Loading...

السيادة الخوارزمية

|
17 أكتوبر 2026, 01:00
Featured image
حجم الخط

الذكاء الاصطناعي على محكّ الطاقة والماء واليقظة والسيادة

الجزء الثالث والأخير

تندرج هذه المساهمة، وهي السابعة ضمن سلسلة مقالات منشورة باللغة العربية بجريدة هسبريس، في امتداد مسار خصصناه لتقديم مفهوم الذكاء الطاقي وأسسه وأبعاده الاستراتيجية والعملياتية، باعتباره إطارا مفاهيميا ومنهجيا وعمليا يستند إلى قياس التدفقات الطاقية والكربونية وتتبعها، ويهدف إلى تعزيز الحكامة وجودة القرار، بما يخدم الذكاء الاقتصادي والتنمية المستدامة. وقد شكل هذا المفهوم أيضا موضوع بحث علمي منشور في مجلة دولية متخصصة في التكنولوجيا والابتكار والفيزياء والطاقة والبيئة.

فبعد أن تناولت المقالات الأربع الأولى الأسس المفاهيمية والمنهجية للذكاء الطاقي، وعلاقته بالاقتصاد والطاقات المتجددة والتحولات الجيوطاقية والتنمية الترابية، انتقلنا، ابتداء من المقال الخامس، إلى التعريف بدور الذكاء الاصطناعي في إنجاح الذكاء الطاقي، باعتباره أداة تكنولوجية يمكن أن تعزز القدرات العملياتية لهذا الإطار، من خلال معالجة المعطيات وتحليلها، والتنبؤ والمحاكاة والاستشراف، ودعم القرار وخدمات الحكامة. كما امتد هذا التناول إلى مساءلة شروط اشتغال الذكاء الاصطناعي وحدوده، وما تستلزمه بنياته التحتية من موارد طاقية ومائية، وما تثيره تطبيقاته من رهانات مؤسساتية وسيادية وأمنية.

وفي هذا الإطار، انتظمت المساهمات الثلاث الأخيرة في مسار تحليلي متكامل؛ تناول الجزء الأول البعد الحضاري للذكاء الاصطناعي، من خلال استحضار تطور الذكاء البشري وعلاقته بالأداة والتكنولوجيا، فيما خُصص الجزء الثاني لآليات الاشتغال والخدمات التقنية والقرارية، وللأبعاد المادية والمنظومية لهذه التكنولوجيا. ويأتي هذا الجزء الثالث والأخير ليستكمل التحليل بالانتقال إلى السيادة الرقمية والخوارزمية، واليقظة التكنولوجية والاستشراف الأمني، بما في ذلك التحولات المرتبطة بالتكنولوجيات الكمومية والمرونة التشفيرية.

وتتمثل الغاية من هذا التدرج في استكمال دراسة الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة داعمة للذكاء الطاقي، بما يقتضي الاستفادة الواعية من إمكاناته، والتحكم في متطلباته ومخاطره، واستباق تحولاته في إطار حكامة مسؤولة ومستدامة.

بُعد السيادة: من البنيات التحتية السحابية إلى السيادة الخوارزمية

تضع المادية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي توطين المعطيات وتداولها وحمايتها في صميم السيادة الرقمية. وبالنسبة إلى المغرب، لا يكمن الرهان في السعي إلى استقلال تكنولوجي مطلق، بقدر ما يتمثل في البناء التدريجي لقدرات وطنية على توطين المعطيات وتأمينها وإخضاعها للتدقيق، فضلا عن تعزيز القدرة على اتخاذ القرار. ومن هذا المنطلق، يجمع هذا التوجه بين البنيات التحتية السحابية، والأمن السيبراني، وحماية المعطيات، والتكوين العلمي، وتأطير الاستخدامات الخوارزمية.

