الدولة الحامية لكافة المواطنين والمواطنات وخاصة منهم الأسر الفقيرة وصغار الفلاحين والتجار ودوي الدخل المحدود من موظفين وعمال ومتقاعدين وحرفيين، هي اليوم ضرورة مجتمعية وسياسية بالنسبة لبلدنا أكثر من أي وقت مضى.
ولا شك أنّ من بين الأسئلة التي تتبادر إلى ذهن القارئ(ة): لماذا يحتاج المواطن المغربي، الآن، إلى حماية الدولة أكثر مما مضى ( والقصد المواطنين والمواطنات)؟ حمايته من ماذا؟ ولماذا؟ وكيف يمكن للدولة حمايته بشكل ملموس لديه؟
قبل ملامسة الإجابة على هذه الأسئلة من باب المساهمة في الحوار المجتمعي والسياسي الذي تديره وسائل الإعلام الجادة في بلدنا بمهنية منذ شهور، دعنا نتساءل معا: هل من معنى عام ومبسّط للدولة والدولة الحامية ليشمل هذا التفاعل الإعلامي غير المختصين في القانون الدستوري وعلوم السياسة والاقتصاد والاجتماع، لأنّ الصحافة وجدت لإعلام وتثقيف وتوعية عامة المواطنات والمواطنين ومساعدتهم على فهم ما يجري من حولهم للتمكّن من تكوين الرأي واتخاذ القرارات السليمة في الأوقات المناسبة ومنها الأوقات المخصصة للاستحقاقات الانتخابية.
يقصد بالدولة في ذهن عامة النّاس مجموع السلطات العمومية داخل بلد معين. وفي المغرب كمثال، تتمثل هذه السلطات العمومية في: الحكومة.، والجماعات الترابية.، والإدارات العمومية وتشمل الوزارات والمصالح اللاممركزة والمديريات التابعة لها.، بالإضافة إلى المؤسسات العمومية التي تقدّم الخدمات للمواطنين.، والسلطات المحلية الممثلة للسلطات المركزية ومن أهم تجلياتها في ذهن المواطن المغربي الولاة والعمال وممثليهم على المستوى الترابي، ورجال الأمن والدرك الملكي لما لهم من أدوار كبيرة في الحفاظ على أمن وسلامة المواطنات والمواطنين وحمايتهم وحفظ النظام العام وتطبيق القانون.
وما المقصود بالدولة الحامية بعيدا عن التجريد؟
في لغتنا العربية، تعني كلمة حماية: المنع، والدّفع، والوقاية، والصيانة، إلخ. وتعني حماية المواطنين والمواطنات: صيانتهم ووقايتهم (…).
والدولة الحامية للمواطن مفهوم يعبّر عن: قيام الدولة بالتزام قانوني وأخلاقي لحماية مواطنيها وتأمين حقوقهم ضد المخاطر الداخلية والخارجية، وضمان الحد الأدنى من العيش الكريم لهم.
انطلاقا من هذا المفهوم المبسّط والواضح للدولة الحامية، ففي حالة المغرب لا يحتاج أحد إلى إثبات أنه بلد آمن، فليس من قبيل الصدفة أو المغامرة أن تختار دول أجنبية وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية مدينة العيون أو مدينة الداخلة وغيرهما مقرات لسفاراتها، فلماذا إذا يحتاج المواطن إلى حماية الدولة؟ حمايته من ماذا؟ ولماذا؟ وهي أسئلة تمت الإشارة إليها في بداية هذه الورقة.
لا يمكن إنكار أهمية الإنجازات الحكومية السابقة في ما يتعلق بالبنيات التحتية، والصناعة، وقطاع الطيران، والطاقات المتجددة، والدعم الاجتماعي (…)، مما عزّز مكانة المغرب باعتباره مركزا إقليميا ودوليا.
ولكن بالمقابل، لا يمكن تجاهل مستوى معاناة المواطنات والمواطنين وخاصة منهم الأسر الفقيرة وصغار الفلاحين والتجار والموظفين والعمال والمتقاعدين، معاناتهم من التبعات الضارة الناجمة عن غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية والفلاحية.، وارتفاع نفقات تعليم أبنائهم وبناتهم الذين يدرسون في المؤسسات التعليمية التابعة للقطاع الخاص التي يجب مراقبتها من لدن الهيئات والمؤسسات المكلفة بذلك.
ولا يمكن نكران التراجع الملحوظ بالعين المجردة للخدمات الطبية في المستشفيات العمومية. وبالمقابل، جشع بعض المصحات الطبية الخاصة مما يدعو إلى حماية الدولة للمواطنات والمواطنين في هذا القطاع الأساسي بالنسبة لحياتهم.
مجمل القول حتى لا نطيل في ذكر الأمثلة، لا يوجد لما تم إنجازه من مشاريع كبرى في بلدنا في السنوات الأخيرة أثر ملحوظ ومباشر على حياة المواطن الذي يقيس الأشياء من خلال معاييره ومقاييسه الذاتية / المادية وهي: تحسّن معيشه اليومي.، وارتفاع قدرته الشرائية.، واستفادة فلدات كبده من فرص الشغل.، وانخفاض الضرائب التي يؤديها.، والتطبيب المجاني.، واستكمال المحظوظين من أبنائه وبناته لدراستهم الجامعية مجّانا لأن التعليم حق من حقوق المواطنين والمواطنات (…).
ويقيس المواطن العادي تحسّن الأوضاع في بلده من خلال محاربة الفساد الإداري والمالي الذي يضر بالاقتصاد والمجتمع، ويضر بحياة الأسر من خلال حرمان أبنائها وبناتها من فرص الشغل والتعليم والصحة (…) مما ينقص من منسوب الثقة في المؤسسات.
وعلاوة على الجهود التي بذلتها الدولة في سبيل محاربة الفساد بمختلف مظاهره، فهي ستمر إلى مرحلة متقدمة في هذا الاتجاه من خلال التطبيق الصارم لتوصيات المؤسسات والهيئات الدستورية المكلفة بالمراقبة الإدارية والمالية، حيث تضمّن الخطاب الملكي الأخير بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة رسائل قوية في هذا الاتجاه موجّهة إلى من يهمهم الأمر.
إنّ الدولة مطالبة دستوريا بحماية المواطنين والمواطنات. وفي ذلك، يتضمن دستور 2011 نصوصا ومقتضيات تجسّد فعليا وبالملموس مفهوم الدولة الحامية لمواطنيها وكيفيات ذلك. فمما جاء في تصديره والتصدير جزأ لا يتجزأ منه: ” إنّ المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة “. ومما جاء في هذا التصدير أيضا أنّ الدولة المغربية تلتزم بحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان.
وينص الفصل 35 من الدستور على أن تعمل الدولة على تحقيق تنمية بشرية مستدامة، من شأنها تعزيز العدالة الاجتماعية (…) وتسهر الدولة على ضمان تكافؤ الفرص للجميع، والرعاية الخاصة للفئات الاجتماعية الأقل حظا.
وهنالك مجموعة من فصول الدستور المنصوص عليها لحماية المواطنات والمواطنين مما يضر بحياتهم، وهي تتعلق باستقلالية القضاء وتولي القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون (الفصلان 109 و 117). والفصل 147 الذي ينص على أن المجلس الأعلى للحسابات يمارس مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية. ويحدّد الفصل 161 المهام المنوطة دستوريا بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان. ويحدّد الفصل 162 المهام المكلفة بها دستوريا مؤسسة الوسيط، وكذا مهام الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز (الفصل 164) ومهام مجلس المنافسة (الفصل 166).
وينص الفصل 167 من الدستور على أن ” تتولى الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها المحدثة بموجب الفصل 36، على الخصوص، مهام المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد، وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وثقافة المرفق العام، وقيم المواطنة المسؤولة”.
وبالملموس، كيف يمكن أن تحمي الدولة المواطنين من لهيب الأسعار وارتفاع أثمان المواد الأساسية وبطش وشجع بعض المؤسسات التابعة للقطاع الخاص؟
إنها مسؤولية الجميع كل من موقعه: الحكومة، البرلمان، النقابات، الأحزاب السياسية، جمعيات المجتمع المدني، جمعيات المستهلك، مجلس المنافسة(…) وقد حدّد الدستور الأدوار المنوطة بكل جانب. ويبقى الدور الأكبر للسلطات العمومية المركزية وتلك الممثلة لها على المستوى الترابي لأنها هي الأقرب إلى المواطن. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ينص الفصل 145 من الدستور على أن ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، الممثلين للسلطة المركزية في الجماعات الترابية، يعملون باسم الحكومة، على تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها، كما يمارسون المراقبة الإدارية.
إنّ الدولة الحامية للمواطن هي دولة القانون. والقانون بطبيعته اجتماعي. وهو الآلية الحقيقية لحماية المواطنين والمواطنات من كل ما يؤثر على حياتهم وحاضر ومستقبل أبنائهم وسلامتهم وصحتهم وأمنهم وقدراتهم الشرائية (…).
أما اقتصاديا، وانطلاقا من اقتناعنا التام بأن حضور الدولة ضروري لحماية المواطن في كل بلد من بلدان الجنوب (العالم الثالث)، نظم رأينا إلى رأي الاقتصادي الفرنسي ” Yves Crozet ” الذي أثار جدلا سياسيا وأكاديميا في تسعينيات القرن الماضي. ومضمونه: يجب أن تلزم الدولة حدود الحيز الذي يجب أن تكون فيه، ويجب أن يلزم القطاع الخاص الحيز الخاص به. (l’Etat doit exister là où il doit exister, le secteur privé doit exister là où il doit exister). وكأننا بهذا الاقتصادي يقول: إنّه حماية للمواطنين، لا يمكن للدولة أن تتخلى عن القطاعات الاجتماعية.
خلاصة القول: إنّنا في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الدولة الحامية لمواطنيها من خلال تطبيق القانون في حق كل من يمس بالقدرة الشرائية للمواطنين وبحقوقهم في الشغل والصحة والسكن والتعليم.
ولابد من استحضار البعد الاجتماعي وآليات تجسيده على أرض الواقع في كل السياسات العامة حتى ينعكس أثرها المباشر على المواطن البسيط في هوامش المدن والقرى والمناطق الجبلية والصحراوي النائية.
كما أنّ بلدنا في حاجة إلى قطاع خاص وطني، يؤدي الأدوار المنتظرة منه في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي ومنه تشغيل الشباب.
وأخيرا، لا شك أن محاربة الفساد الإداري والمالي من بين الآليات الحقيقية التي تمكّن من حماية حقوق المواطنين والمواطنات في الشغل والصحة والتعليم (…) وضمان شرط من الشروط البنيوية لتحقيق التنمية المستدامة على المستويين الوطني والترابي.
-إعلامي وباحث
المصدر: أحمد بلمختار منيرة