سلّطت فعاليات وهيئات حقوقية، الثلاثاء بالرباط، الضوء على الجهود المبذولة لإلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب، في سياق استعداد المملكة لاحتضان المؤتمر العالمي العاشر لإلغاء هذه العقوبة، وما يطرحه ذلك من رهانات تشريعية وحقوقية مرتبطة بحماية الحق في الحياة وملاءمة المنظومة الجنائية مع الالتزامات الدولية للمملكة.
وخلال الندوة التي احتضنها مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان، جرى التأكيد على ضرورة تسريع خطوات الإلغاء؛ عبر مراجعة التشريعات الوطنية والمصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإعادة النظر في وضعية المحكومين حاليا بعقوبة الإعدام.

رهانات قائمة
أكد عبد الرحيم الجامعي، محام ومنسق الائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، أن احتضان المغرب المرتقب للمؤتمر العالمي العاشر لإلغاء عقوبة الإعدام يضعه أمام مسؤولية سياسية وحقوقية تستدعي مراجعة المنظومة الجنائية وشطب عقوبة الإعدام من مختلف القوانين العادية والعسكرية، إلى جانب إقرار الأثر الرجعي للإلغاء بما يشمل المحكومين بها الذين يبلغ عددهم، حسب المعطيات التي أوردها، 56 شخصا؛ بينهم امرأة.
ودعا الجامعي، في كلمة له، السلطات القضائية ورئاسة النيابة العامة والمؤسسة التشريعية إلى النظر في أوضاع المحكومين الذين قد تكون العقوبات الصادرة في حقهم طالتها قواعد التقادم، مطالبا بـ”رفع القيود عن المعنيين وإطلاق سراحهم متى ثبت قانونا سقوط العقوبة بالتقادم”. كما اعتبر أن “استمرار الاحتفاظ بهم، على الرغم من ذلك يطرح إشكالات قانونية وحقوقية تستوجب المعالجة”.
وأبرز الحقوقي ذاته أن “جهود إلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب ينبغي أن تتواصل بتنسيق بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان والأحزاب السياسية والنقابات ومكونات المجتمع المدني والمنظمات النسائية والشبابية، مع تعزيز مشاركة الشباب في التحضير للمؤتمر المقبل بمراكش”.
ونادى الجامعي الدولة بتجاوز ما وصفه بـ”التردد التشريعي والسياسي، والمصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام”، محذرا من أن “استمرار الإبقاء على هذه الوضعية قد يضعف مصداقية المغرب الحقوقية”.
كما نبه إلى مخاطر التراجع عن وقف تنفيذ العقوبة في بعض دول المنطقة كالجزائر، معتبرا أن “حماية الحق في الحياة مسؤولية كونية تستدعي مواجهة كل التوجهات الرامية إلى إعادة العمل بالإعدام”، ومؤكدا أن إلغاءها “سيشكل مكسبا للمغرب وللحركة الحقوقية الدولية، ويعزز موقع المملكة ضمن الدول الداعمة للحقوق والحريات”.

