تشهد إيطاليا تصاعدا في وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية والطلابية، على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والسكن، في وقت تستعد فيه حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني لمواجهة سلسلة من التحركات النقابية والإضرابات، قبل أشهر من الانتخابات البرلمانية المقررة في ربيع 2027.
وتظاهر آلاف الطلاب والتلاميذ، الجمعة، في روما وميلانو وفلورنسا وبولونيا وجنوة وتورينو، احتجاجا على أوضاع التعليم وارتفاع تكاليف الدراسة، فيما انضم مدرسون إلى التحركات للمطالبة بزيادة الأجور وتوظيف المزيد من العاملين في القطاع، وسط دعوات إلى توسيع الاحتجاجات على غرار الحركات الاجتماعية التي شهدتها فرنسا وإسبانيا.
احتجاجات طلابية ومواجهات مع الشرطة
في العاصمة روما، تجمع آلاف المتظاهرين في مسيرة امتدت من محيط الكولوسيوم إلى مقر وزارة التعليم، وشهدت مواجهات محدودة بين بعض المشاركين وقوات الأمن، فيما أفادت السلطات بتعرض عناصر الشرطة للرشق بزجاجات وقنابل مضيئة.
وشهدت مدينة تورينو بدورها احتجاجات شارك فيها آلاف الطلاب والمدرسين، تخللتها مواجهات مع الشرطة التي استخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع ردا على رشقها بالحجارة، بينما تدخل عدد من الأساتذة للفصل بين المتظاهرين وعناصر الأمن.
وامتدت التعبئة الطلابية إلى المؤسسات التعليمية، حيث شهدت نحو عشر مدارس ثانوية في تورينو اعتصامات واحتلالا لمقارها، وسط دعوات إلى الاحتجاج على غرار فرنسا، في حين رفع متظاهرون لافتات تطالب بتحسين ظروف الدراسة والعمل والحياة.
وركزت التحركات أيضا على معارضة بعض توجهات حكومة ميلوني، خاصة خطط زيادة الإنفاق الدفاعي وقرار تحديد سقف لعدد التلاميذ الأجانب داخل الفصول الدراسية، إلى جانب المطالبة بتوفير السكن وضمان الحق في التعليم ومواجهة هشاشة التشغيل.
ولم تقتصر الاحتجاجات على القطاع التعليمي، إذ أقدم مزارعون وسائقو شاحنات، خلال الأسبوع الجاري، على إغلاق محاور طرقية في مناطق بوليا وكالابريا وصقلية جنوبي البلاد، احتجاجا على الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، ما أدى إلى تعطيل حركة النقل وهدد إمدادات القمح الموجهة إلى صناعة المعكرونة.
ولوحت نقابة النقل البري “كونفتراسبورتو” بتنظيم إغلاق شامل على المستوى الوطني، منددة بما وصفته بـ”مناخ التوتر الناجم عن الوضع غير المحتمل المرتبط بالارتفاع الحاد في أسعار الطاقة”، في مؤشر على احتمال اتساع نطاق الاحتجاجات خلال الأسابيع المقبلة.
وقال كريستيان فيراري، أحد مسؤولي الاتحاد العام الإيطالي للعمل “سي جي آي إل”، لوكالة “فرانس برس”، إن “إيطاليا تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية حادة”، موضحا أن تكاليف المعيشة أصبحت غير محتملة، بينما يفقد النظام الإنتاجي أجزاء من قدراته بصورة متواصلة، بالتزامن مع استمرار التحديات المناخية.
وأضاف المسؤول النقابي أن الهدف من التحركات يتمثل في وضع الظروف المعيشية والمهنية للإيطاليين في صلب الحملة الانتخابية، في وقت تستعد فيه العاصمة روما لاحتضان مظاهرة وطنية جديدة، غدا السبت 17 أكتوبر، احتجاجا على غلاء المعيشة، بينما دعت نقابة “يو إس بي” إلى إضراب عام يوم 30 أكتوبر الجاري.
غلاء المعيشة يؤجج الغضب الاجتماعي
تأتي هذه التعبئة الاجتماعية في ظل تسارع التضخم، الذي بلغ 4,2 في المائة خلال شتنبر الماضي على أساس سنوي، وفقا للمعهد الوطني الإيطالي للإحصاء، مدفوعا أساسا بارتفاع أسعار الوقود والطاقة، بعد فترة من الهدوء النسبي في الأسواق.
ورغم أن موجات التضخم التي أعقبت جائحة كوفيد-19 والتوترات الجيوسياسية طالت مختلف الاقتصادات الأوروبية، فإن تداعياتها كانت أشد على إيطاليا، حيث تعاني الأجور والإنتاجية من الركود منذ عقود، فيما تراجعت القيمة الحقيقية للأجور بنسبة 6,6 في المائة بين سنتي 1990 و2026، بحسب مكتب الموازنة البرلماني.
كما استغرقت الأجور الإيطالية وقتا أطول للتعافي من آثار الجائحة مقارنة بعدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، وفق منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ما زاد الضغوط على القدرة الشرائية للأسر، خصوصا في المدن الكبرى التي تشهد ارتفاعا في تكاليف السكن والدراسة.
ومنذ اندلاع الحرب على إيران خلال الربيع الماضي، سعت حكومة ميلوني إلى الحد من ارتفاع أسعار المحروقات عبر تعليق بعض الضرائب، قبل التوصل إلى ترتيبات مع كبار موزعي الوقود للحفاظ على سعر لتر البنزين دون عتبة اليوروين، غير أن هذه الإجراءات لم توقف تصاعد الاستياء الاجتماعي.
وتجد رئيسة الوزراء الإيطالية نفسها أمام تحديات متزايدة، رغم إشادتها بالاستقرار السياسي الذي حققته حكومتها وتحسن وضعية المالية العامة، إذ لم يواكب ذلك تسارع مماثل في النمو الاقتصادي أو ارتفاع ملموس في الأجور، قبل الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في ربيع السنة المقبلة.
ضغوط انتخابية ودعوات لتوسيع الاحتجاجات
قالت فيرونيكا دي رومانيس، الخبيرة الاقتصادية والأستاذة بجامعة لويس في روما، إن “مجموعة من العوامل المرتبطة بالخوف من المستقبل، والتي تغذيها الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية، تدفع بعض الإيطاليين إلى النزول إلى الشوارع”.
وأوضحت الخبيرة أن إيطاليا لم تصل بعد إلى مستوى الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا، مرجعة ذلك إلى استمرار دور الروابط العائلية والميراث في توفير حماية اجتماعية تخفف الضغوط الاقتصادية، وإن كانت هذه الآليات التقليدية تفقد تدريجيا قدرتها على الصمود.
وفي روما وميلانو وبولونيا، اختار عدد من الطلاب نصب خيام في وسط المدن للاحتجاج على ارتفاع تكاليف الدراسة والسكن، إذ أقام نحو عشرة طلاب مخيما في حي بورتا نوفا للأعمال بمدينة ميلانو، بين برج مصرف “يوني كريديت” ومقر مقاطعة لومبارديا.
وقال ريكاردو، وهو طالب يبلغ من العمر 22 سنة وعضو في اتحاد الطلاب الجامعيين، إن إيطاليا تحتاج إلى حركة احتجاجية خريفية واسعة ضد غلاء المعيشة وهشاشة العمل وارتفاع تكاليف السكن والدراسة، بعدما شهدت البلاد خلال الأشهر الماضية تعبئة كبيرة تضامنا مع الفلسطينيين.
وأضاف الطالب، في تصريح لوكالة “فرانس برس”، أن المحتجين يسعون إلى إعادة هذه القضايا إلى واجهة النقاش السياسي، حتى إن لم تنجح تحركاتهم في إحداث اضطرابات واسعة على غرار ما شهدته فرنسا أو إغلاق الطرق كما حدث في إسبانيا، خصوصا مع اقتراب إعداد آخر ميزانية للحكومة الحالية قبل الانتخابات.
المصدر: أ.ف.ب - تايماز سيرنيكس