Loading...

لمسات رواد فن النسيج في الموضة

|
22 أكتوبر 2026, 14:00
Featured image
حجم الخط

لم يعد النسيجُ مجرَّد حِرفةٍ تقليديَّةٍ تحفظها الذاكرة، أو تُمارس في الورشِ الصغيرة، بل تحوَّل خلال القرنِ العشرين إلى لغةٍ فنيَّةٍ، أعادت تعريفَ العلاقةِ بين الفنِّ والموضة، إذ جاء جيلٌ من روَّادِ فنِّ النسيج ليهدمَ الحدود التي كانت تفصلُ بين الحِرفة والفنون الجميلة، ويمنح النول مكانةً تُضاهي اللوحةَ الفنيَّة، بينما أصبحت الخيوطُ مادةً للنحتِ، وبناءِ الأشكالِ والإيقاعِ البصري. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الأقمشةُ خلفيَّةً للأزياء فقط، بل صارت مصدرَ إلهامٍ، يُحدِّد هويَّةَ التصميم، ويمنحه بُعداً فنياً وإنسانياً، يتجاوزُ الزخرفة. واليوم، ما زالت دورُ الأزياءِ الفاخرة تستلهمُ إرثَ هؤلاء الفنَّانين في كلِّ موسمٍ، فمن الهندسةِ الصارمةِ التي أرستها مدرسةُ Bauhaus إلى الأليافِ الخام والجريئة التي ميَّزت حركةَ Fiber Art في ستينيَّاتِ القرنِ الماضي، تستعيرُ الموضةُ مفرداتها من عالمِ النسيج، لتبتكرَ خاماتٍ غير متوقَّعةٍ، وبنى معماريَّةً، ولمساتٍ حسيَّةً، تمنحُ القطعةَ حضوراً استثنائياً. وبذلك تحوَّل كلُّ فستانٍ، ومعطفٍ، وحقيبةٍ إلى حكايةٍ منسوجةٍ بخيوطِ الفنِّ حيث يلتقي الإبداعُ بالحِرفة، وتُصبح الأزياءُ امتداداً لعملٍ فنِّي نابضٍ بالحياة.

لم تتعامل الفنَّانةُ شيلا هيكس Sheila Hicks مع النسيجِ بوصفه حِرفةً، بل بوصفه كائناً حياً يتنفَّسُ، ويتحرَّك، ويُغيِّر علاقتنا بالمادة. وتتلمذت شيلا على يدِ الفنَّان جوزيف ألبرز Josef Albers، لكنَّها سرعان ما غادرت صرامةَ مدرسةِ باوهاوس، لتشقَّ طريقاً أكثر حريَّةً وشاعريَّةً مستلهمةً تقاليدَ النسجِ العريقةِ في المكسيك، وأمريكا الجنوبيَّة، والهند. هناك اكتشفت أن الخيطَ لا يحتاجُ إلى أن يبقى حبيسَ السطح، بل يستطيعُ أن يتدفَّق في الفضاء، فيلتفُّ، ويتدلَّى، ويتراكم، ليولد منحوتاتٍ ليِّنةً تنبضُ بالألوانِ والملمس. وعليه، صنعت من الكتَّانِ، والصوفِ، والحرير أعمالاً تُشبه الشلَّالاتِ النسيجيَّة، والجدائلَ العملاقة التي تُعانق العمارة، وتُعيد تعريفَ العلاقةِ بين الفنِّ والمكان. وقد جعل هذا الحسُّ العضوي أعمالها تبدو كما لو أنها تنسجُ الذاكرةَ الإنسانيَّةَ نفسها حيث تتحوَّلُ العقدُ والالتفافاتُ إلى لغةٍ بصريَّةٍ، تستحضرُ حضاراتِ ما قبل الكولومبيَّة، وأساليبَ الحياكةِ التقليديَّة التي صمدت عبر القرون، لتُثبت أن الخيطَ يحملُ في داخله تاريخاً، وثقافةً، وهويَّةً لا تقلُّ قيمةً عن أي منحوتةٍ رخاميَّةٍ. وانعكس هذا الإرثُ مباشرةً على عالمِ الموضة، فلم تعد Sheila Hicks مصدرَ إلهامٍ بعيداً، بل أصبحت شريكةً في صياغةِ عددٍ من أبرزِ الرؤى الإبداعيَّةِ المعاصرة. على سبيلِ المثال، في مجموعةِ ستيلا مكارتني Stella McCartney لخريف 2019، ظهرت الأحزمةُ المنسوجة، والقلائدُ، والأقراطُ الملفوفة بالخيوطِ بوصفها امتداداً طبيعياً لمنحوتاتها، لتمنحَ الإطلالاتِ ملمساً فنياً، جعل كلَّ قطعةٍ أقربَ إلى عملٍ نحتي يمكن ارتداؤه. أمَّا في صيف 2026، فدعاها جوناثان أندرسون Jonathan Anderson إلى إعادةِ ابتكارِ حقيبةِ Lady Dior الأيقونيَّة، فغطتها بطبقاتٍ من خيوطِ الكتَّانِ والحرير المعقودةِ يدوياً بدرجاتِ المرجاني، والأخضرِ، والأزرقِ، والعاجي، لتتحوَّلَ الحقيبةُ الجلديَّةُ الصلبة إلى منحوتةٍ عضويَّةٍ نابضةٍ بالحياة، تُشبه أعشاشَ الخيوطِ المتراقصة. وبفضلِ هذه الرؤية، رسَّخت Hicks مفهوماً جديداً في الفخامةِ المعاصرة حيث لا تكمنُ قيمةُ القطعةِ في خامتها وحدها، بل وأيضاً في قِصَّتها، وملمسها، وذاكرتها الحرفيَّة. لقد أثبتت شيلا أن الأزياء قادرةٌ على احتضانِ الفنِّ دون أن تفقدَ وظيفتها، وأن كلَّ خيطٍ يمكن أن يُصبح قصيدةً بصريَّةً، وأن كلَّ حقيبةٍ، أو إكسسوارٍ مساحةٌ صغيرةٌ، تحملُ روحَ المتحفِ إلى منصَّاتِ العرض، لتُصبح الموضةُ احتفاءً بالحِرفةِ، والإنسانِ، والطبيعة في آنٍ واحدٍ.

