي ملحوظ، وذلك بسبب الأمية الرقمية وغياب الوعي الرقمي الذي يرافق استخدام التكنولوجيا بشكل سطحي واستهلاكي يفتقر إلى الجودة والنضج المطلوبين في مضامين المحتوى.
في هذا السياق، ساعد تطور التكنولوجيا النسق النيوليبرالي على التحكم الخفي في المشهد الرقمي، مما أدى إلى ترسيخ ثقافة فردية استهلاكية تقوم على مبدأ السوق والعرض والطلب بدلًا من تعزيز الفكر العقلاني لتدبير شؤون الدولة والمجتمع. حيث أدى انتشار القيم الاستهلاكية والسطحية إلى تفاقم الأوضاع الهشة بالمقارنة مع ما كانت عليه في السابق. ومن هذا المنطلق، ينبه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في كتابه “العلم والتقنية كأيديولوجيا” إلى أن المجتمع الحديث هيمنت عليه التكنولوجيا التي انعكست سلبًا على الإنسان وحريته. كما يشير إلى العقل الأداتي البورجوازي الذي نجح في تحويل الإنسان إلى كيان معزول عن قضاياه الحقيقية داخل المجتمع الرأسمالي، وجعله خاضعًا لسلطة التكنولوجيا التي تسيطر على جميع جوانب الحياة.
4- التفكير في ثقافة رقمية جديدة في العصر الرقمي
يتطلب العصر الرقمي وضع تصور واضح لآليات المعالجة من قبل الدولة والمجتمع لحماية المواطن، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن إطار قانوني للتعامل مع التطور السريع لهذه التكنولوجيا. وذلك بتطوير المقاربة التربوية والثقافية والإعلامية، بأبعادها الديمقراطية والعقلانية، لخلق وعي مجتمعي من أجل الحد من انتشار التفاهة والسطحية والشعبوية، وكذلك لمواجهة الظواهر السلبية والانتهاكات الرقمية. كما أن المقاربة الثقافية الهادفة والمسؤولة قادرة على إعادة بناء الثقافة الرقمية بشكل إيجابي وفعال، كامتداد لثقافة المواطنة وقيمها التي تنصف الإنسان وتحافظ على كرامته في مختلف المجالات.
يتطلب ذلك التفكير في بناء معرفة نقدية في الفضاء الرقمي تستند إلى استخدام العقل في الفضاء الرقمي. يفترض من الفاعل الثقافي أداء أدوار تربوية وثقافية واستراتيجية في العالمين الواقعي والرقمي، للنهوض بالثقافة الرقمية التي تساهم في إنتاج مواطن صالح يشارك بشكل مسؤول في بناء مجتمعه. ويعمل في إطار استراتيجية تسعى لتحقيق التطور وترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان والإسلام المتنور، لبناء مواطن متصالح مع قيم العصر وحداثته. يساهم في نشر ثقافة رقمية تعزز ثقافة الاختلاف والتعدد والاعتراف والتضامن والعيش المشترك، ضمن مجتمع يضمن العدالة ويحصن أفراده من الإقصاء والتهميش. كما تقتضي متطلبات العصر تنمية شاملة، لمسايرة التحولات التكنولوجية والثورة الرقمية التي يشهدها العالم. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تصور ديمقراطي جديد للثقافة الرقمية يؤسس لبناء مجتمع رقمي عادل، قائم على العلم والمعرفة والتواصل بمضمون تنموي يساهم في مواجهة تحديات المستقبل.
خلاصة
تحتاج الثقافة الرقمية إلى التفكير بشكل مستمر لإعادة بناء الوعي المجتمعي بقيمه وثقافته، يكون قادرًا على مواكبة العصر الرقمي من أجل التطور والتقدم نحو المستقبل بثقة ومسؤولية. وذلك لبناء مجتمع حديث يؤمن بالوحدة والتنوع والاختلاف والتضامن، لمواجهة مختلف التحديات، بما في ذلك بناء ثقافة رقمية ديمقراطية وعادلة تستفيد منها جميع الفئات الاجتماعية. كما يتطلب الأمر امتلاك الفكر النقدي لفهم خلفيات مضامين المحتويات الرقمية من أجل الاستفادة الإيجابية منها وحسن استخدامها، والمساهمة في تطوير مواطنة واقعية ورقمية تحمل القيم الثقافية التي تصون كرامة الإنسان وحريته من الاستلاب. وذلك للاستفادة من الطفرة الرقمية والذكاء الاصطناعي ووسائطها المتعددة، حفاظًا على حرية الإنسان وحقه في التفكير والتعبير والحصول على المعلومة الصحيحة لبناء مجتمع العلم والمعرفة والتنمية.
-أستاذ باحث في الترجمة بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية والأورومتوسطية والإيبروأمريكية، جامعة محمد الخامس، الرباط
المصدر: المصطفى رياني