“أحزان ذهب” .. أنطولوجيا الظل وبلاغة المعنى الذي لا يكتمل
إن المسألة الأكثر إثارة في الكتابة الشذرية، حين تبلغ درجة من الوعي الجمالي تجعل الاختزال اختيارًا معرفيًا، هي أنها تضعنا أمام انقلاب عميق في العلاقة المألوفة بين اللغة والحقيقة، فبدل أن تكون العبارة أداة للإفصاح عن معنى سابق على وجودها، تصبح فضاءً لاختبار إمكان المعنى نفسه، وبدل أن يكون الصمت نقيضًا للكلام، يغدو شرطًا من شروط كثافته، كما لو أن الحقيقة التي تقترب منها الكتابة لا تستطيع أن تظهر إلا بمقدار ما تحتفظ بشيء من احتجابها. ومن هذا المنظور يمكن اقتراح قراءة “أحزان الذهب” لسعد سرحان، من خلال مساءلة طبيعة العلاقة التي تقيمها بين ما تقوله الشذرة وما تتركه معلقًا خارج القول، وبين الصورة التي تمنحها للقارئ والاحتمالات التي تظل كامنة في ظلال تلك الصورة، بحيث يصبح النص مجالًا لتوتر دائم بين الرغبة في الكشف واستحالة الكشف الكامل، وبين الحاجة الإنسانية إلى تثبيت التجربة داخل اللغة وإدراك أن كل تثبيت ينطوي بالضرورة على خسارة شيء من حيويتها الأولى.
ولعل أول ما يستدعي التأمل، على مستوى العنوان ذاته، هو ذلك التوتر الدلالي بين الذهب والحزن، لأننا أمام تركيب يجمع بين لفظتين متباعدتين يسمح بتأسيس سؤال فلسفي حول العلاقة بين القيمة والفقد، وبين ما يبدو عصيًا على الفناء وما يتكشف بوصفه علامة على هشاشة الوجود. فالذهب، بما يختزنه من دلالات اللمعان والندرة والبقاء والقيمة، يستدعي في المخيال الإنساني صورة المادة التي تقاوم التلف وتحتفظ ببريقها عبر الزمن، بينما يحيل الحزن إلى تجربة انكسار تتولد من إدراك الإنسان أن الأشياء التي يمنحها أعظم قيمه ليست بالضرورة قابلة للاحتفاظ بها. وإذا تعاملنا مع هذا التضاد باعتباره فرضية تأويلية يفتحها العنوان، أمكن القول إن المسافة بين الذهب والحزن ليست مسافة بين نقيضين بقدر ما هي مسافة بين وجهين للحقيقة الإنسانية نفسها: فما نحزن عليه عادة هو ما اكتسب في حياتنا من القيمة ما يجعل فقدانه حدثًا يتجاوز حدود الواقعة ليصيب البنية العميقة لعلاقتنا بالعالم.
وهكذا يغدو الحزن، في الأفق الذي نقترحه لهذه القراءة، تجربة معرفية تتجاوز الانفعال العاطفي المباشر، لأنه يكشف عن قيمة الأشياء في اللحظة التي تصبح فيها مهددة بالغياب، ويمنح الذاكرة قدرة استثنائية على استحضار ما لم نكن ندرك عمقه حين كان حاضرًا في متناولنا. غير أن هذه المعرفة ليست بريئة من المفارقة، لأن الإنسان لا يكتشف أحيانًا حقيقة ما امتلكه إلا عندما يفقد القدرة على امتلاكه، ولا يدرك كثافة اللحظة إلا بعد أن تتحول إلى ماضٍ يستحيل استرجاعه. ومن هنا يمكن التفكير في الحزن بوصفه نمطًا من أنماط المعرفة المتأخرة، أي معرفة لا تأتي متزامنة مع التجربة، وإنما تتولد من المسافة التي يخلقها الزمن بينها وبين الذات، فتغدو الكتابة محاولة لإعادة الاقتراب مما لم يعد ممكنًا استعادته إلا في صورة أثر.