امتدَّ تأثيرُ آني ألبرز Anni Albers، وجوزيف ألبرز Josef Albers إلى عالمِ الموضة، إذ تحوَّلت نظرياتهما حول اللونِ والبنيةِ والهندسة إلى مصدرِ إلهامٍ دائمٍ لأكبر دورِ الأزياء حيث أعادت دارُ بول سميث Paul Smith حبك منسوجاتِ آني في مجموعاتٍ معاصرةٍ بالتعاونِ مع مؤسسة Josef and Anni Albers Foundation، بينما احتفت هيرميس Hermès بإرث الثنائي عبر مشروعِ Hermès Éditeur الذي ترجم دقَّةَ أعمالهما الهندسيَّةِ إلى أوشحةٍ حريريَّةٍ استثنائيَّةٍ. وفي مجموعةِ لويفي Loewe لخريف 2025، تحوَّلت خمسةٌ من منسوجاتِ آني إلى حقائبَ وأزياءٍ، تُجسِّد الحوارَ بين الفنِّ والحِرفة. واليوم، لا يزالُ إرثُ الزوجين حاضراً في كلِّ مجموعةٍ تستكشفُ جمالَ الهندسة، أو تحتفي بابتكارِ الخامات، أو تنظرُ إلى النسيجِ بوصفه عمارةً تُرتدى. لقد أثبتت آني وجوزيف أن التصميمَ الحقيقي لا يخضعُ لزمنٍ، بل يبقى قادراً على إلهامِ الأجيال، وخياطةِ المستقبل بخيوطٍ من الإبداعِ الخالد. إليك اكتشفي القصة الحقيقية وراء أكسسوارات سكياباريللي المبهرة في عروضها.. من سوار القفل الى قلادة الكركند

وُلِدَت رؤيةُ ماغدالينا أباكانوفيتش Magdalena Abakanowicz من قناعةٍ جريئةٍ مفادها بأن النسيجَ لا يكتفي بتغطيةِ الجسد، بل ويستطيعُ أيضاً أن يحتلَّ الفضاء، ويُعيد تشكيله. وبينما منحت شيلا هيكس Sheila Hicks الخيوطَ ألوانها المتدفِّقة، وحضورها الحسِّي، جاءت الفنَّانةُ البولنديَّة لتُضيف إليها بُعداً درامياً مهيباً، إذ ابتكرت في ستينيَّاتِ وسبعينيَّاتِ القرنِ الماضي نمطَ Abakans، وهو عبارةٌ عن منحوتاتٍ نسيجيَّةٍ عملاقةٍ، نُسِجَت من أليافِ القنب الخشنة، وكانت تتدلَّى من أسقفِ المعارض وكأنَّها كائناتٌ حيَّةٌ تتنفَّس، وتتراقصُ مع الضوءِ والظل، وتفرضُ حضورها المعماري بصمتٍ مهيبٍ. ومعها لم يعد النسيجُ مجرَّد سطحٍ يُزيِّن الجدار، بل أصبح بنيةً نابضةً بالحياة، تُثبت أن الخيطَ قادرٌ على الوقوفِ وحده بوصفه منحوتةً، تروي قِصَّتها في الفراغ. وقد امتدَّ صدى فلسفةِ ماجدالينا إلى عالمِ الموضةِ الطليعيَّة حيث ألهمت جيلاً من المصمِّمين للنظرِ إلى الثوبِ بوصفه عملاً معمارياً لا مجرَّد قماشٍ يُخاط حول الجسد، من ذلك إبداعاتُ إيسي مياكي Issey Miyake، وآيريس فان هيربن Iris van Herpen، ويوجي ياماموتو Yohji Yamamoto، فهي تحملُ بوضوحٍ هذا الإرث، إذ تتحوَّلُ الأقمشةُ إلى هياكلَ عضويَّةٍ وانسيابيَّةٍ، تُحيط بالجسدِ كما لو كانت درعاً فنيَّةً تنبضُ بالحركة. وبفضل رؤيتها، تحرَّرت الأزياءُ من مفهومها التقليدي، وأصبح الثوبُ منحوتةً ثلاثيَّةَ الأبعاد، تتحاورُ مع الجسد، وتُغيِّر ملامحه، وتُعيد رسمَ حضوره في الفضاء. إنها دعوةٌ إلى ارتداءِ الفنِّ حيث تلتقي العمارةُ بالنسيج، وتُصبح الخيوطُ لغةً، تكتبُ بها الموضة أكثر فصولها جرأةً وابتكاراً.