المغرب أمام اختبار
أفاد عبد الله مسداد، الكاتب العام للمرصد المغربي للسجون، بأنه “رغم ما يشهده السياق الدولي من تراجعات على مستوى حقوق الإنسان، فإنه يتضمن مؤشرات إيجابية تعزز التوجه نحو إلغاء عقوبة الإعدام؛ من بينها الالتزامات المعلنة من قبل عدد من الدول، واستعداد المغرب لاستضافة المؤتمر العالمي العاشر المناهض لهذه العقوبة، إلى جانب دعم 75 خبيرا مستقلا تابعا للأمم المتحدة لجهود الإلغاء”.
وأوضح مسداد، في كلمته، أن “السياق الوطني يتضمن بدوره مؤشرات مشجعة، من بينها مقتضيات الفصل 20 من دستور 2011، وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، والتصويت الإيجابي للمغرب على القرار الأممي المتعلق بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام سنة 2024؛ فضلا عن تراجع أعداد المحكومين بهذه العقوبة واستقرار الأحكام الصادرة بشأنها، مشيرا إلى أن تدبير ملف حقوق الإنسان والحق في الحياة سيشكل اختبارا حقيقيا للحكومة الجديدة.
وفي المقابل، طالب الحقوقي ذاته أهل الحل والعقد في المغرب بالمصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، القاضي بإلغاء عقوبة الإعدام، والمصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب مواصلة التصويت لفائدة القرارات الأممية الداعية إلى وقف تنفيذ هذه العقوبة.
كما دعا إلى إقرار قانون جنائي خال من عقوبة الإعدام، وتنفيذ توصيات الآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان، مع إيلاء عناية أكبر لأوضاع المحكومين بالإعدام، خصوصا على المستويين النفسي والعقلي، وتوفير برامج التكوين والتأهيل لهم في انتظار وضع حد لهذه العقوبة”.
وزاد قائلا: “شعار “شهادات من أجل الحياة”، الذي اختاره الائتلاف الدولي ضد عقوبة الإعدام لسنتي 2026 و2027، يحمل أبعادا إنسانية وحقوقية؛ بالنظر إلى ما تكشف عنه هذه الشهادات من آثار جسدية ونفسية واجتماعية مدمرة تطال المحكومين بالإعدام وأفراد أسرهم ومحيطهم، فضلا عن تكريس ثقافة الانتقام والوصم الاجتماعي”.

التشريع كمدخل لإلغاء عقوبة الإعدام
من جانبها، أكدت نزهة الصقلي، وزيرة سابقة ومنسقة شبكة البرلمانيات والبرلمانيين ضد عقوبة الإعدام، أن “إلغاء عقوبة الإعدام هي قضية حقوقية ذات طبيعة خاصة؛ فهي ليست مطلبا شعبيا يوميا ترفعه الفئات المجتمعية باستمرار، بل هي قضية تتعلق بحقوق الإنسان، والكرامة الإنسانية، واحترام الدستور، وإعلاء القيم الإنسانية”.
وأوضحت الصقلي، في كلمة لها باسم الشبكة، “أهمية الدور التشريعي للبرلمانيين في هذا الجانب، فهم من سيصوتون لصالح إلغاء عقوبة الإعدام، ومن ثم يبرز دور الشبكة التي تضم برلمانيين جددا وبرلمانيين سابقين”، مضيفة: “حرصنا على استمرارية عضوية البرلمانيين السابقين في الشبكة حتى تواصل أداء مهامها، وذلك بعد تأسيسها في 2013”.
وأبرزت المتحدثة: “علينا أن ننتبه إلى أن تركيبة الحكومة الجديدة تضم ثلاثة أحزاب تتخذ تاريخيا وتقليديا موقفا داعما للإلغاء؛ وعلى رأسها حزب الأصالة والمعاصرة الذي كان مناضلوه من بين المؤسسين لشبكتنا، بالإضافة إلى حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية اللذين يدعمان هذا الطرح تقليديا، مما يعني ثلاثة أحزاب من أصل أربعة في التحالف”.
أما حزب الاستقلال، فأوردت الصقلي، “فقد كان برلمانيوه نشطين داخل شبكتنا. وقد تواصلنا مع قيادته وصرحت بعدم معارضتها لإلغاء عقوبة الإعدام؛ وبالتالي، فنحن أمام ظروف مواتية جدا للدفع بنص الإلغاء”.
وفي هذا السياق، شددت المنسقة عينها على أن “الموقف ذاته نجده لدى أطراف المعارضة في البرلمان، سواء تعلق الأمر بتحالف اليسار أو الحركة الشعبية أو حتى التجمع الوطني للأحرار الذي يوجد في صفوفه من يتفق معنا أمثال محمد أوجار”، خاتمة: “الظروف اليوم أكثر ملاءمة من أي وقت مضى لإحداث التغيير”.
المصدر: هسبريس ـ عبد العزيز أكرام