والأثر هنا هو الطريقة التي يستمر بها الغائب في ممارسة حضوره داخل وعينا، حتى إن الغياب يتحول إلى قوة خفية تعيد تنظيم علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا. فالإنسان الذي يستعيد تجربة مضت، يستعيدها وقد تغير موقعها داخل ذاكرته، واكتسبت معاني لم تكن تمتلكها في لحظة حدوثها، وأصبحت محاطة بما تراكم حولها من خسارات وتأويلات ورغبات لم تتحقق. ومن هذه الزاوية تكتسب الشذرة لدى سعد سرحان إمكانًا جماليًا بالغ الخصوصية، لأنها لا تدعي إعادة بناء التجربة في كليتها، وتكتفي بإبراز نقطة من نقاط توهجها، تاركة لما يحيط بها من صمت أن يحمل ما تعجز العبارة عن احتوائه.
الشذرة بوصفها اعتراضًا على اكتمال الحقيقة
إن اختزال الشذرة إلى جملة قصيرة أو فكرة موجزة يحجب طبيعتها الأكثر تعقيدًا، لأن خصوصيتها لا تكمن في قلة الكلمات بقدر ما تكمن في نوع العلاقة التي تقيمها بين محدودية القول واتساع ما يمكن التفكير فيه انطلاقًا منه. فالعبارة الشذرية، في أقصى إمكاناتها، لا تختصر خطابًا طويلًا كان بالإمكان بسطه في صفحات، وإنما تنشئ شكلًا مختلفًا من التفكير يستعصي على الاسترسال التفسيري التقليدي، لأنها لا تتحرك بالضرورة من مقدمات إلى نتائج، ولا تقدم للقارئ مسارًا حجاجيًا مغلقًا، بقدر ما تضعه أمام توتر أو مفارقة أو صورة تظل قابلة للاستئناف والتأويل بعد انتهاء القراءة.
ومن هنا ينبغي أن نميز بين الإيجاز الذي ينتج عن حذف ما يمكن الاستغناء عنه، والإيجاز الذي يتحول إلى مبدأ لتكوين المعنى نفسه، ففي الحالة الأولى تكون العبارة القصيرة نسخة مصغرة من خطاب أطول، أما في الحالة الثانية فإنها تصبح بنية مستقلة لا يمكن توسيعها دون أن تتغير طبيعتها. ولعل هذه المسألة هي التي تسمح بتعميق أطروحتنا حول الظلال النصية، لأن الظل لا يمثل هنا مجرد معنى ثانوي يتوارى خلف المعنى الظاهر، بل يشير إلى مجموع الإمكانات التي يفتحها النص دون أن يستنفدها، وإلى ذلك الحضور غير المباشر الذي يجعل ما لم يُقل جزءًا من التجربة الجمالية لما قيل.
منذ الصفحات الأولى، تتبدى الذات بوصفها كيانًا متصدعًا، محاصرًا بما ينتجه من عزلة وأسئلة. يقول الشاعر: «أنا هو جدران نفسي» (ص. 3). تكمن قوة هذه العبارة في انقلاب العلاقة المألوفة بين الإنسان وجدرانه؛ فالذات لا تقيم داخل سجن خارجي، بل تتحول هي نفسها إلى جدران تحاصرها. تغدو العزلة وضعا وجوديا يلازم الكائن حتى في ذروة حضوره بينهم. ويتعمق هذا المعنى في قوله: «مدججًا بالعزلة / يخترق الحشود / حيث لا أحد» (ص. 3). تقوم الشذرة على مفارقة دلالية بين الامتلاء البشري والفراغ الوجودي، حتى ليصبح الحشد شكلًا آخر للوحدة. إن الإنسان لا يفتقد الآخرين بالضرورة، بل يفتقد إمكان اللقاء الحقيقي بهم. بذلك تنتقل الشذرة من التعبير عن حالة نفسية إلى مساءلة هشاشة العلاقة بين الأنا والعالم.
غير أن هذا الوعي المأزوم لا يستسلم لقدرية الحزن، بل يعيد تشكيله داخل علاقات لغوية غير متوقعة. ففي قوله: «أحرك حصالة يأسي / فأسمع رنين الأمل» (ص. 6)، تنقلب العلاقة التقليدية بين اليأس والأمل؛ فالأول لا يعود نقيضًا مطلقًا للثاني، وإنما يتحول إلى وعائه السري. والحصالة، بما تستدعيه من ادخار وانتظار، تمنح اليأس قيمة مغايرة، كأن التجربة الإنسانية لا تختزن الخيبات وحدها، بل تحفظ داخلها إمكان تجاوزها. وفي قوله: «صمتي ضمادة مضرجة بالألم» (ص. 9)، يصبح الصمت وسيلة علاج وعلامة جرح في الوقت نفسه. فالضمادة التي يفترض أن تخفي الدم تكشفه، والصمت الذي يبدو امتناعًا عن الكلام يتحول إلى شهادة على استحالته. هنا تبلغ المفارقة وظيفتها الشعرية حين لا تكتفي بالجمع بين المتناقضات، بل تكشف أن أحدهما يسكن الآخر وتجعلنا نحس أن التجربة الإنسانية نفسها لا تستقيم إلا بهذا التوتر.
وتحتل مساءلة الكتابة موقعًا جوهريًا في هذا العالم، حيث تتحول الشذرة إلى تفكير في شروط إنتاجها. يقول الشاعر: «قطعًا / ليس الشاعر من يلتقط / ما / يتساقط / منه» (ص. 15). ترفض هذه العبارة ضمنيًا تصور الشعر بوصفه جمعًا لبقايا الانفعال الشخصي، وتقترح أن الكتابة فعل يتجاوز مجرد تسجيل ما يتساقط من الذات. وتتعمق هذه الشعرية في صورة لافتة: «يكتب بالممحاة / فإذا النص أعمى / والقارئ عصاه» (ص. 15). إن فعل المحو، الذي يفترض أن يكون نقيض الكتابة، يصبح شرطًا لتوليدها، بينما يتخلى النص عن امتلاك طريقه الخاص، ويغدو القارئ وسيلته إلى الرؤية. إنها استعارة تعيد توزيع الأدوار داخل العملية الإبداعية: فالمؤلف لا يمتلك المعنى كاملًا. يشبه الشاعر الشذرة بالطلقة، ويجعل «الرصاصة معنى الزناد» (ص. 17)، حيث يربط قيمتها بطاقة الانطلاق والتأثير، لا بمجرد اقتصاد العبارة. فالشذرة لا تحقق وجودها الشعري إلا حين تُحدث أثرًا يتجاوز حجمها اللغوي.
من هنا نفهم لماذا تتأسس كتابة سعد سرحان على الحذف والبياض والتقطيع البصري، إضافة إلى التكثيف المعجمي. فالتوزيع العمودي للكلمات، والانتقال من سطر مكتظ إلى كلمة منفردة، والمسافات الصامتة المحيطة بالعبارات داخل نص “أحزان الذهب”، كلها عناصر تدخل في إنتاج الإيقاع والدلالة. تنتقل الصفحة من حامل محايد للقصيدة إلى جزء من بنيتها التعبيرية. يقول الشاعر: «ثلاثة أسطر / ثلاث أثاف / نار الهايكو» (ص. 49)، لا يقدم تعريفًا تقنيًا لهذا الشكل الشعري بقدر ما يصوغ استعارة تجعل الأسطر الثلاثة حوامل لنار المعنى. كما يتجلى أثر الحساسية القريبة من الهايكو في التقاط مشهد صغير ومفاجئ: «داخل القفص / العصفور ينقر / ظل فراشة» (ص. 96). لا يحدث في هذه الصورة شيء خارق، ومع ذلك فإنها تفتح مأساة كاملة؛ إذ يتحول الظل إلى موضوع رغبة، ويغدو الفعل الذي يوحي بالحركة دليلًا على العجز. إن العصفور المسجون لا ينقر الفراشة، بل صورتها العابرة، بما يجعل المشهد الصغير استعارة للرغبة الإنسانية حين تصطدم بحدود الممكن.
وتتجاوز الطبيعة في هذه الكتابة دورها التقليدي بوصفها مخزونًا للزينة البلاغية، لتصبح مجالًا لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالموجودات. يقول الشاعر: «لا لأجل الثمار / لأجل الطيور / تُسقى الأشجار» (ص. 121). تنقل هذه الشذرة فعل العناية بالشجرة من منطق المنفعة إلى أفق المشاركة في الحياة؛ فالشجرة لا تستحق الماء لأنها تنتج ما نستهلكه فقط، وإنما لأنها تتيح الوجود لكائنات أخرى. وتستبطن هذه الصورة أخلاقًا بيئية لا تحتاج إلى خطاب مباشر. وفي صورة مغايرة: «سقطت المزهرية / ورود البلاستيك / بدت حقيقية» (ص. 161)، يُخلخل الشاعر مفهوم الحقيقة ذاته. فما يجعل الورود الاصطناعية تبدو حقيقية هو حادثة السقوط التي تحررها من ترتيبها المصطنع. إن المفارقة تضعنا أمام سؤال جمالي وفلسفي: هل تكمن حقيقة الشيء في مادته وأصله، أم في الكيفية التي يظهر بها داخل تجربتنا؟ هكذا تغدو الأشياء الصغيرة مختبرًا للتأمل، وتستعيد اللغة قدرتها على إدهاشنا بما حسبناه بديهيًا.
في ثنايا شذرات “أحزان الذهب” حضور حاد للعنف والسلطة والحرب ومفارقات الاجتماع الإنساني. يقول: «ترسف الحرية / في / قيود / لا مرئية» (ص. 44). حيث تُصوَّر الحرية بوصفها كائنًا يعاني قيدًا أشد خطورة لأنه لا يُرى. وتتخذ المفارقة وجهًا أكثر عنفًا في قوله: «رمانته / ثقيلة وموقوتة / ميزان العدالة» (ص. 83). إن الجمع بين الميزان والرمانة المتفجرة يقلب رمز العدالة إلى نقيض الطمأنينة التي يفترض أن يمثلها؛ فالعدالة حين تختل قد تصبح مصدر تهديد بدل أن تكون ضمانًا للأمان. وفي صورة بالغة الكثافة يقول: «في عين المشـنوق / عالم / يتدلى» (ص. 112). ليست المشنقة هنا حدثًا يطال فردًا معزولًا، بل كارثة تنقلب معها صورة العالم في عين الضحية. تعيد الشذرة بناء منظور الرؤية انطلاقًا ممن يقع عليه العنف. ومن هذه الزاوية، ينهض البعد الإنساني للكتابة بعيدًا عن الشعارات المباشرة؛ فهي تدين القسوة وتجعل القارئ يختبر اختلال العالم من داخل الصورة.
ويكتسب النص في مقاطعه المتأخرة نفسًا مغايرًا، إذ ينتقل من الومضة المنعزلة إلى التراكم القائم على استعادة الأشياء والأمكنة والوجوه عبر صيغة الشكر المتكرر الذي يتحول إلى آلية لمراجعة السيرة ومساءلة الزمن. يقول مخاطبًا طفولته: «لمسودة عمري التي / يلزمني أكثر من عمر / كيما أنقحها» (ص. 181). إنها صورة تختصر مأزق الذاكرة؛ فالحياة نص لم يكتمل، والطفولة مسودة تستمر الكتابة فوقها من دون أن ينتهي تنقيحها. يتداخل هنا الزمن الإنساني بالزمن الإبداعي، حتى تغدو الكتابة محاولة مستحيلة لإعادة تحرير حياة مضت. ويتجلى العمق العاطفي بعيدًا عن الخطابية في استعادة الأم وصلواتها البيضاء، «مطوية بعناية / تحت ملابسي / بحقيبة السفر» (ص. 187). تتحول الأمومة إلى حضور خفي يسافر مع الابن. إنها ذاكرة محمولة في التفاصيل، لا في الوقائع الكبرى، وهو ما يمنح المقطع صدقه وحرارته.
غير أن صيغة الشكر نفسها تنقلب، في مواضع أخرى، إلى أداة للسخرية السوداء وكشف تبلد الحساسية المعاصرة. فحين يقول: «شكرًا لنشرة المساء / تُفرّج القتلى على موائدنا / كيلا يناموا / دون عشاء» (ص. 194)، تتحول المائدة المنزلية إلى مسرح تتجاور فيه الألفة اليومية ومشاهد الموت. إن الفعل الإعلامي الذي يفترض أن ينقل المأساة يشارك، على نحو مفارق، في تحويلها إلى مادة للاستهلاك. وتبلغ السخرية ذروتها في قوله: «شكرًا للحروب/ علّمتنا أسماء العواصم جميعًا» (ص. 195). فالمعرفة الجغرافية التي يُفترض أن نحصل عليها عبر التعلم تصبح حصيلة جانبية للخراب. ثم تأتي العبارة: «شكرًا للحياة/ للإجراءات اللازمة للموت» (ص. 195)، لتقلب الامتنان إلى تأمل مرير في المصير الإنساني. إن تكرار الشكر هنا يعبر عن المفارقة بين ما ننتظره من الوجود وما يقدمه فعلًا. وهكذا يتسع النص من الغنائية الحميمة إلى النقد الحضاري، ومن الذاكرة الفردية إلى مساءلة عالم اعتاد أن يجاور فيه الموت تفاصيل الحياة اليومية.
تحويل الأشياء الهامشية إلى أسئلة مركزية
تبدو القيمة الأعمق لهذه التجربة في أنها تجعل الشذرة فضاءً للتوتر بين نزعتين متعارضتين: نزعة إلى الإمساك بالعالم في عبارة حاسمة، ونزعة أخرى إلى الإقرار باستعصائه على القبض النهائي. ففي اللحظة التي توشك فيها الكتابة أن تصبح حكمة، يعيد الشعر فتحها على الاحتمال؛ وفي اللحظة التي تتجه فيها الصورة نحو الغموض، تعيد المفارقة وصلها بتجربتنا المعيشة. لذلك يتأسس تماسك هذا المنجز على استمرار طريقة مخصوصة في النظر: طريقة ترى في الأشياء الهامشية أسئلة مركزية، وفي التفاصيل العابرة آثارًا للوجود، وفي اللغة قدرة على فضح ما أخفته العادة.
يمثل كتاب “أحزان الذهب” محطة دالة في التجربة الشعرية لسعد سرحان، بما يكشفه من وعي متقدم بإمكانات الكتابة الشذرية، باعتبارها اختيارًا جماليًا ورؤية للعالم، لا مجرد اقتصاد في اللغة أو اختزال في العبارة. ففي هذا المنجز، تغدو الشذرة كونًا شعريًا مكثفًا، تتجاور فيه هشاشة الكائن مع قسوة التاريخ، وتلتقي فيه سخرية العقل بحساسية القلب، ويتحول العابر والهامشي واليومي إلى مجال رحب للتأمل في الوجود والمصير الإنساني.
وتتجلى قيمة الكتاب، في أفق تطور تجربة سرحان، في قدرته على توسيع الحدود التعبيرية للشذرة، ونقلها من براعة الالتقاط ودهشة المفارقة إلى رحابة السؤال الوجودي وعمق الرؤية النقدية. فالشاعر يسعى إلى زعزعة الطمأنينة التي تقيم داخل اللغة والأشياء، وإلى اكتشاف ما تخفيه البداهات من تناقضات. ومن هنا تتداخل في كتابته الحكمة بالشعر، والتأمل بالسخرية، والذاكرة بالغياب، والاحتفاء بالحياة بالوعي الموجع بفنائها. وهي كتابة تستثمر بعض جماليات الهايكو دون أن تستسلم لقوالبه، وتستدعي طاقة القول الحكمي دون أن تتطابق معه، باحثة عن خصوصيتها في المسافة الدقيقة بين الومضة التي تدهش والفكرة التي تظل مفتوحة على التأويل.
غير أن ما يمنح هذه التجربة قيمتها الأعمق هو ذلك الانتقال من تكثيف العبارة إلى تكثيف الرؤية؛ إذ يصبح الإيجاز وسيلة لقول ما يعجز عنه الإسهاب، ولإطلاق المعنى من أسر التفسير الواحد. وإذا كانت بعض الشذرات تراهن على اللمعة البلاغية والمفارقة الخاطفة، فإن أكثرها نضجًا يتجاوز أثر المفاجأة إلى إقامة حوار صامت مع القارئ، حيث يستمر النص في إنتاج أسئلته بعد انتهاء قراءته.
يقدم «أحزان الذهب» صورة كاشفة عن خصوصية المشروع الشذري لسعد سرحان: مشروع لا يطلب من الشعر أن يفسر العالم، بل أن يعيد إليه غرابته، وينصت إلى تصدعات الوجود ويكشف مفارقاته. ولعل فضيلته الكبرى أنه يجعل من الشذرة، على ضآلة حجمها، شكلًا من أشكال مقاومة ابتذال المعنى وتبلد الحساسية؛ كتابة تنقذ التفاصيل الصغيرة من النسيان، وتمنح الصمت كثافته، والسخرية حكمتها، والحزن طاقته على الإضاءة. إن سعد سرحان وهو “يصغّر” القصيدة يكثّف العالم كي تتسع له الشذرة، وفي هذا التحول تكمن فرادة تجربته.
المصدر: عبد العزيز كوكاس