وتتعلق المسألة الأولى بتوطين المعطيات. ففي هذا الإطار، تندرج استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” ضمن رؤية أوسع تروم تحديث الخدمات العمومية، ودعم الاقتصاد الرقمي، وتعزيز الموقع الإقليمي للمملكة. كما تبرز، على وجه الخصوص، أهمية تعزيز السيادة على المعطيات الحساسة، من خلال تأمين استضافتها ومعالجتها، والتحكم في شروط الولوج إليها وتداولها، وفق المتطلبات القانونية والتنظيمية المعمول بها.

. وتمتد هذه الرؤية من خلال خارطة طريق الحوسبة السحابية للفترة 2025-2030، التي تربط بين التحول الإداري، واستمرارية الخدمات، والأمن، والتحكم في المعطيات. وفي صلب هذا التصور، تضطلع وكالة التنمية الرقمية بدور تنسيقي وعملي لفائدة الإدارات والمقاولات ومختلف مكونات المنظومة الرقمية.

أما المسألة الثانية، فتهم البنيات التحتية ذاتها. ذلك أن تطوير مراكز بيانات معتمدة ومصممة وفق متطلبات بيئية معززة يرمي إلى الجمع بين السيادة الرقمية، والجاذبية الترابية، والاستثمار المنتج، وتثمين الإمكانات الوطنية في مجال الطاقات المتجددة. وفي الاتجاه نفسه، من شأن إنشاء مراكز للتميز في مجال المعطيات والذكاء الاصطناعي أن يقرب بين البنيات التحتية، والبحث، والابتكار، والصناعة، والتكوين. وعندئذ، يتحول التوطين الوطني للمعطيات إلى رافعة لضمان استمرارية الخدمات، وتثمين المعطيات، وتعزيز منظومة تكنولوجية قادرة على دعم استخدامات رقمية مستدامة وآمنة ومتحكم فيها.

وتتصل المسألة الثالثة بالحماية وبناء الثقة. إذ إن توطين المعطيات داخل التراب الوطني لا يكفي، بمفرده، لضمان سيادتها. فلا بد، إلى جانب ذلك، من حماية الأنظمة، وتأطير عمليات المعالجة، وصون حقوق الأشخاص. ولهذا الغرض، تنظم المؤسسات المختصة لجوء الجهات التي تعالج معطيات حساسة إلى مقدمي الخدمات السحابية، كما تضع أطرًا مرجعية لتأهيل الخدمات المعنية.

ومن جهتها، تسهر اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، استنادا إلى القانون رقم 09-08، على حماية الأشخاص إزاء عمليات معالجة معطياتهم الشخصية. كما تؤكد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تظل خاضعة لمتطلبات النزاهة، والشفافية، والإنصاف، والوضوح، وإمكانية اللجوء إلى التدخل البشري، متى تعلقت عمليات المعالجة بالمواطنين.

أما المسألة الرابعة، فتتعلق بالتحكم العلمي وبالقدرة الوطنية على تكوين الكفاءات اللازمة. فالمغرب يتوفر بالفعل على مسارات تكوين جامعية تغطي مستويات متعددة، بدءا من تكوينات التقني المتخصص والشهادات التكنولوجية، وصولا إلى أسلاك المهندسين والماستر والدكتوراه. كما تُدرَّس حاليا تخصصات الهندسة المعلوماتية، والأنظمة المدمجة، والشبكات، والبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والرياضيات التطبيقية، وبحوث العمليات، والأمن السيبراني، ومعالجة الإشارة، في مؤسسات التكوين المهني، ومدارس التكنولوجيا، والكليات، والمدارس العليا. وتوفر هذه المسارات، بحسب شروط الولوج إليها، للشباب المنحدرين من الشعب العلمية والتقنية عدة إمكانات للتأهيل والتخصص. غير أن هذا الرصيد يمكن تثمينه بصورة أكبر من خلال ربطه صراحة بمشروع السيادة الخوارزمية. ذلك أن هذه السيادة تفترض التحكم في أدوات القياس والرصد، وفي معالجة الإشارة، وفي النماذج الرياضية التي تتيح تحويل الكميات الفيزيائية إلى معطيات رقمية مؤهلة، ثم تفسيرها بواسطة خدمات للذكاء الاصطناعي مؤطرة بقواعد للحكامة. ومن ثم، فإن تعزيز المسارات الدراسية، والمنصات البيداغوجية، والمشاريع متعددة التخصصات، والروابط مع الحاجات الصناعية، من شأنه أن يشكل استثمارا موجها يمكن نشره تدريجيا، ويخدم الأولويات الوطنية بصورة مباشرة.

