Loading...

تقرير المصير

|
19 أكتوبر 2026, 00:00
Featured image
حجم الخط

يثير استمرار الأمم المتحدة في التأكيد على تقرير المصير في قضية الصحراء قراءتين متقابلتين تلتقيان في سوء الفهم نفسه. ترى فيه قيادة البوليساريو سندًا للإصرار على الاستفتاء بصيغته المرتبطة بخيار الاستقلال، بينما يتوجس بعض المغاربة من العبارة وكأن ورودها ينقض التقدم الذي يحققه مقترح الحكم الذاتي. وبين القراءتين، يضيع التمييز بين المبدأ وآليات تطبيقه، وبين حق تقرير المصير والنتيجة السياسية التي يرغب كل طرف في الوصول إليها.

لفهم هذا التمييز، تكفي العودة إلى وثيقة من تاريخ الملف. ففي 20 ديسمبر 1966، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 2229 بشأن إفني والصحراء “الإسبانية”. أكد القرار حق شعبي الإقليمين في تقرير المصير، ثم رسم لكل منهما مسارًا مختلفًا. بالنسبة إلى إفني، دعا إسبانيا إلى الاتفاق مع الحكومة المغربية على إجراءات نقل السلطات، مع مراعاة تطلعات السكان الأصليين. وبالنسبة إلى الصحراء، دعا إلى تحديد إجراءات تنظيم استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة، بالتشاور مع المغرب وموريتانيا والأطراف المعنية الأخرى.

لهذا التفصيل دلالة تتجاوز المقارنة التاريخية. فالقرار نفسه جمع بين وحدة المبدأ واختلاف إجراءات تطبيقه؛ ولم يجعل الاستفتاء شرطًا موحدًا لكل عملية تصفية استعمار. لقد أدرج تسوية إفني بالتفاوض ضمن الإطار ذاته الذي أدرج فيه المسار الاستفتائي للصحراء. ومن ثم، فإن اختزال تقرير المصير في الاستفتاء لا يستقيم حتى مع النص الذي استند إليه ذلك المسار في بدايته.

وهذا الاتساع ظاهر أيضًا في إعلان مبادئ القانون الدولي الذي اعتمدته الجمعية العامة بالقرار 2625 سنة 1970. فهو يقر بتعدد صور إعمال تقرير المصير، بما يشمل الاستقلال والارتباط الحر والاندماج في دولة مستقلة، أو قيام وضع سياسي آخر يختاره الشعب.

في قضية الصحراء، تعثر المسار الاستفتائي، واتجه مجلس الأمن إلى إعطاء الأولوية لحل سياسي تفاوضي مقبول لدى الأطراف. وكرس القرار 1754، الصادر في 30 أبريل 2007، هذا التوجه بالدعوة إلى مفاوضات دون شروط مسبقة وبحسن نية، بهدف التوصل إلى حل يتيح تقرير المصير. استمر المبدأ، وتغير المسار السياسي الذي يجري البحث من خلاله عن تطبيقه.

ثم جاء القرار 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، ليجعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات، ويقر بأن حكمًا ذاتيًا حقيقيًا قد يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق، مع استمرار التأكيد على تقرير المصير. اجتماع هذه العناصر في النص نفسه يوضح أن دعم التفاوض على أساس الحكم الذاتي والتأكيد على تقرير المصير ليسا متناقضين في المقاربة التي اعتمدها المجلس. أما قراءة العبارة الأخيرة بمعزل عن بقية القرار فتحجب التحول الذي طرأ على إطار التسوية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التوجه الحالي باعتباره اقترابًا من منطق التسوية التفاوضية الذي اعتمده قرار إفني: الاتفاق على ترتيبات سياسية مع مراعاة إرادة السكان. إنها مقارنة في المنطق الإجرائي، مع بقاء الاختلاف بين السياقين. وقيمتها أنها تذكرنا بأن التفاوض كان حاضرًا في الممارسة الأممية لتصفية الاستعمار منذ عقود، وأن اللجوء إليه لا يعني، بذاته، التخلي عن تقرير المصير.

بل إن المبادرة المغربية المقدمة سنة 2007 تنص، في فقرتها 27، على عرض نظام الحكم الذاتي الناتج عن المفاوضات على السكان المعنيين في استفتاء حر، وتقدمه بوصفه ممارسة لحقهم في تقرير المصير. وهذه نقطة ينبغي أن تحضر بوضوح في النقاش المغربي نفسه: التفاوض والاستفتاء يمكن أن يجتمعا في مسار واحد. يتعلق الخلاف، إذن، بمضمون الاستفتاء وموقعه من التسوية والخيارات التي يتناولها، لا بمجرد استعمال هذه الوسيلة للتعبير عن الإرادة الشعبية.

لهذا، فإن إصرار قيادة البوليساريو على اختزال المبدأ في الصيغة الاستفتائية التي تتمسك بها يحول إجراءً بعينه إلى معيار وحيد للشرعية، ويضيق إمكانات التسوية التي تتيحها النصوص. ويقع بعض المغاربة في الخلط المقابل حين يمتعضون من كل تأكيد أممي على تقرير المصير. فالمبادرة التي يدافعون عنها تقدم نفسها أصلًا باعتبارها صيغة لإعماله، من خلال حكم ذاتي متفاوض عليه يحظى بموافقة السكان.

الدفاع عن الموقف المغربي يستفيد من قراءة النصوص كاملة، ومن شرح كيفية الجمع بين السيادة المغربية وإرادة السكان ضمن ترتيبات الحكم الذاتي. أما انتظار اختفاء عبارة تقرير المصير من القرارات الأممية، فيجعل النقاش يدور حول هدف لا يقتضيه المقترح المغربي نفسه. ما ينبغي متابعته هو مضمون التسوية التي يدعو إليها مجلس الأمن، وموقع المبادرة المغربية فيها، والضمانات التي تجعل الاتفاق قابلًا للقبول والتنفيذ. هنا يتحدد اتجاه المسار الأممي، لا في حضور عبارة تقرير المصير وحدها.

المصدر: عبد الرحمان بوخفة

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز