يخيّم مشهد من الخراب والفوضى على شوارع مدن فرنسية رئيسية، غداة أعمال عنف ونهب شهدتها الاحتجاجات ضد “ارتفاع تكلفة المعيشة” السبت، وأثارت انتقادات متزايدة لطريقة تعامل الشرطة مع الموقف، بينما أوقف أكثر من 1800 شخص.
ومن المقرر أن يتوجه الرئيس إيمانويل ماكرون عند الثامنة مساء الأحد (18,00 ت غ) بكلمة متلفزة إلى الفرنسيين، بحسب ما أعلنت الرئاسة، التي أوضحت أنّ كلمته ستبث بعد اجتماع يعقده مع عدد من الوزراء، في وقت تحصي البلاد تداعيات الاحتجاجات.
وقبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، تعهد ماكرون عبر منصة إكس بملاحقة ومعاقبة “كل من ارتكب أعمال تخريب أو اعتدى على مؤسسات أو شركات أو شارك في أعمال نهب”، رغم حالة العجز التي تعاني منها حكومته بسبب افتقارها لغالبية برلمانية.

وكانت أعمال الشغب أشد مما شهدته احتجاجات العام 2023 وتظاهرات “السترات الصفراء” عامي 2018 و2019.
ففي باريس، كما في شوارع المدن الكبرى، استُهدفت مئات المؤسسات والمتاجر، وغطى الحطام وهياكل الدراجات النارية المحترقة شوارع بأكملها.
وعبّرت سيسيل روغ (57 عاما) عن حزنها وصدمتها، وقالت “إنه لأمر مؤسف ومروع، تلك المجموعات من الشباب التي رأيناها هنا بالأمس، ينهبون ويحطمون الأشياء من دون أي عقاب”.
والأحد، تجمّع المئات في ساحة الجمهورية (لا ريبوبليك)، حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.

– “أشبه بحرب” –
وفي مرسيليا (جنوب) وليل (شمال) وبوردو (جنوب غرب)، اقتحم متظاهرون السبت مباني للبلديات والمحافظات وخربوها. أما في ليموج (وسط)، فقد أتى حريق على جزء كبير من مبنى البلدية، وهو صرح ضخم يعود إلى القرن التاسع عشر، وفق السلطات المحلية.
وفي ليون (وسط شرق)، أُضرمت النيران في فرع من مكتب السياحة.
وقال جان كريستيان وهو صاحب متجر في المدينة لجأ إلى الجزء الخلفي من متجره عندما مرّ مثيرو الشغب، “كان الأمر أشبه بحرب. لقد كانوا مثل الحيوانات. رأيناهم يحطمون الأشياء…”.
وقدّر رئيس اتحاد التجارة والتوزيع ألكسندر بومبار الأحد عدد المتاجر المتضررة بشكل مباشر من أعمال العنف بـ1500، وكلفة الأضرار بمئات الملايين من اليورو.

من جانبه، قال وزير الداخلية لوران نونييز الأحد إنه تم توقيف أكثر من 1800 شخص، مضيفا عبر منصة إكس “تجري الآن تحقيقات لتحديد هوية مرتكبي هذه الأعمال حتى تقدم إلى القضاء”.
وأوضح أن “أكثر من 500 من عناصر الشرطة والدرك والإطفاء أصيبوا خلال أحداث العنف”
وأُصيب عدد من المتظاهرين أيضا، بعضهم بجروح خطرة، ولا سيما في سانت إتيان (وسط)، حيث بُترت يد شاب في السابعة عشرة بسبب قنبلة ألقتها الشرطة.
وفي باريس، أُلقي القبض على 855 شخصا السبت، وهو “رقم قياسي” بحسب ما أفادت الشرطة، بينما أعلن مكتب المدعي العام في العاصمة أنّ أكثر من 500 شخص وُضعوا رهن الاحتجاز، بينهم 171 قاصرا.
وتوفي شخص كان يتظاهر في باريس بعد سقوطه، فيما أكدت السلطات أنّ لا علاقة للأمر بأعمال العنف أو بأي إجراء من جانب قوات إنفاذ القانون.