في خريفِ 2026، تعودُ الخيوطُ لتروي فصلاً جديداً في قِصَّةِ الموضة حيث يلتقي إرثُ الحِرفيين العظماء برؤيةِ المصمِّمين المعاصرين، إذ، وفي زمنٍ تبحثُ فيه الفخامةُ عن روحٍ إنسانيَّةٍ بعيداً عن برودةِ الإنتاج المتشابه، أصبح النسيجُ اليدوي بتعرُّجاته الطبيعيَّة، وملمسه الغني رمزاً جديداً للتميُّز. واليوم، لم يعد النول مجرَّد أداةٍ من الماضي، بل تحوَّل إلى مختبرٍ للإبداع، يحملُ بين خيوطه حكاياتِ الثقافاتِ القديمة، ويمنحُ الأزياءَ الحديثة عمقاً يتجاوزُ الشكل. ومن الكتَّانِ الخام الملفوفِ بعنايةٍ، ليكشفَ عن قيمةِ الحِرفةِ إلى التقنيَّاتِ الرقميَّةِ التي تُعيد رسمَ خرائطِ النسج الكلاسيكيَّة بلغةٍ مستقبليَّةٍ، يبقى الخيطُ الرابطَ السحري بين جدرانِ المعارض، وجسدِ الإنسان، وبين الفنِّ الذي يُعلَّق على الجدران، والموضةِ التي تتحرَّك في الشوارعِ، وعلى منصَّاتِ العرض. تابعي أيضًا We Design Beirut: فنون النسيج بين رؤى المصممين وأيدي الحرفيين

في مجموعاتِ الأزياءِ الجاهزة لخريف 2026، يظهرُ تأثيرُ فنَّاني النسيجِ عبر تصاميمَ تُعيد اكتشافَ ملمسِ القماشِ وحركته. تستعيدُ دورُ الأزياء روحَ الحياكةِ اليدويَّة من خلال طبقاتٍ من الخيوطِ، والأنسجةِ غير المنتظمة، والتفاصيلِ التي تبدو وكأنَّها خرجت من نولِ فنَّانٍ معاصرٍ.

أمَّا في عالمِ الأزياءِ الراقية، فتصلُ الحكايةُ إلى ذروتها، إذ تتحوَّلُ الخيوطُ والأقمشةُ إلى منحوتاتٍ تُرتدى، وتستمرُ دورٌ، منها آشي استديو Ashi Studio، وإيلي صعب Elie Saab، وسكاباريللي Schiaparelli، وفندي Fendi، وشانيل Chanel، وديور Dior في استكشافِ الحدودِ بين الموضةِ والفنِّ حيث تُصبح التطريزاتُ، والبنى النسيجيَّة، والتكويناتُ ثلاثيَّةُ الأبعاد لغةً تُعبِّر عن الحلم. وفي هذه المساحةِ الحالمة لا يكون القماشُ مجرَّد مادةٍ، بل يُصبح ذاكرةً، وحركةً، ونحتاً ناعماً، يُحيط بالجسد، ويستعيدُ الكوتور روحَ الحِرفيين الذين وجدوا في الخيطِ أكثر من مجرَّد عنصرٍ زخرفي، ليُصبح كلُّ فستانٍ قصيدةً منسوجةً، وكلُّ قطعةٍ احتفاءً بالإنسانِ الذي يقفُ خلفها. بهذا الشكلِ يُواصل النولُ رحلته من أيدي الفنَّانين إلى منصَّاتِ الموضةِ العالميَّة مؤكِّداً أن مستقبلَ الفخامةِ سيبقى مرتبطاً دائماً بجمالِ العملِ اليدوي، وقوَّةِ الحكاية التي يحملها كلُّ خيط. يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

المصدر: سلطانة كيروز

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز