مع تقدم الطفل في العمر فهو يحتاج إلى أن يكون مصدراً للاستثمار بالنسبة لوالديه من أجل مستقبله ونجاحه وتفوقه، فلا يكفي أن نوفر لأطفالنا الرعاية وكل مستلزمات الحياة المادية ولا كل أساليب الرفاهية التي يحرص عليها الآباء والأمهات، ويتسابقون في اختيارها لأطفالهم؛ فالطفل يحتاج إلى مستثمر ذكي ومحنك لكي ينتج منه مواطناً صالحاً في المستقبل. على الرغم أن الأم تقوم بالدور الأهم والأكبر في حياة الطفل منذ ولادته إلا أن وجود الأب وطغيان حضوره في الأسرة يلعب دوراً كبيراً في تنشئة الطفل تنشئة سوية وصحية، ولذلك توصي الدراسات العلمية والتربوية بضرورة تواجد الأب في حياة الطفل مهما كانت انشغالاته من أجل أن يستثمر مرحلة نمو طفله، ولذلك فقد التقت "سيدتي وطفلك" وفي حديث خاص بها بالمرشد التربوي عارف عبد الله، حيث أشار إلى 3 خطوات هامة يجب أن يفعلها الوالدان من أجل الاستثمار في صحة ونمو الأبناء، ومنها حضور الأب الدائم، وتقليل وقت الشاشات وذلك في الآتي:
اعلمي أنه بناءً على توصيات خبراء التربية والصحة النفسية والأعصاب، فهناك العديد من الأضرار البالغة التي تسببها الشاشات الافتراضية على طفلك في سن مبكرة، حيث يحتاج في هذا العمر إلى التفاعل مع الحياة الحقيقية لنمو سليم، وهذه الأضرار هي:
وحيث إن الشاشات بكل أنواعها تعيق التطور الطبيعي للخلايا العصبية في المراحل العمرية المبكرة التي تتطلب حركة واستكشافاً حسياً ملموساً، فهذا الاستهلاك الرقمي يقلل من تشكّل الروابط الدماغية المسؤولة عن التفكير المنطقي والتحليل، مما يؤثر سلباً على بنية الدماغ ونموه المستقبلي.
وحيث إن المشاهد السريعة والمؤثرات البصرية المتلاحقة بأنواعها تتسبب في تعويد دماغ الطفل على مستويات تحفيز عالية جداً وغير طبيعية ونتيجة لذلك، يجد الطفل صعوبة بالغة في التركيز على الأنشطة الواقعية البطيئة، مثل القراءة أو الاستماع للشرح، مما يضعف قدرته على الانتباه الحسي.
وحيث يؤدي الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة الإلكترونية إلى كبح إفراز هرمون "الميلاتونين" المسؤول عن تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، فهذا الخلل يمنع الطفل من الدخول في النوم العميق بسهولة، مما يسبب له الأرق، الاستيقاظ المتكرر، والخمول طوال فترة النهار.
من المتوقع أن تقوم الشاشات بعزل للطفل داخل عالم افتراضي يحرمه من فرصة اختلاط مهاراته بالواقع وتطوير لغة الجسد والتواصل البصري مع المحيطين به، فهذا الغياب في التفاعل الحي يضعف من ذكائه العاطفي، ويجعل الطفل يواجه صعوبات بالغة في تكوين الصداقات الفعّالة أو فهم مشاعر الآخرين.
اعلمي أن من أهم طرق الاستثمار في أطفالنا أن نساعدهم على خوض تجارب حياتية حقيقية لأن هذه التجارب تسهم في تغذية دماغ الطفل وبناء شخصيته، كما أنها تقوي لديه قدرته على التركيز والإبداع وتبني المهارات الاجتماعية المبكرة، وتعزز من الصحة النفسية للطفل. ومن الأمثلة على هذه التجارب الحياتية الحقيقية:
حيث تُعد الحركة الحرة واللعب البدني المحرك الأساسي لتنشيط الدورة الدموية وتطوير المهارات الحركية الكبرى والدقيقة لدى الطفل، كما أن اللعب يمنحه مساحة عفوية لتفريغ طاقاته واستكشاف حدود جسده، مما يفرز هرمونات السعادة ويحفز نمو خلايا الدماغ.
وحيث يُتيح اللعب في الهواء الطلق للطفل اختبار حواسه الخمس بشكل كامل عبر لمس التراب، وسماع صوت الطيور، ومراقبة الكائنات الحية، فهذا الاتصال اليومي المباشر بالطبيعة يقلل من مستويات التوتر، ويعزز جهاز المناعة، ويثير فضوله المعرفي تجاه العالم الحقيقي من حوله.
حيث تُعتبر القراءة بوابة الطفل الأولى لتوسيع الخيال وبناء حصيلة لغوية قوية تساعده على التعبير عن نفسه بوضوح، كما أن الاستماع للقصص وتأمل صورها يطور مهارات الاستماع والتحليل والتخيل، ويغرس في الطفل قيماً وأخلاقيات يصعب تلقينها عبر الوسائل التقليدية.
وحيث إن إشراك الطفل في الحوارات العائلية وصياغة القوانين المنزلية يمنحه شعوراً بالمسؤولية والأمان، ويعزز تقديره لذاته بشكل كبير، فهذا التفاعل الحي يعلم الطفل مهارة التفاوض، واحترام الرأي الآخر، ويبني روابط أسرية متينة تحميه من العزلة والانطواء.
اعلمي أن الخطوة الثالثة التي يمكن من خلالها استثمار صحة طفلك، واستغلال مراحل نموه المختلفة هي خطوة تفعيل الحضور الفعال للأب من خلال تخصيص وقت نوعي كل يوم يقضيه مع أطفاله سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً، حيث إن الدقائق البسيطة التي يقضيها الأب مع الأطفال تصنع فرقاً كبيراً في نموه وسعادته حاضراً ومستقبلاً، ومن فوائد هذا الوقت النوعي مع الأب:
حيث يمنح وجود الأب القريب والمهتم طفله ركيزة قوية من الاستقرار النفسي تشعره بأنه محاط بالحماية والرعاية الكاملة، فهذا التواجد اليومي يعمق جذور الانتماء الأسري لدى الطفل، ويخلق لديه مخزوناً من الأمان العاطفي يحميه من القلق والمخاوف النفسية.
حيث يتميز الأب غالباً بأسلوب تواصل يميل إلى المباشرة والحزم اللطيف والتعامل مع المواقف بأساليب مختلفة عن الأم، مما يوسع آفاق الطفل الحوارية، فهذا الاحتكاك يمنح الطفل مرونة عالية في فهم قواعد التعامل الاجتماعي، ويسرّع من قدرته على التعبير عن أفكاره بنضج ووضوح.
فحين يحصل الطفل على دعم والده وتشجيعه في المواقف المختلفة، يرتفع تقديره لذاته وتزيد جرأته على مواجهة التحديات دون خوف، كما أن طريقة الأب في احتواء المواقف الصعبة تعلم الطفل كيفية التحكم في انفعالاته، وتهدئة مشاعره، وإدارتها بشكل ذكي ومتزن.
حيث ينقل الأب خبراته الحياتية لأطفاله، وكذلك عاداته في حل المشكلات من خلال مواقف اللعب، أو إصلاح الأشياء، أو الأحاديث العفوية الشيقة، فهذا التعليم العملي الممتع يسهل على الطفل استيعاب مفاهيم الاعتماد على النفس والمسؤولية، ويكسبه مهارات عملية تدوم معه طوال حياته.
قد يهمك أيضاً: طفلك يرفض ترك الهاتف؟ جربي هذه الطريقة بدلاً من سحب الجهاز فجأة
المصدر: ميسون عبد الرحيم