وعلى هذا الأساس، تبدو السيادة الخوارزمية قدرة منظمة على الفهم، والتأمين، والتحكيم، والاستباق. فهي تجمع بين البنيات التحتية الوطنية، والحماية القانونية، والأمن السيبراني، والكفاءات العلمية، والحكامة البشرية. غير أن متانة هذه السيادة لا تُقاس فقط بمدى التحكم في الأنظمة المستخدمة حاليا، بل تعتمد أيضا على القدرة على رصد التحولات الجذرية التي قد تغير، مستقبلا، شروط أمن هذه الأنظمة وأدائها والثقة فيها. ولذلك، ينبغي أن تمتد السيادة الخوارزمية إلى يقظة تكنولوجية نشطة، قادرة على الإعداد للتكيفات الضرورية قبل أن تتحول التطورات التكنولوجية إلى قيود مفروضة. وبعد تحديد الشروط المادية والمؤسساتية اللازمة لبناء هذه السيادة، يظل سؤال أساسي مطروحا: كيف يمكن الحفاظ عليها في مواجهة التحولات التكنولوجية الجذرية التي قد تغير، مستقبلا، أمن البنيات التحتية الرقمية؟

البعد الاستشرافي والأمني: من اليقظة إزاء التقنيات الكمومية إلى المرونة التشفيرية

لا تشكّل التقنيات الكمومية منظومة تكنولوجية متجانسة، ولا تنطوي تطوراتها على قطيعة شاملة أو تحول قابل للتعميم الفوري، إذ تتفاوت مستويات نضجها وجاهزيتها للتطبيق باختلاف المجالات. ففي حين بلغت بعض تقنيات الاستشعار الكمومي مراحل متقدمة من الاستخدام، وتشهد الاتصالات الكمومية والتطبيقات المتخصصة تطورات متفاوتة، لا تزال الحوسبة الكمومية العامة والقابلة للتوسع والمتحملة للأخطاء تواجه تحديات علمية وهندسية وصناعية كبرى. ومن ثم، لا يكمن الرهان الاستراتيجي في افتراض قرب استبدال البنيات التحتية الرقمية التقليدية، بل في استشراف المسارات التكنولوجية الممكنة، والتمييز بين التطبيقات المثبتة علمياً والآفاق التكنولوجية التي لا تزال قيد البحث والتطوير، مع تعزيز قدرات الرصد والتجريب والاستعداد المبكر للتحولات ذات الأثر المؤكد، ولا سيما في مجال الأمن السيبراني.

وقد يشكّل تطوير بنيات حاسوبية هجينة أحد المسارات التكنولوجية الواعدة، من خلال الجمع بين الحوسبة التقليدية، والحوسبة عالية الأداء، والذكاء الاصطناعي، والمعالجات الكمومية. ولا يتمثل دور هذه الأخيرة بالضرورة في استبدال الأنظمة القائمة، بل في استكمال قدراتها من خلال معالجة مهام حسابية متخصصة، متى أمكن إثبات جدواها أو تفوق أدائها مقارنة بأفضل الحلول التقليدية المتاحة. وفي هذا الإطار، ستواصل البنيات الحاسوبية التقليدية الاضطلاع بوظائف جمع البيانات وإعدادها، وتشغيل التطبيقات، وتنسيق العمليات الحسابية، ومعالجة النتائج واستثمارها. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين اختيار المعلمات (Paramètres)، وتوجيه عمليات المحاكاة، وتحسين بعض مراحل المعالجة، وربط المخرجات بالاحتياجات التشغيلية. ومن ثم، يتجه هذا المسار نحو تكامل تدريجي بين قدرات حاسوبية متعددة، أكثر مما يتجه نحو إحلال إحداها محل الأخرى.

وفي المجال الطاقي، الذي يشكّل محور اهتمامنا، يمكن استكشاف إمكانات هذه البنيات في تحسين تشغيل الشبكات الطاقية، وتعزيز التنسيق بين أنظمة تخزين الطاقة وفق إمكانات المرونة المتاحة والمحتملة، وتحسين تخطيط الاستثمارات في البنيات التحتية الطاقية، وغيرها من التطبيقات التي تستدعي معالجة مسائل معقدة ومقارنة سيناريوهات محتملة متعددة. ويظل الانتقال من استكشاف هذه الإمكانات إلى توظيفها الفعلي رهيناً بتقييم أدائها وجدواها مقارنة بأفضل الحلول المتاحة، استناداً إلى معايير واضحة تشمل جودة النتائج، وسرعة المعالجة والقدرة على الاستجابة الآنية ضمن الآجال التي تفرضها متطلبات التشغيل والتحكم في الأنظمة الطاقية، فضلاً عن استقرار الأداء، وقابلية تكرار النتائج والتحقق من اتساقها، والتكلفة، والاستهلاك الطاقي، وسهولة الإدماج في الأنظمة القائمة، والمنفعة الفعلية في دعم اتخاذ القرار. ومن ثم، لا تكتسب التكنولوجيا الكمومية أهميتها الاستراتيجية لمجرد حداثتها، وإنما تتحدد قيمتها بمدى قدرتها على تقديم خدمات ذات قيمة مضافة ملموسة وقابلة للقياس والتحقق في ظروف تشغيلية محددة، إلى جانب ما يقتضيه الحفاظ على التنافسية وتعزيزها من مواكبة التطورات التكنولوجية، وتملّك المعارف والكفاءات المرتبطة بها، والاستعداد المبكر لاستيعاب تطبيقاتها الواعدة.

ويمكن للذكاء الطاقي أن يوفر الإطار المنهجي لهذا التقييم، بما يتيح تحديد الموارد المعبّأة، وتقييم الفوائد العملية، وتوثيق أوجه عدم اليقين، وتقدير مدى توافق هذه التقنيات مع القيود الاقتصادية والطاقية والمائية والمجالية. وبناءً على ذلك، ينبغي إخضاع الابتكار الكمومي للمتطلبات نفسها التي تخضع لها سائر الأنظمة الرقمية، ولا سيما تأهيل البيانات، وإمكانية تتبع العمليات الحسابية، وقابلية تدقيق النتائج، والتحكم في المخاطر، وضمان المسؤولية البشرية في التحكيم.

غير أن الرهان الأكثر إلحاحاً يظل مرتبطاً بالأمن السيبراني. إذ يمكن لحواسيب كمومية متقدمة بما يكفي أن تهدد، مستقبلا، أمن بعض خوارزميات التشفير والتوقيع الرقمي المعتمدة حاليا، بما قد يؤثر في حماية المعطيات والاتصالات والأنظمة الحساسة. وعليه، فإن التهديد لا يشمل جميع كلمات المرور دون تمييز، بل يهم أساساً الآليات التي تتيح التحقق من الهوية، وإنشاء اتصال آمن، وضمان مصدر التعليمات، أو التصديق على سلامة البرمجيات. وقد أصبحت هذه الوظائف أساسية بالنسبة إلى الإدارات، والمؤسسات المالية، والخدمات السحابية، والأنظمة الصناعية، والبنيات التحتية الحيوية.

لذلك، ينبغي أن يبدأ الاستعداد، وبسرعة، قبل ظهور أجهزة قادرة فعلياً على اختراق الأنظمة الحالية. ذلك أن الانتقال من منظومات تشفيرية إلى أخرى يتطلب وقتاً، ولا سيما عندما تكون المعدات قديمة، أو يصعب توقيفها، أو تكون مدمجة في بنيات تحتية معقدة. وتتمثل الخطوة الأولى في رسم خريطة للاعتماديات القائمة. إذ ينبغي أن تتمكن الإدارات، ومشغلو البنيات الحيوية، والفاعلون الصناعيون، ومقدمو الخدمات الرقمية من جرد البروتوكولات، والخوارزميات، والشهادات، والتجهيزات المستخدمة، ثم تحديد البيانات التي يجب أن تحتفظ بسريتها على المدى البعيد، وترتيب الأنظمة بحسب الآثار المحتملة لأي اختراق. ومن ثم، لا تكمن الأولوية في انتقال متسرع، بل في بناء رؤية كافية تتيح تنظيم انتقال سلس وتدريجي ومتحكم فيه.

ومن هذا المنظور، تكتسي المرونة التشفيرية أهمية أساسية، باعتبارها قدرة المؤسسة على استبدال آليات التشفير أو تكييفها دون الحاجة إلى إعادة بناء بنياتها التحتية بالكامل، أو التسبب في انقطاع مطوّل لخدماتها، أو الإخلال بالتوافق التقني مع أنظمة شركائها. وتقتضي هذه المرونة اعتماد بنيات تقنية معيارية قابلة للتعديل والتطوير، وقوائم جرد محيّنة للأنظمة والخوارزميات التشفيرية المعتمدة، وإجراءات منتظمة للاختبار والتحقق من التوافق، وآليات آمنة للتحديث، إلى جانب تنسيق فعّال بين الوظائف التقنية والقانونية والعملياتية.

وفي الأنظمة الطاقية، يشمل هذا المطلب الشبكات الكهربائية الذكية، والعدادات القادرة على التواصل وتبادل البيانات، والمنصات السحابية، والأنظمة الصناعية، وتجهيزات التحكم عن بُعد، والسلاسل الرقمية التي تربط القياس الفيزيائي بعملية اتخاذ القرار.وتسهم الآليات التشفيرية، في هذه الأنظمة، في مصادقة التجهيزات، وحماية سلامة بيانات القياس من التغيير أو التحريف، وتأمين الاتصالات، والتحقق من صلاحية أوامر التحكم وهوية الجهة المخولة بإصدارها. غير أن هذه التجهيزات غالباً ما تظل في الخدمة لعقود عدة، كما أن بعضها يتوفر على قدرات حسابية محدودة أو يصعب توقيفه. ولذلك، يتعين إعداد الانتقال التشفيري للبنيات التحتية الطاقية قبل وقت طويل من تحول الآليات الحالية إلى عناصر معرضة للاختراق.

وتؤكد الاستراتيجيات التي اعتمدتها عدة قوى دولية هذا التوجه؛ إذ تجمع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والصين والمملكة المتحدة واليابان وروسيا، وفق أولويات ومقاربات متفاوتة، بين البحث العلمي، والتكوين، والتجريب، وتوحيد المعايير، والأمن السيبراني، والتصنيع. ولا تعكس هذه الاستراتيجيات بالضرورة يقيناً بحدوث تحول تكنولوجي جذري ووشيك، بقدر ما تعبّر عن إرادة الحفاظ على القدرة على فهم المسارات التكنولوجية الراهنة والناشئة، واستكشاف إمكاناتها، واختبارها، والتحكم في تطورها وتطبيقاتها. وفي هذا السياق، لا تقتصر المنافسة في المجال الكمومي على تطوير الآلات والأجهزة، بل ترتكز بالأساس على بناء الكفاءات، وتطوير البرمجيات، والمساهمة في وضع المعايير، وإنتاج الابتكارات وحمايتها ببراءات الاختراع، فضلاً عن إرساء البنيات التحتية المخصصة للبحث والتجريب. وتُبرز هذه المجالات أهمية تعزيز البحث العلمي التطبيقي والابتكار والتثمين بالمغرب، بما يدعم قدراته على تطوير حلول تكنولوجية أصيلة، وترسيخ سيادته التكنولوجية، وحماية مخرجات البحث العلمي التطبيقي والابتكار من خلال منظومة الملكية الصناعية.

وبالنسبة إلى المغرب، لا يكمن الرهان في محاكاة القوى الكبرى أو تغطية مجمل السلسلة الكمومية العالمية، بل في تحديد المجالات المتوافقة مع كفاءاته وأولوياته، ومنها التشفير ما بعد الكمومي، وتأمين البنيات التحتية الحيوية، والتحسين الهجين، والمستشعرات المتقدمة، والتكوين العلمي. ويمكن أن يستند هذا الاستعداد إلى المكتسبات الوطنية في الرياضيات، والمعلوميات، ومعالجة الإشارة، والأمن السيبراني، والأنظمة المدمجة، والهندسة الطاقية، وعلوم البيانات. كما سيستفيد من إشراك الجامعات، ومدارس المهندسين، ومراكز البحث، والإدارات، ومشغلي الطاقة، والمقاولات الرقمية.

وفي مرحلة أولى، يمكن أن يتخذ هذا التوجه شكل يقظة منظمة، وتكوينات متخصصة، وشراكات دولية، وأعمال بحث تطبيقي، ومشاريع تجريبية محدودة. وستظل هذه المقاربة منسجمة مع منطق الذكاء الطاقي: الفهم قبل التبني، والاختبار قبل التعميم، والقياس قبل الاستثمار، والمقارنة قبل اتخاذ القرار. وهكذا، تصبح اليقظة الكمومية مكوّناً من مكونات السيادة الخوارزمية. ولا تقتصر هذه السيادة على استضافة البيانات أو التطوير المحلي للتطبيقات، بل تفترض أيضاً فهم البنيات المستخدمة، وتحديد اعتمادياتها، وحماية آليات الثقة التي تقوم عليها، والقدرة على تكييفها عندما تتراجع درجة أمنها أو ملاءمتها.

ومن ثم، ينبغي لسيادة رقمية جادة أن تستبق التحولات التي قد تضعف مستقبلاً منظومات الثقة المعتمدة اليوم. فالِيقظة الكمومية تتيح الفهم والتقييم، والمرونة التشفيرية تحوّل هذا الاستباق إلى قدرة على التكيف، والأمن السيبراني يحمي استمرارية الأنظمة، بينما يربط الذكاء الطاقي هذه الحماية بالبنيات التحتية المادية، والمجالات الترابية، وخيارات السيادة. وفي نهاية المطاف، لا يكمن الاستباق الاستراتيجي الحقيقي في السعي المنهجي وراء كل ابتكار، بل في القدرة على التمييز بين التحولات البنيوية والوعود العابرة، ثم إعداد الكفاءات والقواعد والبنيات التحتية اللازمة للاستجابة لها بوعي وتبصر.

خاتمة: حكامة القوة بالقياس والغاية والمسؤولية

من جبل إيغود إلى «جيتكس أفريقيا»، كما تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال، لا يتجلى التاريخ البشري في مجرد تعاقب الأدوات والتقنيات، بل في مسار متصل من اكتساب المعارف وتطوير الوسائط وتوسيع القدرة على الفعل: من الملاحظة والفهم والصنع، إلى النقل (Transmission) والحساب والتحويل. فكل أداة يبتكرها الإنسان توسع مجال تدخله في العالم، وتعيد تشكيل علاقته بالموارد والمجتمع والبيئة، لكنها تضعه، في الوقت نفسه، أمام مسؤوليات جديدة. ومن ثم، لا تمثل التقنية مجرد إنجاز مادي، بل تشكل أيضا قوة معرفية وثقافية واقتصادية وسياسية، تتحدد قيمتها بالغايات التي تخدمها وبالقدرة على التحكم في آثارها.

