خلق غياب أي اسم من الأقاليم الجنوبية عن تركيبة الحكومة المغربية الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري وبمشاركة أربعة أحزاب، حالة من الاستغراب في صفوف عدد من الفاعلين والنشطاء بالمنطقة. كما أثار هذا الغياب أسئلة حول أسباب عدم تضمين الحكومة الحالية أية كفاءة تنحدر من أقاليم الصحراء المغربية.
ويأتي هذا الغياب في وقت سجلت فيه الأقاليم الجنوبية حضورا متقدما خلال الاستحقاقات الأخيرة، سواء من خلال نسب المشاركة المرتفعة التي ساهمت في رفع المعدل الوطني أو عبر النتائج التي حققتها أحزاب الأغلبية الحكومية بالمنطقة؛ بما في ذلك عدد المقاعد التي حصلت عليها في الدوائر الانتخابية الجنوبية.
ويرى متابعون للشأن السياسي بالمنطقة أن النقاش الذي ارتبط بحضور أسماء من الأقاليم الجنوبية داخل الحكومة يتصل بمسألة التمثيلية السياسية والمجالية، في ظل الحضور المتزايد للمنطقة في المشهد الانتخابي والمؤسسات المنتخبة؛ وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول معايير اختيار الكفاءات والاستوزار ومدى مراعاة التوازن الترابي في تشكيل الحكومات.
التمثيل الحكومي
في هذا الصدد، قال أبا علي أبا الشيخ، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (الكوركاس)، إن من حق الرأي العام المحلي أن يطرح سؤالا مشروعا حول عدم مشاركة كفاءات الأقاليم الجنوبية في الحكومة الحالية، خصوصا أن المنطقة تشهد مرحلة سياسية مفصلية؛ غير أن تفسير هذا الغياب لا ينبغي أن يرتبط بالضرورة بعدم وجود كفاءات صحراوية قادرة على تحمل المسؤولية الحكومية.
وأضاف أبا علي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الأحزاب السياسية مطالبة بتحمل جانب من المسؤولية في هذا الموضوع؛ بالنظر إلى ما تتوفر عليه من كفاءات من أبناء الأقاليم الجنوبية.
وأبرز عضو “الكوركاس” أن عدم قدرة التنظيمات الحزبية على استقطاب النخب الجديدة، وتركيزها على استقطاب النخب التقليدية والأعيان، إلى جانب ضعف التنظيمات الحزبية الموازية، عوامل ساهمت في الحد من بروز كفاءات جديدة داخل المشهد الحزبي.
وأوضح المتحدث عينه أن عددا من النخب الأكاديمية والشابة بالأقاليم الجنوبية تعزف عن الانخراط في الأحزاب السياسية، بسبب عدم توفر شروط تنظيمية وآليات ديمقراطية وشفافة تضمن لها مسارا سياسيا واضحا ومكانة بارزة داخل هذه التنظيمات.
وأضاف أباعلي أن هذه الوضعية تجعل الأحزاب أقل قدرة على تقديم أسماء جديدة قادرة على الوصول إلى مواقع القرار.
كما عرج المستشار الصحراوي خلال حديثه على أن القيادات الحزبية تعتمد، ضمن معايير اختيار الأسماء للمناصب الحكومية، على معيار الولاء للقيادة السياسية إلى جانب معايير أخرى.
وأبرز أن هذا الولاء قد يكون عاملا حاسما في ترشيح بعض الأسماء، بينما قد تتداخل معه اعتبارات أخرى إيجابية أو مرتبطة بالمحاباة؛ وهو ما قد يفسر، في جانب منه، محدودية حضور بعض الكفاءات الصحراوية في التشكيلة الحكومية الحالية.
وزاد أباعلي: إن غياب أسماء من الأقاليم الجنوبية عن الحكومة لا يمكن اختزاله فيما يوصف محليا بعدم الثقة في المكون الصحراوي، لافتا إلى وجود شباب ومنتخبين وقياديين صحراويين في مختلف الأحزاب السياسية، بما فيها الأحزاب المشكلة للحكومة.
وأورد أن طرح مسألة غياب الثقة لا يستند إلى دليل مادي، خصوصا أن حكومات متعاقبة سبق أن ضمت أسماء صحراوية، كما تولت كفاءات من المنطقة مناصب عليا في الدولة.
وأكد المتحدث ذاته أن الأحزاب السياسية، بالنظر إلى الكفاءات الموجودة في الأقاليم الجنوبية، كان يتعين عليها أن تضمن حضور أسماء صحراوية ضمن تشكيلتها الحكومية، أو على الأقل أن تهيئ هذه الكفاءات لتولي مسؤوليات أكبر مستقبلا.
وأشار عضو “الكوركاس”، ضمن التصريح ذاته، إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بمنصب وزاري وإنما بفتح المجال أمام نخب محلية قادرة على الانخراط في تدبير الشأن العام وصناعة القرار.
وخلص أباعلي أبا الشيخ إلى أن بعض أحزاب الأغلبية قد تكون تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، تقوم على الاحتفاظ بأسماء صحراوية وازنة لضمان حضورها السياسي والمؤسساتي داخل المنطقة، مشددا على أن هذا التوجه، إن كان قائما، قد يتحول إلى نوع من الإجحاف في حق تلك الكفاءات؛ لأن مسارات التسوية السياسية لا ترتبط بمدة زمنية محددة، ولأن تأجيل الاستفادة من الكفاءات المحلية لا يخدم بالضرورة تطور المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية.
الرسالة السياسية
بدوره، سجل دداي بيبوط، الكاتب الجهوي لحزب العدالة والتنمية بالعيون الساقية الحمراء، أنه من الصعب تصديق أن ما حدث بالموازاة مع مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة والارتباك الذي رافق تقديم البروفايلات لشغل المناصب الحكومية لا يعدو أن يكون مجرد خلل في العرض، في ظل إغفال تام للكفاءات المنحدرة من الأقاليم الجنوبية وتغييبها عن التشكيلة الحكومية، معتبرا أن المسألة تطرح أسئلة أعمق حول طريقة اشتغال الأحزاب السياسية بالمنطقة.
وأوضح بيبوط، ضمن إفادة لهسبريس، أن الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي تعرف جيدا أين توجد مفاتيحها الانتخابية، وتدرك كيف تصنع مقاعدها في الأقاليم الجنوبية، من خلال توظيف شبكات الأعيان والنفوذ المحلي والولاءات القبلية لضمان الفوز.
وأبرز الباحث في الشؤون الصحراوية أن من يملك هذه الدقة في تدبير الاستحقاق الانتخابي لا يمكنه أن يدعي العجز حين يتعلق الأمر بتدبير اللحظة الحكومية.
وأشار المتحدث عينه إلى أن الأمر يبدو مزيجا من قرار سياسي واعٍ يرى في الجنوب خزّانا للأصوات لا مجالا لتقاسم السلطة، وإهمال مزمن لتكوين النخب يخدم المنطق نفسه؛ لأن النخب المؤهلة والمستقلة في تفكيرها قد تطالب بما لا يرغب فيه مركز القرار الحزبي.
وأكد الكاتب الجهوي لحزب “المصباح” بالعيون الساقية الحمراء أن مسألة غياب الكفاءات تدين الأحزاب أكثر مما تبرئها، إذ عندما تعترف ضمنيا بأنها لم تجد في الأقاليم الجنوبية من يصلح لتحمل مسؤولية الحقائب الوزارية فإنها تقر بأنها اشتغلت لسنوات طويلة بمنطق الموسم الانتخابي لا بمنطق البناء المؤسساتي.
وفي هذا الصدد، لفت الفاعل السياسي ذاته إلى أن الأحزاب السياسية الوطنية، باستثناءات قليلة، لم تنشئ مدارس حزبية جادة، ولم تفتح مواقع المسؤولية داخل المكاتب السياسية أمام الوجوه الصحراوية الشابة، كما لم ترسخ ثقافة الترقي التنظيمي القائمة على الاستحقاق.
واسترسل بيبوط في القول إن الأحزاب ظلت تتعامل مع المنطقة باعتبارها مجالا للتعبئة الموسمية تستدعى فيه الوجوه المحلية عند اقتراب موعد الاقتراع ثم تترك بعد ذلك على هامش دوائر القرار الحقيقية.
وشدد المصرح عينه على أن الأمر ليس مصادفة وإنما سياسة غير معلنة تعيد إنتاج التبعية بدل صناعة الشراكة، وبأن هذه الوضعية لا يمكن فصلها عن أزمة أعمق تعيشها الأحزاب عموما، تتمثل في احتكار القرار داخل دوائر ضيقة وتحويل التنظيمات إلى آلات انتخابية تدار بمنطق الولاء الشخصي بدل منطق الكفاءة.
كما استحضر المستشار الجماعي بالعيون أن هذه الأزمة، وإن كانت تمس مختلف الجهات، فإنها تتخذ في الأقاليم الجنوبية صبغة أشد قسوة، بسبب التعامل الحذر مع المنطقة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية، ويفضل أحيانا الوسطاء الموثوقون على النخب المستقلة، موردا أن الغياب عن الحكومة هو تتويج لمسار طويل من الإقصاء الناعم الذي يمنح الجنوب حضورا رقميا ويحرمه حضورا فعليا في مواقع القرار.
ونبه المهتم بالشأن السياسي بالأقاليم الجنوبية إلى أن سؤال إقناع الشباب بجدوى المشاركة السياسية والانتخابية بات محرجا للمنظومة السياسية برمتها، لأن أي خطاب تحفيزي سيبدو فارغا أمام واقع يراه الشباب بأعينهم، قائلا إنه لا يمكن مطالبة جيل بأن يصدق أن صوته مؤثر، وهو يرى أن أعلى نسب المشاركة لا تنتج حقيبة حكومية واحدة.
وشدد بيبوط على أن هذا الشعور لا يتولد من حدث واحد؛ بل يتراكم مع كل دورة انتخابية، ليتحول العزوف والسخرية والانسحاب إلى موقف سياسي صامت.
واستدرك قائلا: إن فقدان الثقة في جدوى الصندوق لا يعني أن الشباب أصبحوا بلا موقف، وإنما يدفعهم إلى البحث عن قنوات بديلة قد لا تكون بالضرورة مؤسساتية؛ وهو ما ينبغي أن يقلق الجميع.
وأبرز المتحدث عينه أن معالجة هذا الوضع يمر عبر إشارات ملموسة من شأنها تغيير المعادلة؛ وفي مقدمتها فتح مواقع حقيقية للشباب الصحراوي داخل الأحزاب، لا مجرد واجهات شبابية للتأثيث، وربط المحاسبة بالنتيجة حتى يدرك الناخب أن صوته يمنحه حقا في المساءلة.
وأجمل الكاتب الجهوي لحزب العدالة والتنمية بالعيون بالقول إن الاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة الحكومة على تبرير غياب الكفاءات الجنوبية، وإنما في استعدادها لتحمل كلفته السياسية وتصحيحه فعليا، سواء عبر إسناد مسؤوليات تنفيذية لكفاءات صحراوية في أول تعديل حكومي أو من خلال تعيينات في مناصب عليا وفق معايير الاستحقاق لا الترضية.
وشدد دداي بيبوط على أن الاكتفاء بتعيينات رمزية لتخفيف النقاش سيعمق الإحساس بأن الأقاليم الجنوبية تدمج في الأرقام وتقصى من القرار، وأن المصداقية التي تبنى على الخطاب لا يمكن أن تصمد طويلا حين لا تسندها الممارسة.
تدارك الغياب
من جانبه، قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، إن نسب المشاركة المرتفعة في الأقاليم الجنوبية للمملكة كانت من العوامل التي دعمت المعدل الوطني خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، وتعكس تعلقا واضحا بالعملية السياسية وبالمؤسسات.
وأضاف الكاين، ضمن تصريح لهسبريس، أن غياب تمثيلية للمنطقة عن الحكومة لا يعني بالضرورة معاقبتها أو تجاهل مشاركة سكانها، وإنما قد يكون نتيجة لمنطق حزبي صرف؛ بالنظر إلى أن تشكيل الحكومة لا يخضع لمعادلة حسابية تترجم الأصوات إلى حقائب وزارية بصورة آلية، بل تحكمه مفاوضات بين قيادات الأحزاب واعتبارات ترتبط بالوزن العددي لكل حزب والتوازنات الداخلية للأغلبية وطبيعة الكفاءات المتاحة.
وأورد رئيس منظمة “أفريكا ووتش” أن مشروعية الانتقادات المثارة بشأن غياب الكفاءات الجنوبية تنبع من الانتظارات التي تخلقها المشاركة الانتخابية المرتفعة لدى الساكنة، والمتمثلة في تحويل ثقلها الانتخابي إلى حضور فعلي في مواقع القرار.
وأبرز الفاعل الحقوقي أن أحزاب الأغلبية التي حصدت مقاعد معتبرة بالأقاليم الجنوبية استفادت من رصيد انتخابي عزز أغلبيتها البرلمانية؛ وهو ما يفرض عليها، أخلاقيا وسياسيا، ترجمة هذا الرصيد إلى تمثيلية حكومية، رافضا منطق استحضار البعد الجغرافي بقوة في الحسابات الانتخابية، ثم تغييب الكفاءات والمسارات الأكاديمية والخبرات المتراكمة بالمنطقة عند توزيع المسؤوليات التنفيذية، لأن ذلك يكرس انطباعا بأنها خزان للأصوات أكثر منها شريكا في الحكم.
وأشار المصرح عينه إلى أن الكفاءة والانسجام الحكومي والتوازن بين مكونات الأغلبية معايير مشروعة لتوزيع الحقائب؛ غير أن الإشكال يكمن في غياب قواعد واضحة ومعلنة تلزم بمراعاة التوازن الترابي.
وفي هذا الصدد، أوضح الكاين أن اعتماد معايير مقننة للتمثيل الجغرافي، تراعي ما تزخر به الأقاليم الجنوبية من مهارات ومسارات علمية وأكاديمية، كان من شأنه تفادي جانب من الجدل الحالي، داعيا إلى تحويل التوازن الترابي من عرف سياسي غير ملزم إلى ممارسة حزبية راسخة تجعل من التنوع الجهوي والكفاءة المهنية والعلمية ركيزة أساسية في تشكيل الحكومات.
وعن دلالات غياب أبناء المنطقة عن مركز القرار التنفيذي، لفت الباحث في الشؤون الصحراوية إلى أن هذا الأمر يكتسب حساسية إضافية في ظل الخطاب الرسمي الذي يؤكد أن الأقاليم الجنوبية جزء لا يتجزأ من النموذج التنموي الوطني وورش استراتيجي تتقاطع فيه التنمية والسيادة.
وأكد أن التمثيلية الحكومية تعد رسالة سياسية تعكس مدى ترجمة مبدأ الإدماج الكامل إلى ممارسة عملية، وقد يفتح غيابها المجال أمام قراءات متباينة؛ بل قد تستغله أطراف معادية في سياق معركة الصورة المرتبطة بقضية الوحدة الترابية.
ونبه الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية إلى أن الأحزاب تتحمل بدورها مسؤولية هذا الغياب، بسبب عدم الاستثمار الكافي في تكوين نخب جنوبية مؤهلة، والاكتفاء بالاعتماد على الأعيان والوجوه الانتخابية المحلية لضمان المقاعد، دون إدماجها في هياكل القرار الحزبي وتأهيلها سياسيا وتقنيا؛ وهو ما يجعل الجهوية الحزبية بعيدة عن مقتضيات الجهوية المتقدمة المنصوص عليها دستوريا.
وأنهى عبد الوهاب الكاين حديثه بالتأكيد على أن الغياب الحالي لا يعني إغلاق الباب أمام الكفاءات الجنوبية، إذ يمكن تدارك الأمر عبر تعديل حكومي مقبل أو تعيينات في مناصب عليا ومؤسسات عمومية كبرى تتيح لها حضورا فعليا في صناعة القرار، بما يعيد الثقة ويبدد الانطباعات السلبية، شريطة أن تقترن هذه الخطوات بإرادة سياسية واضحة تتجاوز الوعود العامة.
المصدر: هسبريس ـ أحمد الساسي