– نقص موارد الشرطة –
وقال رئيس بلدية باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار إنّ “شوارع بأكملها تعرّضت للنهب الممنهج”. وأعربت نائبته الأولى لمياء العراجة عن أسفها “لنقص الموارد” المتاحة للشرطة لوقف أعمال النهب.
وأدلى رئيس بلدية ليموج غيوم غيران (يمين) بانتقادات مماثلة، معربا عن أسفه لأن الشرطة الوطنية “تفتقر إلى الموارد”.
ومنذ السبت، طالب رئيس بلدية مرسيليا بينوا بايان (يسار) الحكومة بإجابات. وقال “أريد أن أعرف ما حدث. أريد أن أعرف لماذا تمكّن الناس في هذه المدينة من التخريب من دون عقاب”.
وأثارت الاحتجاجات وما رافقها من أعمال شغب مواقف متباينة بين الأحزاب السياسية. ففيما شارك رئيس حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون في تظاهرة في باريس داعيا للابتعاد عن أعمال العنف والتخريب، أكدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن التي تتصدر الاستطلاعات، أن حزبها “التجمع الوطني” يقف في صفّ الشرطة، معتبرة أن موقف اليسار “يُضفي شرعية على العنف” ويدفع البلاد نحو الفوضى.

ووفق استطلاعات رأي عدة، فإنّ حدة المواجهة السياسية ترتفع بين ميلانشون ولوبن، اللذين من المحتمل أن يتواجها في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية.
ودعا مسؤولون في حزب التجمّع الوطني اليميني المتطرّف وحزب الخضر، إلى “استقالة” وزير الداخلية بسبب نظام إنفاذ القانون الذي يعتبر متقادما.
من جانبها، أعلنت رئيسة الجمعية الوطنية يائيل براون بيفو (حزب ماكرون) أنّها ستقترح تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في أعمال العنف والاستراتيجية المعتمدة للحفاظ على النظام.

– “فرنسا تحترق” –
بعد عدة أسابيع من احتجاجات طلاب الثانويات، سعى منظمو احتجاجات السبت إلى ترسيخ “تقارب النضالات” مع حركة السترات الصفراء السابقة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وكلفة المعيشة.
وبحسب تقديرات وزارة الداخلية، ناهز عدد المتظاهرين 550 ألفا، بينما تحدث المنظمون عن 800 ألف.
وقالت ريجين مونفروا، وهي مرشدة اجتماعية كانت في صفوف المتظاهرين “أتيت للاحتجاج على غلاء المعيشة، ولأقول إننا سئمنا الكدح مقابل أجور زهيدة فيما الإيجارات ترتفع باستمرار”.
ودعا الاتحاد العام للعمل (CGT) مساء السبت، إلى “مواصلة التعبئة السلمية مع الشباب” و”إعداد الخطوات التالية”، وبينها “يوم إضراب رئيسي مشترك بين النقابات يتخلّله إضراب وتظاهرة مشتركة بين المهن في الخامس من نوفمبر”.

إلى ذلك، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الهجرة هي سبب الاضطرابات التي تشهدها فرنسا، وحثّ على “إغلاق الحدود”.
وقال في منشور على منصته الاجتماعية تروث سوشال “فرنسا تحترق! إن هجرة أشخاص من عالم مختلف تماما، أشخاص يحملون الكراهية في قلوبهم، حطمت ذلك البلد الذي كان عظيما يوما ما”. وأضاف “أغلقوا حدودكم واحكموا السيطرة، قبل فوات الأوان!”.
وسبق لترامب أن حمّل الهجرة والإسلام مسؤولية الاحتجاجات الطلابية الحاشدة التي تشهدها فرنسا منذ سبتمبر.
وأعقب منشور ترامب تصريحات مماثلة أدلى بها نائبه جاي دي فانس، الذي كتب على إكس “أتى الليبراليون الغربيون بالعالم الثالث إلى فرنسا ودول أخرى باسم التنوع والرحمة. وتجاهلوا أسئلة جوهرية تتعلق بالاندماج والتوافق. قيل لهم إن الأمور ستصل إلى هنا لكنهم رفضوا الإصغاء”.
المصدر: هسبريس - أف.ب