ويجسد الذكاء الاصطناعي، اليوم، إحدى أبرز تجليات هذا المسار. فهو يتيح معالجة كميات هائلة من المعطيات، والربط بين معلومات متباينة، والكشف عن العلاقات والاختلالات، واستشراف التطورات، ومحاكاة السيناريوهات، والمساعدة على التحكيم بين اختيارات معقدة. وفي المجال الطاقي، يمكن لهذه القدرات أن تعزز فهم الأنظمة وتفاعلاتها، وأن تدعم الانتقال من مجرد تجميع المعطيات إلى إنتاج معرفة قابلة للتوظيف في التحليل والتخطيط والحكامة.

غير أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في جعل الأتمتة (Automatisation) غاية قائمة بذاتها، ولا في سرعة الحساب أو أداء النماذج بمعزل عن سياقات استخدامها، وإنما في قدرته على الإسهام في قرارات أكثر استنادا إلى الأدلة، وأوضح من حيث البدائل والتكاليف، وأكثر وعيا بحدود المعرفة وأوجه عدم اليقين. كما أن هذه القدرات الرقمية لا تنشأ في فضاء افتراضي منفصل عن الواقع، بل تستند إلى موارد طاقية ومائية، وتجهيزات صناعية، وبنيات تحتية للحوسبة السحابية والاتصال، وكفاءات علمية وتقنية، ومجالات ترابية تستضيف هذه المنظومات وتتحمل جزءا من أعبائها وآثارها.

ومن هنا، تبرز ضرورة إخضاع الذكاء الاصطناعي لمنطق حكامة يربط الخدمات التي يقدمها بالموارد التي يستهلكها، ويوازن بين منافعه وتكاليفه ومخاطره وآثاره البيئية والاقتصادية والمجالية. وفي هذا المستوى، يكتسب مفهوم الذكاء الطاقي أهميته باعتباره إطارا مفاهيميا ومنهجيا وعملياتيا يمكن أن يساعد على تنظيم هذه العلاقة، من خلال القياس والتتبع والتحليل والتقييم ودعم التحكيم بين البدائل.

وتتجلى خصوصية هذه المقاربة في الجمع بين مستويين متكاملين من الحكامة: الحكامة باستخدام الذكاء الاصطناعي، حين توظف قدراته في تحسين القياس والتنبؤ والمحاكاة والاستشراف وإعداد القرار؛ وحكامة الذكاء الاصطناعي نفسه، حين تخضع بنياته واستهلاكاته وتبعياته ومخرجاته لمتطلبات الشفافية والتتبع والتدقيق وتقييم الأثر، مع إبقاء المسؤولية النهائية عن القرارات والاختيارات بيد الإنسان والمؤسسات المختصة.

وبذلك، لا يعود التقدم التكنولوجي مقاسا بما تستطيع الخوارزميات إنجازه فحسب، بل أيضا بما يمكن إثباته والتحقق منه بشأن جدوى استخدامها وكلفة تشغيلها وآثارها. إنها حكامة تصل الأداء بالمسؤولية، والابتكار بالاستدامة، والقدرة الحسابية بالواقع المادي والمؤسساتي الذي يجعلها ممكنة.

وعلى مستوى السيادة، يفتح هذا الترابط أمام المغرب أفقا لبناء استقلالية استراتيجية تدريجية وواقعية، بعيدا عن وهم الاكتفاء التكنولوجي المطلق. فتعزيز البنيات التحتية الوطنية، وتأمين الخدمات السحابية، وحماية المعطيات، وتطوير الكفاءات العلمية والهندسية، وتنمية القدرة على فهم النماذج وتقييمها وتكييفها، والاستعداد للتحولات التكنولوجية والأمنية الناشئة، كلها عناصر يمكن أن تدعم قدرة وطنية مستدامة على الاختيار والتحكيم وتقليص التبعيات الحرجة.

ومن هذا المنظور، لا تُختزل السيادة الخوارزمية في امتلاك التقنيات أو استضافة الأنظمة، بل تتجسد في القدرة على فهمها والتحكم في شروط استخدامها، ومراقبة أدائها ومخاطرها، وتعديلها أو استبدالها عند الضرورة. وعلى الصعيد الأفريقي، يمكن أن يشكل التعاون في التكوين والبحث العلمي وتبادل الخبرات والتشارك الانتقائي في البنيات التحتية رافعة لبناء قدرات مشتركة، في إطار سيادة منفتحة على الشراكات المتوازنة والمتكاملة والمتخصصة.

وهكذا، وبين الحجر الذي نحته الإنسان في جبل إيغود، والأنظمة الخوارزمية التي عُرضت في «جيتكس أفريقيا»، والبنيات الهجينة التي قد تتطور مستقبلا، تظل الغاية الأساسية واحدة: أن تبقى الأدوات، مهما بلغت قوتها وتعقيدها، في خدمة اختيارات إنسانية واضحة ومسؤولة. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بسرعة الحساب وحدها، بل بالقدرة الجماعية على الفهم والقياس والمقارنة والاختيار والحكامة بتبصر.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن ترجمة هذه الرؤية إلى قدرات فعلية تقتضي تجاوز المقاربات القطاعية المنعزلة، وتعزيز الالتقائية بين السياسات الطاقية والمائية والصناعية والرقمية، وتسريعها في إنجاز المشاريع، والاستعداد للتحولات التي تفرضها التقنيات الناشئة. وفي هذا السياق، تكتسي التوجيهات الملكية السامية أهمية استراتيجية خاصة، بما تحمله من دعوة إلى تسريع وتيرة الإنجاز وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى. فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في الخطاب السامي الذي وجهه إلى أعضاء البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية: “واليوم، إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية، يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.”

وتكتسب هذه الاستراتيجيات فعاليتها من خلال تنزيلها الميداني بما يراعي خصوصيات الجهات والأقاليم والجماعات الترابية، وحاجياتها وإمكاناتها وتحدياتها الفعلية. وانطلاقا من التوجيهات الملكية السامية، يمكن للذكاء الطاقي، المعزز بالذكاء الاصطناعي، أن يشكل رافعة علمية وعملياتية تسهم في دعم هذا التنزيل، من خلال تعزيز قدرات القياس والتتبع والتحليل والاستشراف والمحاكاة، بما يساعد على فهم أدق للواقع الترابي، وتحديد الأولويات، واستباق الحاجيات، وتقييم البدائل، وبلورة حلول ملائمة وقابلة للتنفيذ والقياس.

وفي هذا الإطار، تندرج هذه المساهمة العلمية ضمن مسعى الإسهام في تفعيل التوجيهات الملكية السامية، من خلال تطوير مقاربات وأدوات تساعد على ترجمة الأولويات الاستراتيجية إلى أهداف ومؤشرات قابلة للقياس والتتبع والتقييم، وتشخيصات دقيقة، وحلول عملية تستجيب لخصوصيات المجالات الترابية، انخراطا فيما أكد عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في الخطاب نفسه: ” إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها. فالنهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة، وتفعيل اللاتمركز الإداري.”

-أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء – خبير قضائي محلف – شعبة الطاقات المتجددة – مدقق رئيسي لنظم القيادة الاستراتيجية للطاقة – 50001 ISO – مدقق رئيسي لنظم القيادة الاستراتيجية للبيئة – 14001 ISO.

المصدر: المقدم خديوي

الوسوم:
0

التعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

أضف تعليقك

0 / 1000 (الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
إعلان - Advertisement مساحة إعلانية Responsive Ad Slot
تصميم وبرمجة واستضافة شركة ديما جاهز